رحلة الهدهد.. "منطق الطير" بالدارجة المغربية

27 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 06:03 (توقيت القدس)
من العرض (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في مهرجان الثقافة الصوفية بفاس، قُدّم عرض "الهدهد والطيور الاثنا عشر" من إعداد فوزي الصقلي وإخراج ليلى الصقلي، مستلهمًا من "منطق الطير" لفريد الدين العطار، حيث تتجاور البلاغة الشعبية مع الإشراق الصوفي.

- العرض تأملٌ في الإنسان، حيث تدعو الممثلة آمال عيوش الطيور لرحلة بحث عن ملك الطيور، في استعارة لمسار الروح نحو الحقيقة، مع مشاهد تتعاقب كالأودية، كل منها يمثل سيرة النفس.

- الموسيقى، كيان نابض، تعزف على العود والدفّ، تمتد من أنغام شمال المغرب إلى إيقاعات الأطلس، لتعيد وحدة التنوع المغربي، حيث يتجلى المسرح كمقام للتجلي والبحث عن النور الداخلي.

"سلامٌ على الأحباب في القرب وفي البعد"، بهذه التحية التي تشبه نَفَسَ الذكر، انفتح الستار على عرضٍ يستدعي الصفاء قبل الصوت، والدهشة قبل الكلمة، الجمعة الماضي، في ساحة "باب الماكينة" التاريخية بمدينة فاس المغربية، في إطار مهرجان الثقافة الصوفية

قُدّم عرض "الهدهد والطيور الاثنا عشر"، وهو إعداد الباحث في التصوف فوزي الصقلي، وإخراج ليلى الصقلي، التي وقّعت أيضاً السينوغرافيا، مستلهمةً من روح "منطق الطير" لفريد الدين العطار، باللهجة المغربية، حيث تتجاور البلاغة الشعبية وعمق الإشراق الصوفي.

منذ اللحظة الأولى، بدا أنّ الخشبة فضاءٌ للسلوك أكثر من التمثيل، وأنّ العرض تأملٌ في الإنسان. بدأ المساء بفسحةٍ طربية أدّتها مجموعة "بذور وجسور" بصوت المطربة الشابة بيان ومعها الفنان عبد القادر غيث، في افتتاحٍ يهيئ السمع والروح لعبور نحو الحكاية.

حضرة يتجاور فيها الطفل والعارف، والموسيقى والسكينة

ومن بين الألحان، يتجلّى الهدهد، الذي تؤدّي دوره الممثلة آمال عيوش، ليدعو الطيور إلى رحلةٍ من وادٍ إلى وادٍ، بحثاً عن ملك الطيور، في استعارةٍ عن مسار الروح في طلب الحقيقة. 

المشاهد تتعاقب مثل الأودية؛ وادي التساؤل، وادي المعرفة، وادي الثقة، وادي التواضع، وغيرها إلى أن نصل وادي الرؤيا. كل وادٍ مشهدٌ من سيرة النفس. 

تكلم الطاووس المتعلق بجماله، والحمام الزاجل الذي لا يهاب الرحلة، والنسر المأسور بقوته، والبلبل المغرور بصوته، والغراب الواثق من نفسه رغم ما يُقال عنه، والبومة حارسة أحلام غيرها.. كل طائر، في حواره مع الهدهد، يتخفف من غفلته قليلاً قليلاً، إلى أن يُدرك أن الطريق إلى الملك هو طريق العودة إلى الذات.

 في وادي التواضع، يهمس الهدهد للنسر: "إنّ الثقة جميلة، لكنها إذا فاضت كسرت ما ملأته قبلاً. انظر إلى النوارس فوق البحر، لا تتنازع فكل يمسك رزقه بتواضع، فالتواضع هو الروح الحقيقة".
 
ثم يأتي وادي الرؤيا، حيث تتجلّى الرؤية بالقلب إلى جانب العين، فترى الطيور ما وراء الصورة، وتدرك أنّ النور الذي تبحث عنه كان فيها منذ البدء.

الموسيقى في العرض كيانٌ نابض. تُعزف على العود والدفّ، في تنويعاتٍ تمتدّ من أنغام شمال المغرب من طنجة وتطوان إلى إيقاعات الأطلس وسوس، لتعيد إلى الذاكرة وحدة التنوع المغربي.

في حديثٍ إلى "العربي الجديد"، قال الباحث فوزي الصقلي: "إنّ العمل لم يُرد له أن يكون عرضاً فرجوياً بالمعنى المتعارف عليه، بل سلوكاً جماعياً نحو المعنى"، مضيفاً: "كل مشهدٍ في "الهدهد والطيور الاثنا عشر" كتبته ليكون درجة من سلمٍ داخليٍّ نحو النور.

وعن السينوغرافيا قالت المخرجة ليلى الصقلي لـ"العربي الجديد": سعيت لأن تكون مثل حضرةٍ يتجاور فيها الطفل والعارف، والموسيقى والسكينة، والظلّ والنور. فالمسرح عندي مقامٌ للتجلي؛ نبحث فيه مع المتلقي عمّا يُنصت إليه القلب قبل أن تنطقه الشفاه.

في المشهد الختامي، يتساءل الهدهد بصوت العارف: مَن ملك الطيور؟ فيجيبه الصدى من عمق الرحلة: "أنا ملك الطيور، المتحرر من خوفي"؛ لحظةٌ صوفيةٌ تختزل معنى السير والسلوك.

المساهمون