رحيل جاك بوفرس.. الفيلسوف بوصفه رياضياً

رحيل جاك بوفرس.. الفيلسوف بوصفه رياضياً

13 مايو 2021
الصورة
جاك بوفرس (1940 ـ 2021)
+ الخط -

هل كان جاك بوفرس، المولود عام 1940 في عائلة فلّاحين، فقيرة، في قرية إيبنوا (لا يتجاوز عدد سكّانها، اليوم، الـ700 نسمة)، يتخيّل في صِغَره أنه سيصبح يوماً أستاذاً للفلسفة في "كولّج دو فرانس"، أرقى مؤسّسات البحث والتعليم في فرنسا؟ لم يترك الفيلسوف، الذي رحل عن عالمنا مطلع هذا الأسبوع عن واحد وثمانين عاماً، كتابَ مذكّراتٍ لكي نبحث فيه عن إجابة. وعلى أيّ حال، فإنّ وصول ابن عائلة فقيرة إلى أعلى مراتب التحصيل العلمي والبحث في فرنسا يبقى أمراً نادراً، لا يخترقه إلّا قليلون استطاعوا تقديم إضافة فكرية حقيقية تساعدهم على "الصعود" اجتماعياً، كما يقول علماء الاجتماع.

كان بوفرس "معلّماً" لتيّار بأكمله في الفلسفة الفرنسية، حيث يُعَدّ الاسم الذي أدخل عناصر الفلسفة التحليلية الأنغلوساكسونية، وفلسفة اللغة والذهن، إلى بلدٍ مثل فرنسا كان منغلقاً على هذه التيّارات، ضمن تقسيم حادٍّ، لا يزال مستمرّاً حتّى اليوم، بين فلسفة قارّية (فرنسية وألمانية بشكل أساسي) وأخرى تحليلية، إنكليزية وأميركية في المقام الأوّل.

ويُعَدّ صاحب "دراسات في فلسفة اللغة" (2013) من أوّل الأسماء التي التفتت، ضمن عوالم الأكاديمية الفرنسية، إلى اشتغالات الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين، حيث خصّص له أطروحته لنيل درجة الدكتوراه، وقد حملت عنوان "أسطورة الجوّانية: التجربة، المعنى واللغة الخاصّة لدى فيتغنشتاين" وصدرت عام 1975، في وقت لم يكن فيه هذا الأخير معروفاً إلّا لدى قِلّةٍ في فرنسا.

انتزع المفكّر الفرنسي شرعيّةً أكاديمية لفلسفة اللغة في بلاده

بدأ بوفرس حياته التدريسية معلّماً مساعداً في قسم الفلسفة بجامعة "باريس 1 بانتيون سوربون" (بدءاً من 1969)، قبل أن ينضمّ كباحث إلى "المركز الوطني للبحث العلمي" (عام 1971)، ثم ينتقل للتدريس في "جامعة جنيف" (1979)، قبل أن يعود إلى فرنسا معلّماً للفلسفة في جامعة باريس الأولى نفسِها (1983)، ومن ثم مديراً لوحدة الدراسات المسمّاة "تاريخ وفلسفة العلوم" في "المركز الوطني للبحث العلمي" (1992). وقد تُوّجت مسيرته الأكاديمية هذه بتسميته أستاذاً في "كولّج دو فرانس" (1995)، وقد أطلق على كرسيّه في هذه المؤسّسة اسم "كرسيّ فلسفة اللغة والمعرفة"، فيما عُدَّ تجديداً في صرحٍ لطالما كان قليل الانفتاح على هذا النمط من الاشتغال الفلسفي.

وبهذا، فقد استطاع بوفرس، باشتغالاته المتعدّدة على فلسفة اللغة والذهن، انتزاع شرعيّةٍ لهذا الحقل الفلسفي، الذي لم يعد اليوم بحاجة لمَن يبحث عن تبرير لوجوده في فرنسا. وربما كان أبرز دليل على هذا أن كرسيَّيْ الفلسفة الوحيدَيْن الموجودين في "كولّج دو فرانس" في يومنا هذا ينتميان إليه، وهما كرسيّ بوفرس نفسه الذي باتت تشغله تلميذته كلودين تيارسلان، و"كرسيّ فلسفة اللغة والذهن" الذي يشغله فرانسوا رُكاناتي.

على غرار عنوان كتابه، "عن الفلسفة باعتبارها رياضةً"، كانت تجربة بوفرس حافلةً بالحِراك والمواجهة، وهو الذي نشر ما يزيد عن خمسين كتاباً، لم يتوانَ في بعضها عن توجيه نقدٍ شرِس إلى بعض من "نجوم" الفلسفة القارّية الذين تعرّضوا لمفاهيم يقدّسها كمنطقيٍّ، مثل ميشيل فوكو ونقده لمفهوم الحقيقة، الذي خصّص له كتاب "نيتشه ضدّ فوكو" (2016). كما أبدى بوفرس، خلال مسيرته، ميلاً إلى بعض الأسماء الروائية التي أحسّ بقرب عوالمها السردية من الاشتغال الفلسفي المفاهيمي، مثل روبرت موزيل وكارل كراوس.

آداب وفنون
التحديثات الحية

المساهمون