- تسلط الرواية الضوء على العلاقات العائلية المعقدة، حيث تلعب العمة عايدة دورًا محوريًا، وتُظهر كيف يُبرر العنف الأسري بذرائع مختلفة، مستخدمة أسلوبًا ساخرًا لتخفيف حدة الوصف.
- تُبرز الرواية النفاق المجتمعي الذي يشرعن العنف، وتُظهر كيف يُفرض على الفتيات التظاهر بهويات بديلة، معبرة عن غضب البطلة من هذا النفاق والتناقضات العميقة في المجتمع والأسرة.
"إذا كان ينبغي أن أعيش في سجن... فلسوف أرقص في سجني، وسأُحدِّق إلى عينيّ". بهذه الروح الغاضبة، تصطخب رواية ريم بطّال، لا سيما في نصفها الثاني الذي يروي محاولات كاتبتها التخلص من ثقل التجربة، وفي الوقت نفسه اكتشاف العالم وتحرير نفسها عبر الاعتراف، والإصرار على المواجهة المُستمرة مع مُجتمعات لا تكف عن ارتداء الأقنعة.
تبدأ الكاتبة الفنانة التشكيلية المغربية روايتها الأولى "سأنظر في عينيّ" (منشورات بايار، 2025)، بمشهد صادم لمراهقة في السابعة عشرة تجد نفسها أمام كشف طبي قاسٍ لعذريتها، ولا يعرف القارئ إلا في نهاية العمل بأن اسمها ريم، وهي تصف عيادة الطبيبة الباردة، قادتها إلى هناك عمتها الكريمة عايدة، أشد أفراد أسرتها تقدمية. هكذا ينتهك البنت مَنْ يُفترض أن يحميها؛ الأقربون من نساء عائلتها، تقول الراوية: "وافقتُ على الخضوع لاختبار العُذرية هذا كي يعوا جميعاً حمقهم، كي يتحملوا نتيجة خطئهم وعُنفهم".
مع ذلك، لم توافق ريم حقاً على إجراء الاختبار، بل خضعت له بوصفه عقاباً على خطأ بسيط بأن دخنت سيجارة عند شباك غرفتها، لقد أُجبرت عليه واعتُبر الشرط الوحيد لعودتها إلى بيت أسرتها، بعد عنف أمها الشديد معها، واضطرارها إلى الهرب للشارع لحماية نفسها بإيعاز من أبيها.
كان التمرد بالنسبة إلى مراهقة يعني مجرد تجربة تدخين السجائر
تدور الرواية في زمن ما قبل "فيسبوك" ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث كان التمرد بالنسبة إلى مُراهقة يعني مجرد تجربة تدخين السجائر، وكان التعبير عن الذات مقصوراً على التدوين في دفاتر اليوميات المُزينة بأقفال هشة، والتي ستفضُّها الأم في نوبة غضبها، وكان الشغف بالعالم يتغذى من الروايات الأدبية التي تعلقت ريم كثيراً بها في عالمها الخيالي. كل ذلك العالم يتعرض للتصدع، بسبب حادثة السيجارة.
تتمهل بطّال في سردها، فبعد الصدمة الأولى تصف لنا خريطة العلاقات العائلية التي ستلعب دوراً في تحطيم بقايا طفولتها، وتتوقف تحديداً عند شخصية عمتها عايدة، التي تتمتع بوجاهة اجتماعية خاصة في العائلة، وهي على عداوة حتمية مع أم ريم لأنها رأتها بالطبع أقل شأناً من أن تقترن بشقيقها "اشتعلت بينهما حرب فورية من النظرة الأولى".
ومع أن حادثة الكشف الطبي التي تنهض عليها الرواية حدثت في الدار البيضاء حيث تُقيم عايدة، بعد أن هربت إليها ريم مُستجيرة من عنف بيتها في مراكش، إلا أن الرواية تُعبّر في مجملها عن تجربة العديد من النساء والفتيات العربيات اللائي يتعرضن لعنف جسيم في بيوتهن، بذرائع شتى، لا فقط في المغرب. وتشتغل الكاتبة على التخفيف من حدة وصف هذا العنف باللجوء إلى أسلوب ساخر ينطوي على شيء من مزاج المُراهقة الغافل والساذج. بعد واقعة الاعتداء الأولى وتُعلِّق عليها: "لم أبكِ، فكرتُ أن ذلك سيمنحها الكثير من اللذة"، يأتي الشعور بالخزي الذي سيفجره سؤال تلقائي من الأب، وكأنها ارتكبت جريمة حقيقية: "لماذا فعلتِ ذلك؟".
تُصمم ريم بطّال على كشف شيء من النفاق المُجتمعي الذي يسمح بهذا العنف ويُشرعنه، حين تصف رحلتها بالقطار من مراكش إلى كازا. في العربة تلتقي بحنان، التي تتنبه فوراً هي ومُرافِقها إلى علامات العنف على جسد الصغيرة، وتعرض عليها المُساعدة التي تعني ضمناً الانتقال إلى شكل آخر من الحياة. تنتمي حنان إلى طبقة اجتماعية أدنى، لم تتلق تعليماً مُنتظماً، وحين أتاها الحُب على هيئة شاب جميل سخي بالوعود، اكتشفت في النهاية خداعه، واضطرت هي التي تعرّضت لعنف مُستمر من الأب، إلى هجران بيت الأسرة، والبحث عن حريتها في الشارع. تتفادى الراوية، وهي على هذه الحالة من الهشاشة، إصدار أية أحكام على حنان، بل تشعر بالأسف عليها، بما أن فقر بيئتها الأولى لم يترك لها أملاً في التحرُّر عن طريق التعليم.
تنفجر ذروة غضبها لحظة تكتب طبيبة النساء شهادة عذريتها
مع كل لحظة، تتصور ريم فيها أنّ هناك شخصاً "راشداً" سيتدخل لإيقاف هذا الجنون، وإعادة الأمور إلى نصابها، تكتشف وجهاً أقبح لعالم يُصّر على تحميلها وزر هوسه. عايدة التي تساومها: الكشف الطبي أو الشارع؛ كانت قد عادت في شبابها من كندا، برجل سمته خطيباً، وابن منه قبل أي عقد زواج رسمي. وهي نفسها التي تسمح لابنتها، المُحصنة عندها من أحكام العائلة، بقضاء وقت حميم مع مُراهِق في سنها. وإذا بها تقدم إلى ابنة أخيها، على سبيل العطف، وصْفتها السحرية للتحايل على أعين المُجتمع المُحدقة إليها، بأن تصطنع لنفسها هوية بديلة، تقابل مَنْ تشاء من الشباب باسم آخر، وشخصية مختلفة، بحيث إذا صادفته في المُستقبل، وهي معلقة بذراع زوجها، لن يتعرف حقاً إليها. تتناسب هذه النصيحة مع فلسفة أبي ريم، التي عبَّر عنها لها في أوقات الرخاء: "لنعش في الخفاء، كي نعيش سعداء".
تكشف ريم قناعاً وراء قناع، وتنفجر ذروة غضبها لحظة تكتب طبيبة النساء شهادة عذريتها، مُعلنة براءتها إلا من بضع لمسات، لتصيح ريم مُستنكرة: "أي لمسات؟ لم يحدث قط أن مسني أحد". ستُقدم قربان عودتها إلى بيتها، لتستقبلها أمها بزهو هذه المرة، وقبل أن يندمل جرح ريم، تحكي الأم كيف ظلت لعام كامل قبل زواجها تنسج ملاءة خضراء، فقط لتشهد ليلة زفافها وهي لا تزال عذراء، بعد إصرار الزوج والد ريم على هذا الطقس. "شاهدتُ دموعها ولم أشعر سوى بالنفور، فهمتُ اضطرابها ولم أكن مسؤولة عنه، أما ماما فلم تبد قط واعية باضطرابي، وهي التي سببته لي".
* كاتبة مصرية