رحلة ابن فضل الله العمري: رصد أحوال الأكراد بعد اجتياح هولاكو

رحلة ابن فضل الله العمري: رصد أحوال الأكراد بعد اجتياح هولاكو

15 مايو 2021
الصورة
رسم لإحدى المعارك التي خاضها الأكراد ضد التتار (Getty)
+ الخط -

كتب الكثير من الرحالة والجغرافيين العرب والمسلمين عن الأكراد وبلادهم، ولكن الأصيل في هذه الكتابات بقي قليلاً، فمعظم ما يرد عنهم في الموسوعات والكتب الجغرافية والبلدانية منقول عن مصادر قديمة، ومكرور في معظمه، باستثناء بعض النصوص ذات القيمة النوعية، ومنها ما كتبه الرحالة الأديب شهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري في موسوعته "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار"، والذي سبق له أن عمل رئيساً لديوان الإنشاء في بلاط السلطان الناصر محمد بن قلاوون قبل العام 741 هـ / 1341م.

ولا ينقص من قيمة نص العمري أنه مسجوع، فقد كتبه مما رآه وسمعه، ولم ينقل عن غيره، وأتى بمعلومات مهمة عن مرحلة مفصلية في تاريخ الأكراد بعد اجتياح جيوش هولاكو لبلادهم، ونزوح قسم وافر منهم، واستقرارهم في أقاليم بلاد الشام واليمن ومصر.


بلاد الجبال

يقول العمري إن الأكراد يسكنون في بلاد الجبال إلى جوار أمم أخرى هي اللر، والشول، وشنكارة. وفي تبيانه لحدود بلاد الجبال يقول إنها "الجبال الحاجزة بين ديار العرب وديار العجم، وابتداؤها جبال همذان وشهرزور، وانتهاؤها صياصي الكفرة من بلاد التكفور، وهي مملكة سيس وما هو مضاف إليها بأيدي بيت لاون"، والمقصود بمملكة سيس وبلاد التكفور أرمينيا الصغرى التي كانت عاصمتها قريبة من أضنة الحالية.

ويقول رحالتنا إنه لم يذكر من عشائر الأكراد إلاَّ من كان به خبيراً، ولم يسم فيها منهم إلا بيت ملك أو إمارة، ابتداءً بجبال همذان وشهرزور وأربيل، ويشير إلى أن ما ذكره هو خلاصة المقصود، "إذ لم يبق إلا أكراد الجزيرة وقرى ماردين، وهم لكل من جاورهم من الأعداء الماردين، مع أن أماكنهم ليست منيعة ومساكنهم للعصيان غير مستطيعة". ويضيف: "فمنهم طائفة بجبال همذان وشهرزور يقال لهم الكورانية، منهم جند ورعية، وكلهم أولو شوكة وحمية، مقيمون بموضع يقال له رياوست، ومكان ثان يقال له درشك، أميرهم الأمير محمد، وعدة القوم تزيد على خمسة آلاف، لا بين بينهم ولا خلاف".


الأكراد الكلالية

ويقول العمري حول الأكراد الكلالية: "هم قوم لهم مقدار وكمية، تعرف بجماعة سيف الدين صبور، ومقامهم دانترك ونهاوند إلى قرب شهرزور، وعدتهم ألف رجل مقاتلة قوية، وأميرهم يحكم على من جاورهم من العصابة الكردية حكم الملك على جنده، ويقدر على جمع عدد أصناف عشيرته، لأنهم واقفون بصدق كلمته، وحسن سيرته".

ويذكر وجود طائفتين أخريين من الكلالية؛ "إحداهما مقيمة بنواحي دقوق، وعددهم ألف أو دونها، والأخرى بإشنة من نواحي آذربيجان عدة رجالها مائتان، وكانوا أكثر من ذلك عدداً، وأوفر مدداً، لما كان الملك شرف الدين بن سلار صاحب أربل من جهة التتر قتله رجل من الكفار، فعصى قومه على الكفار، وهاجر بعضهم إلى مصر والشام، وبقي ولده الأمير محمد حاكماً على من بإشنة من قبيلته، وولده الأمير عثمان أميراً لمن أقام بوطنه من عشيرته".

ويشير العمري إلى قوم بجبال همذان يقال لهم رنكليه، "أصحاب شجاعة وحيلة وعدتهم ألفان، يقال لهم جماعة جمال الدين بالان، يحكم على بلاد كنكور، وما جاورها من البقاع والكور".


بلاد شهرزور

وحول بلاد شهرزور يقول إنه "كان يسكنها طوائف من الأكراد قبل خراب البلاد (يقصد غزو هولاكو)، أكثرهم رجالاً وأوفرهم أموالاً طائفتان؛ إحداهما يقال إنها اللوسة، والأخرى تعرف بالبابيرية، رجال حرب، وإقبال وطعمة وضرب، نزحوا عنها بعد واقعة بغداد في عدد كثير من أهل السواد، بالنساء والأولاد، وأخلوا ديارهم، ووفدوا إلى مصر والشام، وتفرقت منهم الأحزاب، وأصابتهم الأوصاب، وعظم فيهم المصاب، ولكل أجل كتاب. وقد بقي في أماكنهم، وسكن في مساكنهم قوم يقال لهم الخركسية، ليسوا من صميم الأكراد".

ويتابع معدداً أسماء القبائل التي تسكن بلاد شهرزور فيذكر السيولية ويقول إنهم يسكنون بين شهرزور وإشنة، "يبلغ عددهم ألفي نفر، ذوو شجاعة، وحميةٍ، وهم قسمان؛ قسم مورك بن عز الدين محمود، والآخر قسم يعرف بالأمير داود، ويعرف بداود بدران. ثم يليهم القرياوية، وهم يسكنون بعض بلاد بسقاد، وبيدهم من بلاد أربل أماكن أخر، يزيد عددهم على أربعة آلاف نفر، كان أميرهم أبو بكر يلقب بسيف الدين، وتولاهم بعده ولده شهاب الدين".

ثم يذكر قبيلة تسمى الحسنانية، ويقول عن رجالها إنهم "ذوو أنفس قوية، ينقسمون على ثلاثة بطون، وهم نحو الألف، أكبر بطونهم طائفة عيسى بن شهاب الدين كراي، ولهم الخفر لقلعة بري والحامي، وثاني بطونهم نفران؛ نفر يقال لهم البلية، والآخر يعرف بالجاكية، وكان الأمير عبد الله بن شهاب الدين زنكي أمير النفرين. وثالث بطونهم كان لفخر الدين أمير قيم، والآن أخوه اختيار الدين عمر بن أبي بكر، وتختص الحسنانية ببلاد الكركار (بين آمد وملاطية)، وتشاركهم القرياوية في الخفارة المأخوذة بدربند قرايلي مشاركة الآخرين، ثم يليهم بلاد الكرجيين".


بين المغول والمماليك

بعد ذلك يحدثنا عن مكان من أعمال أربيل يدعى "بين الجبلين"، ويقول إن أهله "قوم يتخدمون للدولتين (أي المغول والمماليك)، ويدارون الفئتين، فهم في الشتاء يعاملون التتر بالمجاملة، وفي الصيف يعينون سرايا الشام في المحاملة، وعددهم كعدد الكلالية، وكان أميرهم تاج الدين الخضر بن سليمان كاتباً ذا بنان ولسان، وفد إلى الباب الملكي المنصوري السيفي قلاوون بمصر ثم اخترمته المنية، وعاد أولاده الأربعة إلى أوطانهم في الأيام العادلية الزينية، مع عز الدين سنقر من الشهرزورية، والمبارز بن شجاع الدين من المازنجانية، وبهاء الدين بن جمال الدين خوش من الحميدية، إذا لم يجدوا لهم في الدولة الزينية حرمة مرعية ولا أخباراً مرضية".

ويلي هؤلاء من أعمال أربيل المازنجانية، ويقول إنهم طائفة تنسب إلى الحميدية، "لم يبق لهم أمر غير أمرائهم، وعدتهم تنضاف إليهم في شدتهم ورخائهم، ولا تنقص عدتهم عن ألف مقاتل". ويضيف: "هؤلاء المازنجانية يتعانون الصلافة، ويتشبهون بالناس (أي المماليك) في الآلات واللباس، لأن أميرهم كان من أمراء الخلافة من الدولة العباسية، لقب من ديوان الخلافة بمبارز الدين واسمه كنك، وكان يدّعي الصلاح وتنذر له النذور، فإذا حملت إليه قبلها، ثم أضاف إليها مثلها من عنده وتصدق بهما معاً".

ويستطرد العمري في الحديث عن مبارز الدين هذا، وكيف كانت له مكانة عالية عند التتار بعد أن عجزوا عن استئصال قومه، وكيف عينوه ملكاً على أربيل وأعمالها "وصرفوه في سيفها ومالها، وأقطعوه عقرشوش بكمالها، وأضافوا إليه دارا وتل حفتون، وقدموه على خمسمائة فارس أو يزيدون".

ويصف لنا حالة البذخ التي كان يعيشها ابنه المسمى نجم الدين خضر فيقول: "كان من الرفاهية على سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، ونِعمٌ مما ترك أبوه موروثة إلى حاشية وغاشية، وعقار وماشية، وسعادات قديمة وناشية، ومكانة في الدولتين الإسلامية والتتارية (يقصد المغول) لا تطاول، ورتبته عالية في الجهتين لا تحاول، وانبساط في اللذات، وشرف بالعرض والذات، ويد لا تقصر في أدب، ولا تبالي بلاغتها بما تنفق من كنوز الفضة والذهب، وكانت ترد على الأبواب السلطانية بمصر ونواب الشام منه كتب، تنهل بماء الفصاحة كالسحب، وتسرح في أحيائها الأبكار العُرَب".


بلاد السهرية والزرزارية

يحدثنا رحالتنا عن "بلاد السهرية المشهورين باللصوصية"، ويقول: "هي من بلاد شقلاباد إلى خفتيان أبي علي، ويعرف بخفتيان الصغير، وما بين ذلك من الدشت والدربند الكبير، وهم قوم لا يبلغ عددهم ألفاً، وجبالهم عاصية، ودربندهم بين جبلين شاهقين يشقهما الزاب الكبير، ويتقلب على صخورهما بصوت مفزع وهدير قوي، عليه ثلاث قناطر اثنتان منهما بالحجر والجير، والوسطى مضفورة من الخشب كالحصير، علوها عن جهة الماء، مائة ذراع في الهواء، وطولها بين الجبلين، خمسون ذراعاً في عرص ذراعين، و(هذه القنطرة الخشبية) قد تنقل تارة من أرضها، فينقص من طولها أو يزاد في عرضها، ثم تمر عليها الدواب بأحمالها، والخيل برجالها وهي ترتفع وتنخفض، وتنبسط وتنقبض، يخاطر المجتاز عليها بنفسه، ويغامر بعقله، وهم يأخذون الخفارة عندها، يجيلون ما شاءوا بعدها".

ثم يشرح لنا معنى الدربند بقوله إنه "مضيق على نهر عميق"، وأن أهل هذه البلاد أصحاب "غدر وخديعة، وقبائح شنيعة، لا يستطيع المسافر مدافعتهم فيه، بل ترضيه سلامته بنفسه".

وينتقل العمري للحديث عن قبيلة أخرى مجاورة للسهرية يطلق عليهم اسم الزرزارية (بمعنى ابن الذئب)، وينقل بعض الأقوال فيهم بأنهم من العجم (أي الفرس) المتكردين المنسوبين إلى ملوكهم، وقال إن عددهم كبير "منهم زراع وأمراء وأغنياء وفقراء، تبلغ عدة رجالهم خمسة آلاف، قليل بينهم الخلاف، ومنهم زهاد يشار إليهم، وفقهاء يعتمد في الفتوى عليهم، مساكنهم من مرت إلى جبل جنجرين، المشرف على أسنة من ذات اليمين، وهو جبل عال، مشرف بمكانه على جميع الجهات، كأن هواؤه الزمهرير، وكأنه للسحب مغناطيس، يجذبها بالخاصة، قد نصب عليه للتحذير ثلاثة أحجار". ويقول إن بلاد ملازكرد والرستاق بقلاعها ومزارعها وضياعها هي من جملة ما بيد هؤلاء الزرزارية.


الجولمركية الأمويون

يشير كاتبنا إلى قوم اسمهم الجولمركية، ويؤكد أنهم "طائفة من بني أمية، يقال أنها حكمية (نسبة لمروان بن الحكم)، اعتصموا بالجبال، عند غلبة الرجال عليهم، واستغنوا بمنعتها عند استعمال البأس، ومخالطة الناس، طلباً للسلامة من أعدائهم، وفراراً من اعتدائهم، فانخرطوا في سلك الأكراد، فسلموا، وهم الآن في عدد كثير، يزيدون على ثلاثة آلاف، كان ملكهم عماد الدين بن الأسد بن متكلان، ثم خلفه ولده الملك أسد الدين، وتحت يده المعادن ما ينقل من الزرينجين، إلى سائر الأماكن، وكان ظهر له معدن اللازورد، فأخفى، لئلا يسمع به ملوك التتر، فيطلبونه، ومعقله الذي يعتمد عليه من أمنع المعاقل على جبل عال، مقطوع بذاته، قرين الجبال، قائم في وسطها مع الانفصال، شامخ في الهواء راسخ فيما حوله من الماء. والزاب الكبير محدق به، فاصل بينه وبينها بإذن ربه، لا محط للجيش عليه، ولا وصول للسهام إليه، سطحه للزراعة متسع، وفي كل ضلع من جوانبه كهف مرتفع، يأوي إليه من شاء للامتناع فيمتنع، والماء محيط بأساسه، والثلج لا يزال يشتعل شيبه برأسه، والصعود إليه في بعض الطريق يستدعى العبور على أوتاد مضروبة مصلحة لمن يطيق، ومن لا يستطيع التسليق جراً بالحبال يعلَّق بها، وكذلك ترفع البغال (القمح) للطواحين، والذخائر التي يحتاج إليها في كل حين".

ويخبرنا العمري بأن ملك الجولمركية يدعى بهاء الدين بن قطب الدين، وهو ذو مكانه معتبرة عند الأكراد، وله ابن عم يدعى شمس الدين داود، عصا على دولة المغول، وعجزوا عنه، ولكي يرضوه منحوه قصراً من قصور السلطان، وأرض تدر 20 مليون دينار سنوياً، وبعد أن مات عاد ابنه إلى حربهم، وصار يأخذ الخفارة من جميع الطرقات، من آذربيجان من تبريز إلى خوي ونقشوان.

ويضيف: "يجاور الجولمركية من الأكراد قوم يسكنون الجبال من بلاد تدعى مركوان، كثيرة الثلوج والأمطار، مصبة ربيعها زاهر بأنواع النبات والأزهار، وصيفها منوط بألحان الأطيار، وشتاؤها وافر الأسمان والألبان، غزير اللحوم المنوعة، وهي متاخمة لأرومية من بلاد آذربيجان، وكان لهم بها أميران، بدر الدين والأمير حسن، أخوان شقيقان، وبالرعايا رفيقان، تبلغ عدتهم ثلاثة آلاف، وهم لمن جاورهم من الزرزارية والجولمركية أخلاف، ويعاملونهم بالرأفة والإحسان".


الزيبارية والهكارية

بعد ذلك يحدثنا عن البلاد التي تلي الجولمركية وهي عقرشوش، وبلاد العمادية، وبلاد الزيبار وبلاد الهكار. وأما الزيبارية فيقول إن عددهم يبلغ خمسمائة، ولهم سوق وبلد، وكان بينهم وبين المازنجانية حروب قبل أن يتحدوا معهم، وكان لهم ملكان "أحدهما الأمير إبراهيم بن الأمير محمد الزابي، وكان موقراً في زمن الخلافة، معروفاً بالحشْمة، وبقي ولده بعده صغيراً، فاحتاج إلى الاعتضاد بالمبارز كنك، ليكون له ظهيراً. والثاني الشهاب بن بدر الدين برش، توفى أبوه، وخلفه كبيراً، ولولا المازنجانية لم يدع لهم سواه أميراً".

وأما الهكارية فيقول إنهم مقيمون في بلاد العمادية، وعددهم يزيد على أربعة آلاف مقاتل، وكانت إمارتهم إلى أميرين أخوين، أحدهما الأمير أبو بكر، والآخر الأمير علي، ويعرف والدهما بالطوراشي. ويضيف القول إن الهكارية هؤلاء يأخذون الخفارة في أماكن كثيرة من بخارى إلى جبل الجزيرة.


قبائل البختية

يلي الهكارية من جهة المرج جبال القيمرانية وكهف داود، ويقول إن هذه الأماكن هي أوطان البستكية، وعددهم لا يزيد على خمسمائة، وأميرهم مقيم بالقيمرانية، ويقابل الجولمركيه من جهة الموصل البختية، وهم قوم كانوا يضاهون الحميدية، لكن شعبهم أكثر، وقبيلهم أكبر، فكان لهم كبراء وأعيان فهلك أمراؤهم، وتشتت كبراؤهم، وتفرق جمعهم المعهود، ولم يبق منهم إلا شرذمة قليلة، تفرقت بين القبائل والشعوب، وكان من بقايا أمرائهم فخر الدين خدم صاحب ماردين فأبعده لأقوال قيلت.

ومن قبائل البختية يعدد العمري: قبيلة السندية وهي أكثر القبائل عدداً، وأوفرهم مدداً، يبلغون ثلاثين ألف مقاتل. وقبيلة المحمدية، أميرهم شروين، ولا يزيد عدد مقاتليهم على ستمائة رجل. وقبيلة الراستية، وكانت أعدادهم كثيرة إلى أن نزح أميرهم البدر بن كيايك من ذلك البلد، وقد تشتت شملهم، وتفرق جمعهم، ويقول إن عددهم في بلد الموصل لا يزيد على ألف رجل. وقبيلة الدينلية وهم يسكنون الجبال، ومطلوبون بالخفارة أميرهم يدعى كلي، وعددهم ألف؛ متفرقين في البلاد، متمزقين في كل واد.

المساهمون