ريبال ملاعب.. اللون في قوامه الأصلي

20 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 26 ديسمبر 2025 - 16:20 (توقيت القدس)
ريبال ملاعب إلى جانب إحدى لوحات معرضه (غاليري صالح بركات)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- اللون والضوء في أعمال ريبال ملاعب: يُعتبر اللون العنصر الأساسي في أعماله، حيث يتعامل معه كعنصر مستقل نسبياً عن التشكيل، ويظهر حساسيته تجاه الضوء والملمس من خلال تدرجات طيفية واسعة.

- التأمل في الضوء واللون: تتوهج لوحات ملاعب بضوء قوي، مما يعيدنا إلى مقولة تيرنر "الضوء هو بالتالي لون"، وتلامس تأملات الزن في الفن الياباني.

- الجذور الفنية والتواصل العائلي: تأثر ريبال بلوحة والده جميل ملاعب، مما يعكس التواصل الفني بين الأجيال، وتُظهر رحلته الأكاديمية والعالمية تطوره الفني المستمر.

اللون هو كلمة السرّ أو المدخل الأنسب لفهم عالم الفنان ريبال جميل ملاعب، الذي يتعامل معه بوصفه عنصراً مستقلّاً نسبياً عن التشكيل، حيث تتوزّع في لوحاته التدرّجات الطيفيّة على مساحات واسعة، مندمجة مع فروق دقيقة تكشف حساسيته تجاه الضوء والملمس. في معرضه الجديد "الانسياب في النور"، المتواصل في غاليري صالح بركات حتى الثاني من الشهر المُقبل، يستكمل التشكيلي والموسيقي (بيصور، 1992) المُقيم في سويسرا مشواره العالمي من بوابة بيروت هذه المرّة، بعد معرض فردي أول له فيها عام 2021 احتضنه حينها غاليري جانين ربيز.

لا ترسم فرشاة ريبال ملاعب أشكالاً واضحة بقدر ما تُهيّئ غِلالات شفّافة متحرّرة من ثقل الشكل التقليدي. هذا الخيار الجمالي، النادر نسبياً في المشهد التشكيلي اللبناني الشاب، يضع تجربة ملاعب في حوار غير مباشر مع تجارب سابقة، مثل مائيات عفاف زريق المتخفّفة، أو مقاربات هلن الخال اللونية في ستينيات القرن الماضي، وربما مع تجريدية صليبا الدويهي، وإن كان الأخير أكثر كثافة. غير أنّ ملاعب يعيد صياغة سؤال اللون والضوء من موقع معاصر، أكثر ميلاً إلى السيولة والانسياب.

ريبال ملاعب -القسم الثقافي
تأمّل الوجود من بوابة الضوء (من المعرض/ العربي الجديد)

تتوهّج لوحة ريبال ملاعب بضوء قوي يذكّر ببعض تقنيات التصوير الفوتوغرافي التي تُكثّف الإضاءة داخل الصورة. هذا اللمعان يعيدنا إلى رؤية تيرنر للضوء على أنه في نهاية المطاف لونٌ. في تقديمها للمعرض تكتب الفنّانة والقيّمة إيمي تودمان: "لوحات ملاعب هي صور للحركة، وملاحظات عن السماء المتغيّرة من النهار إلى الليل، بهدوء يمتدّ من يوم إلى آخر، ومن فصل إلى فصل. تمتد ضربات فرشاته عبر مساحات القماش، أحياناً بوضوح، ويبدو اللون مسرعاً لكنه في الوقت نفسه رقيق، ملتقطاً ما أمامه، ومحوّلاً سعة الطبيعة إلى مقاييس كبيرة اختارها بعناية".

غِلالات تتحرّر من ثقل الشكل وتكشف حساسية تمثيل الضوء

من هذا المنظور، يمكن فهم تعامل ملاعب مع الضوء بوصفه حالة إدراكية قبل أن يكون ظاهرة بصرية. فاللوحة تتجنّب رسم الأشكال المباشرة، مكتفية باللون في قوامه الأصلي، قبل أن يستقرّ في صورة أو مشهد. إنّه خيار جمالي يلامس بعض تأمّلات الزن في الفن الياباني، حيث يُنظر إلى الفراغ واللون بوصفهما فضاءً للتأمّل لا للتمثيل، وهو ما ينسجم مع كون ملاعب ممثّلاً لـ"غاليري ميزو" الياباني.

ريبال ملاعب -القسم الثقافي
جميل وريبال ملاعب في متحف سرسق ببيروت، 20 أغسطس 2025 (العربي الجديد)

لا يُمكن فهم تجربة الفنان اللبناني الشابّ بالكامل من دون العودة إلى جذورها، وتحديداً إلى لوحة والده الفنان جميل ملاعب (1948) التي تُشكّل جزءاً من البيت الذي نشأ فيه. لوحة رصدت الواقع، وتعاملت معه كقصيدة تصوّر الحياة اليومية من الأمور البسيطة إلى الأشياء الثمينة. أو كما وصفها الشاعر أدونيس، هي "شعرنة الحياة اليومية". تشكّل هذه الخلفية نقطة انطلاق لفهم رؤية ريبال، الذي يحمل في أعماله صدى هذه الحمولة، ولكن من خلال لغة بصرية خاصة.

في الصيف الماضي، اجتمع الأب والابن على درج "متحف سرسق" لتوقيع كتاب يسلط الضوء على تجربة جميل ملاعب، فيما كان "مهرجان ملاعب للموسيقى" (تأسس عام 2015) في أكتوبر الماضي فرصة أُخرى للتقارب بين أجيال العائلة. تحت سقف منزلهما في قرية بيصور الجبلية، حيث تتزيّن جدرانه بأعمال الأب والابن، عزف ريبال مقطوعات كلاسيكية برفقة شريكته الموسيقية تانيا سونيك وعازفة البيانو إيفلين بيريزوفسكي (يُحيي ملاعب وبيريزوفسكي أمسية موسيقية في الغاليري مساء الثلاثاء المقبل)، محقّقاً تواصلاً فنياً يمتد عبر الأجيال. مشاهد تعكس العلاقة بين تجربتين، واستمرار الحلم الفني في مسيرة العائلة.

عودة ريبال ملاعب في معرضه هذا إلى بيروت مرّت بمحطات أكاديمية طويلة، منها: سالزبورغ ثم فيينا، حيث نال الماجستير من "جامعة الموسيقى وفنون الأداء"، قبل أن ينطلق في رحلة عالمية بين زيوريخ وجنيف وطوكيو ونيويورك وأبوظبي وعمّان وغيرها.