رامي أبو شهاب: لحظة فلسطين وسؤال المقاومة الثقافية

25 سبتمبر 2020
الصورة
من مظاهرة في القدس المحتلة (Getty)
+ الخط -

تواترت في الأسابيع الأخيرة أخبار المتسارعين إلى التطبيع والتحالف مع الكيان الصهوني، ما أفرز بعض الإحباط في الشارع العربي، وهو شعور عفويّ لكنه لا يعدو أن يكون شكلاً من أشكال الهزيمة المعنوية، والتي قد لا تكون مبرَّرةً حين نعرف أنَّ الاتفاقيات السياسية والتعاهدات بين الأنظمة تظلُّ حبراً على ورق ما لم يُسندها اعترافٌ بها من الشعوب.

بعبارة أُخرى، تدور المعركة الحقيقية بين العرب والكيان الصهيوني في مكان آخر. هذه المعركة هي قبل كلّ شيء "ممارسة خطابية"، بعبارة الكاتب والناقد الأكاديمي المتخصّص في الدراسات الثقافية رامي أبو شهاب (1974)، فكما يَستعمل الإسرائيليون ذاكرتهم (الهولوكوست، معاداة السامية...) لخلق دائرة تعاطف عالمي، نجد أثراً لتخلّ عربيّ يشخّصه أبو شهاب بغياب نظام خطابي عربيّ فاعل، وهو يدعو هنا إلى أن تسند الفنون والآداب والسينما والمناهج التعليمية القضيةَ الفلسطينية.

في محاضرةٍ ألقاها مؤخّراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتنظيم من "مكتبة الأرشيف" في عمّان، رأى الباحث الفلسطيني الأردني بأنَّ هناك "تحوّلاً في العقل العربي" تجاه القضية الفلسطينية، موضّحاً أنَّ "ذلك ليس اعتباطياً، بل هو ممنهَج من خلال التواطؤ والغباء وعدم المعرفة وعدم القدرة"، ويعيد أسباب هذا التحوّل إلى ما يسمّيه "غياب الوعي القانوني والمعرفي بقضية فلسطين"، موضّحاً أنَّ الوعي العربي "وعيٌ عاطفي" نحوها، لذلك فإنه مُعرَّض للتغيير بفعل تغيير الأنماط والتمثيلات؛ ذلك أنَّ "العاطفة قابلةٌ دائماً للتبدُّل والفتور والتشويه، أمّا الوعي القانوني الذي يتمتّع به الغرب تجاه القضية فهو وعي ثابت، لأنه مرتبط بالقوانين والشرائع الدولية".

الوعي العربي بفلسطين وعي عاطفي والعاطفة قابلة للتبدّل

ومن عوامل "الانهدام في مكانة القضية الفلسيطينة وعدالتها في الوعي العربي" أيضاً، بتعبير أبو شهاب، فراغُ المنظومة الفكرية، حيث يقول: "ليس لدينا خطّة، ولا تصوُّر حقيقي لما نريد. القضية الفلسطينية قضية ثقافة ولغة، والتخلُّف العربي أدّى إلى نزع القداسة عن القضية".

ويشير المحاضر إلى أنَّ مناقشة أيّ موقف لم يكن يتبنّى بشكل قاطع عدالةَ هذه القضية كان يُعدّ "تابو في السابق، أمّا الآن فلا"، وأنّ نظرة العقل العربي إلى "إسرائيل" قبل ثلاثين سنة تختلف عمّا هي الآن، ويجادل بأن العوامل التي أدّت إلى ذلك ليست سياسية ولا متعلّقة بالأنظمة فقط، بل هي ثقافية أيضاً؛ حيث إن "حالة الرفض الشعبي نفسها أصبحت باردة، وقد تعرّض العقل العربي لخطّة ممنهجة لتغيير كيفية رؤيته للقضية الفلسطينية"، وفق تعبيره.

الصورة
رامي أبو شهاب - القسم الثقافي
(رامي أبو شهاب)

من جهة أُخرى، يُشير أبو شهاب إلى أن "إسرائيل كدولة كولونيالية راهنت على أنَّ الذاكرة الفلسطينية لن تصمد أمام الزمن"، وقد استعملت لهذا الغرض "ممارسات كولونيالية" استهدفت الثقافة اليومية في حياة الفلسطينيين، مثل "إغراقهم بممارسات ما بعد الحداثة من تفكيك للهوية وتطويق بالثقافة الاستهلاكية، وأيضاً "محاولة التأثير على لغة الفلسطيني بتهميش مفردات مثل: النكبة والنكسة والمقاومة والانتفاضة، فهذه سياقات تسعى إلى القضاء على الخطاب اللغوي للقضية".

يرى أبو شهاب أنَّ كلّ حدث من الأحداث التاريخية الجسيمة الأساسية في المنطقة العربية، وفي العالم أيضاً، خلال القرن العشرين، مثل غزو الكويت وتوقيع اتفاقية أوسلو، أكلت جزءاً من هذا الخطاب، إلى جانب عاملٍ مهمّ يؤكّد عليه، وهو الانقسام الفلسطيني الذي كان له دور كبير جدّاً في مسّ العلاقة المعنوية بين العرب والقضية.

سياقات تسعى إلى القضاء على الخطاب اللغوي للقضية

ويخلص صاحب كتاب "الأنوات المشوَّهة" إلى ضرورة الرهان على الجوانب المعرفية التي يمكن من خلالها العمل على إعادة تشكيل الوعي العربي، معتبراً أنَّ للفنون والآداب والسينما أدواراً كثيرة عليها أن تلعبها في هذا السياق. ويضيف: "نحن غير موجودين على الساحة. كم من عمل سينمائي يُنتَج كل عام عن فلسطين؟ كم من عمل درامي؟"، مقابل هذه الملاحظة، يسوّق أبو شهاب إحصائية تفيد بأن عدد الأفلام التي تتناول "الهولوكوست" يصل سنوياً إلى ما بين تسعة وخمسة عشر فيلماً.

ويتطرّق المحاضر إلى إشكالية أُخرى تتمثّل في غياب حاضنة عربية لتقديم وإنتاج الذاكرة الفلسطينية في الروايات والأعمال السينمائية والدرامية، وينبّه إلى أنَّ الجيل الذي عاش النكبة لن يظلَّ منه أحدٌ بعد سنوات، داعياً إلى الإبقاء على ذاكرة هذا الجيل وأرشيفه حياً من خلال إعادة إنتاجه أدبياً وفنياً.

يختتم رامي أبو شهاب محاضرته بالإشارة إلى أنَّ "ما نشهده اليوم سوداويٌّ جداً. نحن على الحافّة، نحن في أشد المفاصل التاريخية خطراً على الوجود الفلسطيني... على أعتاب تحوُّل كبير".

بأيّ أدوات تتهيّأ شعوب المنطقة اليوم للاشتباك في هذا التحوُّل الذي يشير إليه الباحث؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن ينخرط فيه الكُتّاب والمفكرّون والمخرجون والباحثون في شتّى المجالات المعرفية، فكلُّ حقل من هذه الحقول فضاءٌ أساسي في "معركة وجود".