"راديو ترانزستور" على خط نهاية الحميمية

10 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 11 ديسمبر 2025 - 14:22 (توقيت القدس)
من العرض (مسرح مونو)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تدور مسرحية "راديو ترانزستور" حول العلاقة المعقدة بين فريدة، الرسامة الحساسة، ومهنا، الباحث العقلاني، حيث تتبدل المشاعر وتُفكك الروابط بينهما في محطة تشبه محطات القطار.
- تتسرب ذكريات الحرب في حوارات الشخصيتين، مما يعكس تأثيرها العميق عليهما، وتطرح المسرحية أسئلة حول الحب والتواصل في عالم سريع التغير.
- تتميز المسرحية بقوة الأداء والكيمياء بين الشخصيتين، حيث يتحول الديكور إلى عنصر درامي يعكس تأثير التكنولوجيا كخصم يدفع الشخصيتين نحو المجهول.

منذ اللحظة الأولى، يجد المشاهد نفسه في مسرحية "راديو ترانزستور"، من كتابة وإخراج وتمثيل أدون خوري ويارا زخور، في محطة تشبه محطات القطار، حيث يخيّم الانتظار وتتثاقل حركة الزمن فوق أرضية خشبية داكنة، وتنعكس الإنارة الخافتة لتضاعف إحساس العزلة، بينما يقف خلف الممثلين هيكل معدني وستائر سوداء توحي بمكان عبور مجهول النهاية. 

هكذا تبدأ المسرحية التي انتهت عروضها في السابع من الشهر الجاري على خشبة مسرح مونو: فريدة تقف بفستان أسود قصير ووشاح كبير ملوّن بالأحمر والذهبي بنقوش شرقية تمنحها حضوراً لافتاً. نظاراتها الشمسية الداكنة في الداخل تضيف إليها شيئاً من الغموض والثقة. تحمل في يد كيساً ورقياً كبيراً، وفي الأخرى حقيبة حمراء صغيرة، كأنها وصلت للتو أو تستعد للرحيل. حضورها يشبه حضور زائرة يومية للمحطة، شخصية لا تمر مروراً عابراً، بل تترك أثراً بصرياً وصوتياً في المكان.

إلى جانبها يجلس مهنا على مقعد خشبي بسيط، رافعاً صحيفة أمامه كمن يتجاهل العالم أو يغرق في ما يقرؤه. يرتدي قميصاً فاتحاً وسروالاً بيجياً وحذاء داكناً، في مظهر يوحي بأنه رجل اعتاد هذا المكان جزءاً من يومه. بجانبه حقيبة سوداء كبيرة تكمل صورة رجل يراقب ويتابع ويبحث ويدوّن، كأن وجوده هنا مرتبط بمهمة يعرف هو وحده تفاصيلها.

سبعون دقيقة عن واقع تتبدل فيه المشاعر وتُفكك الروابط

 بين الشخصيتين علاقة مكانية واضحة: فريدة تقف مائلة رأسها إلى الأمام تتحدث بنبرة قوية واثقة، وهو يجلس نصف مخفي خلف الصحيفة، كأن بينهما حواراً يبدأ بتوتر أو فجوة في الفهم. المشهد يوحي ببداية لقاء، بداية كشف، بداية حكاية ستتضح لاحقاً: محطة، تذاكر سفر، حديث طويل، وحقيقة غريبة تنتظر أن تظهر.

مهنا هو "الباحث": يبحث عن معلومات، عن دلائل، عن معنى، عن نظام في عالم فقد النظام. طريقته في الكلام دقيقة، متقطعة، شبه آلية، كأنه جهاز يعمل بالواجب لا بالرغبة، كأنه جاء من عالم أكثر جفافاً وأقل حرارة. في المقابل، فريدة رسامة حساسة ملوّنة، ينبض كل شيء فيها بالعاطفة حتى حين تحاول إخفاءها. اختلافهما واضح، لكنه ليس إقصائياً، بل اختلاف يولّد توتراً جذاباً يلمع على الخشبة من اللحظة الأولى.

تبحث فريدة عن الحب، تقوله ببساطة، بلا خجل ولا تزيين. تبحث عن حب لا يرى "النقص" الذي تحمله، العيب الذي تخفيه، وتترك للمشاهد اكتشافه لاحقاً. بالنسبة إليها، الحب الحقيقي هو أن يحبّك الآخر كما أنت، بالندوب والأثقال كلها. أما مهنا، فيظن أنه يبحث عن شيء آخر تماماً… لكنه، دون أن يدري، يبحث عنها هي أيضاً.

الخلفية دائماً تحمل الحرب. تتسرّب ذكرياتها في بوح الشخصيتين، في الإشارات، في تفاصيل الكلام. يقولان ما فعلته بهما، كيف أعادت تشكيلهما، وكيف تسللت إلى يومهما. قد يبدو هذا تكراراً في المسرح اللبناني، لكن الحرب صارت جزءاً من الشخصية، من الوعي والسلوك، طبقة لا تختفي إلا لتعود.

يتوسع الحوار بين فريدة ومهنا نحو أسئلة معاصرة عن الحب والتواصل والتكنولوجيا والعلاقات. وتبرز جملة تتكرر دائماً: "الناس غريبة". جملة بسيطة تتحول في العمل إلى مرآة لواقع تتبدل فيه المشاعر بسرعة، تُفكك فيه الروابط بسهولة، ويغدو فيه الاقتراب من الآخر مهمة أصعب من الحروب.

قوة المشاهد تنبع من الحاجة العميقة إلى الحب لدى الشخصيتين، رغم التناقض الظاهر بينهما. مهنا يشبه آلة دقيقة، عقلاني، محسوب، يراقب كل شيء بعين الباحث. وفريدة تتحرك بدافع الإحساس، بعاطفة صافية تقودها. ومع ذلك، تحدث لحظة مفاجئة تتشكل فيها كيمياء صادقة بينهما، كأن شيئاً ما يجمعهما خارج حدود النص والتمثيل، لحظة تُثبت قوة أدائهما وقدرتهما على جعل المشاهد ينسى أنه أمام مسرح. ولا يبقى الديكور خلال العرض الذي امتد سبعين دقيقة ساكناً؛ يتحول تدريجياً إلى عنصر درامي فاعل. وفي النهاية، يصبح كأنه آلة جامدة تتجسد فيها التكنولوجيا خصماً، قوةً تدفع الشخصيتين نحو مجهول لا يمكن التنبؤ به. تمتد الأذرع المعدنية، تنقلب الإضاءة، ويبدأ المكان نفسه بالتحول إلى تهديد—شيء يلتهم ما تبقى من الحميمية.

المساهمون