رحيل هنري غودين: في مديح الزوايا الحادة

08 مارس 2021
الصورة
غودين وخلفه مبنى "معهد الدراسات العليا" في ليون من تصميمه (AFP)
+ الخط -

بفضل وضعه عدداً من المؤلفات، أبرزها: "الكوخ والمتاهة" (1984)، و"ولادة شكل" (2001)، و"اعتبارات حول الفضاء" (2003)، و"خارج الجدران" (2012)، أخذ المعماري الفرنسي هنري غودين (1933 - 2021) موقعاً تحت الأضواء، على الرغم من أنه كان قليل الظهور في وسائل الإعلام وفي الحياة العامة، كأنه كان يفضّل التواصل مع غيره عبر المباني التي يصمّمها أو الكتب التي يؤلّفها. 

في أعمال غودين، الذي رحل عن عالمنا يوم الجمعة الماضي، نزعة إلى الضخامة وإلى الأشكال الحادة، حيث تبدو عناصر البناءات التي يصمّمها مثل كتل حجارة كبيرة متصادمة. في ذلك، يبدو غودين في قطيعة مع أشهر المعماريين الذين وضعوا بصماتهم في الفضاءات العامة الفرنسية، مثل لوكوربوزييه بنزعته الاختزالية وجان نوفيل بميله نحو التدوير. 

كثيراً ما يُفسَّر ذهاب غودين إلى الضخامة والحدة بكونه متأثراً بالمدارس المعمارية الأميركية، حيث إنه سافر مباشرة بعد تخرّجه إلى الولايات المتحدة ليشتغل بضع سنوات في مكاتب تصميم معماري كبيرة كانت تشتغل أساساً في تنفيذ مشاريع عملاقة تلزّمها لها شركات دولية تحاول أن تستقر في نيويورك أو واشنطن، ويهمّها أن تعبّر مقرّاتها عن تموقعاتها في السوق.

كان يتعاطى مع كل مشروع كمحاولة لخلق الشعور بالاتساع ضمن الضيق

وُلد غودين في مدينة لاروشيل المطلّة على المحيط الأطلسي، وقد كان يتهيّأ لدخول المدرسة العسكرية ويصبح ضابطاً بحرياً ضمن تقليد عائلي، لكنه فضّل أن يتجه إلى باريس ويلتحق بـ"مدرسة الفنون الجميلة"، ومن ثمّ يتخصّص لاحقاً في التصميم المعماري. ربما أثّرت مدينته في رؤيته لفن العمارة، فذلك الأفق المفتوح على البحر كان يغذّي مخيّلته لمشاريع لامتناهية، هدفها ملء الفضاء بكل ما يتوافر من وسائل. حتى حين كان يُعهد إليه بمشاريع في فضاءات ضيقة، مثل الأحياء القديمة لبعض المدن الفرنسية، كان يتعاطى مع كل مشروع كمحاولة لخلق الشعور بالاتساع ضمن الضيق.

في كل مرة، يبحث غودين عن تغذية فنّ العمارة بالمخيّلة. كذلك فإننا نعرف من خلال مؤلفاته، وخصوصاً في "خارج الجدران" (صدرت طبعة جديدة منه هذا العام)، هناك حيث يُظهر ارتباطه الحميمي بالفنون التشكيلية على الرغم من كونه لم يحاول قَطّ أن ينجز مسيرة فنية موازية لمسيرته في عالم المعمار.

لكن هذه العلاقة مع الفن تفسّر خيارات كثيرة في أعماله المعمارية، ولا سيما تلك الجرأة على كسر الأشياء والاعتناء بالشعرية التي يُنتجها مبنى يبدو متداخلاً ظاهرياً مع كل ما يحيط به. بالنسبة إلى غودين، أن نصمّم مبنى جديداً، يعني أن المكان الذي سيحتضنه سيتغيّر في مجمله.

من هذا المنظور يمكن أن نقرأ أبرز أعماله: مبنى "المسرح الكبير" في مدينة لوريان شمال غربيّ فرنسا (2003)، ومركز الأرشيف في باريس (1989)، و"متحف الفنون الآسيوية" في المدينة ذاتها (2000)، و"معهد الدراسات العليا" في ليون (2000)، و"مدينة الموسيقى والرقص" في سترازبورغ (2005)...   

المساهمون