ريتشارد داد في معرض يعيد قراءة فنان الجنيات خلف جدران بيدلام

31 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 22:48 (توقيت القدس)
لوحة تيتانيا نائمة للفنان ريتشارد داد، مكتبة الصور الفوتوغرافية للفنون الجميلة (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- إعادة اكتشاف داد: يسلط معرض "ريتشارد داد: ما وراء بيدلام" الضوء على داد كفنان فيكتوري مميز، مع عرض أكثر من 60 عملاً فنياً تتبع مسيرته من بداياته إلى إنتاجه في مستشفيي بيثلم وبرودمور.

- أعماله الفنية: يركز المعرض على دقة داد وخياله في لوحاته، مثل "ضربة سيد الجنيات"، وأعمال مستوحاة من الأدب والأساطير، مما يعكس اهتمامه بالجنيات والفولكلور البريطاني.

- تأثير الرحلات والذاكرة: يعرض المعرض رسومات داد من رحلته للشرق الأوسط، وتأثيرها على ذاكرته البصرية، مع استمرار تأثيره على الفنون بعد إعادة الاهتمام بأعماله في السبعينيات.

بعد عقودٍ ظل فيها اسم ريتشارد داد مرتبطاً بقصة مرضه النفسي والجريمة التي غيرت مسار حياته، تعيد الأكاديمية الملكية للفنون في لندن فتح ملف أحد أكثر الفنانين الفيكتوريين خصوصيةً عبر معرض "ريتشارد داد: ما وراء بيدلام"، الذي يتواصل حتى الخامس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول من العام الجاري.

يقدم المعرض ما يزيد عن 60 عملاً تتتبع مسيرة الفنان، من بداياته في الأكاديمية الملكية إلى إنتاجه الفني خلال إقامته الطويلة في مستشفيي بيثلم وبرودمور، في محاولةٍ لإعادة وضع أعماله في سياقها الفني والتاريخي.

يحمل عنوان المعرض دلالةً تتجاوز الإشارة إلى المكان الذي أمضى فيه داد أكثر من أربعة عقود من حياته؛ إذ يفتح النقاش حول الطريقة التي جرت بها قراءة تجربته طويلاً من خلال سيرته الشخصية، بينما تكشف الأعمال المعروضة عن مشروعٍ بصريٍّ قائمٍ على الخيال والدقة والمراقبة المكثفة للطبيعة. ويقدم المعرض لوحاتٍ ورسوماتٍ تظهر اهتمام داد بالتفاصيل الصغيرة، وببناء عوالم مكتظةٍ بالكائنات والنباتات والعناصر الرمزية.

في قلب المعرض، تحضر لوحة "ضربة سيد الجنيات" (The Fairy Feller’s Master-Stroke)، التي أنجزها داد بين عامي 1855 و1864 بعد حوالي تسع سنواتٍ من العمل. تعد هذه اللوحة من أشهر أعماله وتظهر مشهداً مصغراً لعالم الجنيات يجتمع فيه عددٌ كبيرٌ من الكائنات حول جنيةٍ ترفع فأسها لقطع شجرة كستناء بهدف إصلاح عربة الملكة ماب. تتراكم التفاصيل في مساحة اللوحة الصغيرة، حيث تتحول الأعشاب والأوراق والوجوه والأجساد الصغيرة إلى شبكةٍ بصريةٍ دقيقة تجعل المشاهد يقترب منها كما لو أنه يتأمل عالماً طبيعياً مجهرياً.

ويكشف المعرض عن جانب أفسح من تجربة داد المرتبطة بالجنيات؛ فهو يعرض أعمالاً مبكرةً مستوحاة من الأدب والأساطير، وضمنها لوحاتٌ مرتبطة بعالم شكسبير، مثل "بوك" و"تيتانيا نائمة"، حيث تظهر الكائنات الخيالية ضمن أجواء تجمع بين الغموض والجمال والقلق. كانت جنياته مستمدة من الفولكلور البريطاني القديم، حيث تبدو مخلوقات مستقلة تحمل حضوراً غريباً يختلف عن الصورة الحديثة الحالمة للجنيات.

كما يسلط المعرض الضوء على رسومات داد خلال رحلته إلى الشرق الأوسط، التي شملت اليونان وتركيا وسورية ومصر، حيث سجل مشاهد المدن والأسواق والآثار. وقد شكلت هذه الرحلة مرحلةً مهمةً في تكوين ذاكرته البصرية، إذ برزت تفاصيلها لاحقاً في أعماله إلى جانب مشاهد الطبيعة والأشخاص الذين التقاهم في المؤسسات التي عاش فيها.

ريتشارد داد المولود عام 1817، درس في الأكاديمية الملكية للفنون، وبرز في شبابه رساماً موهوباً قبل التحولات التي عرفتها حياته. عام 1843، قتل والده تحت تأثير أوهامٍ مرضية، ثم نقل إلى مستشفى بيثلم الملكي، قبل أن ينتقل إلى برودمور، حيث واصل الرسم حتى وفاته عام 1886. وخلال سنوات إقامته الطويلة في المصحات، حافظ على إنتاجه الفني مستفيداً من ذاكرته ومن مراقبته للعالم المحيط به.

خفتت شهرة داد لفترة بعد رحيله، قبل أن يعود الاهتمام بأعماله خلال سبعينيات القرن العشرين، لتصير تجربته مصدر إلهامٍ لفنانين وكتاب وموسيقيين، وضمنهم الفنانة كورنيليا باركر والكاتبة أنجيلا كارتر وفرقة كوين التي استلهمت أغنيتها "The Fairy Feller’s Master-Stroke" من لوحته الشهيرة.

"ريتشارد داد: ما وراء بيدلام"، المعرض الذي افتتح في الخامس والعشرين من يوليو/تموز الجاري، يفتح المجال لقراءة جديدة لفنان تشكلت رؤيته عبر الخيال والذاكرة والعزلة، ويعيد الأعمال إلى مركز التجربة، إذ تظهر لوحاته عوالم دقيقةٍ ومركبة حافظت على قدرتها على إثارة الأسئلة بعد أكثر من قرن على إنجازها.