دُنيز ماسون.. حياة مع الإسلام وكِتابه

14 ابريل 2021
الصورة
(دنيز ماسون أمام لوحة "انهيار الجليد" لـ كلود مونيه، عام 1949)
+ الخط -

لم يكن ثمة شيءٌ يُؤهّل دُنيز ماسّون، تلك الفتاة المُدلّلة التي نشأتْ في بيتٍ بورجوازيّ، لأن تكون يومًا ما مترجمةً للقرآن، عالمةً بدقائقه، داعيةً إلى الحوار بين الإسلام والمسيحيّة وراعيةً للباحثين في دارَتِها. فقد وُلدت مطلعَ القرن الماضي، سنة 1901 تحديدًا، بباريس، في عائلة ثريّة، إذ كان والدُها محاميًا مرموقًا يَجمع الآثار الفنيّة، ولعلّه هو مَن أورَثها عشقَ العتاقة.

وكانت أمّها عازفة بيانو، تَجوب مُتنزّهات الفنّ ورِحابَه. ورغم طفولة رغيدة، أجبرَتْ صِحّةُ الطفلة الهَشَّة والدَيْها على نَقلها إلى الجزائر ــ وكانت مستعمَرةً من فرنسا ــ لتبدأَ دُنيز حياةً جديدة وتتعرّف على هؤلاء "العَرب" وتتعلّم مُحاوراتهم اليوميّة في شوارع العاصمة. إلا أنَّ طلاقَ أبوَيْها سنة 1925، وهي في عزّ الشّباب، دَفعها إلى الزُّهد في الدّنيا وانتهاج الحياة الكنسيّة للانْكباب على الكتابات المُقدّسة، فَانعزلت في ديْر لمدّة من الزمن. لكنّها ما لبثتْ أن غادَرَته لتتلقّى تدريبًا في المجال الطبيّ وتتخرَّج ممرّضةً لدى مُنظّمة "الصليب الأحمر"، وكانت وقتها ناشطةً في المُستعمرات.

عملت في تونس أوّلاً ثمّ في الرّباط، سنة 1929، حيث تردّدت على المكتَبات العموميّة وأتقنت الدارجة المغربيَّة والعربيّة الفصحى حتى تفوّقت في شهادة "المعهد الأعلى للعلوم الإسلاميّة". وفي تلك الأثناء، تعرّفت إلى أعمال المستشرق الفرنسيّ لوي ماسينيون (1883 - 1962) الذي صار مثَلَها الأعلى، ولا سيّما في دعوته الصادقة لحوار الأديان. واستقرّت نهائيّا في مدينة مرّاكش، من 1938 حتى 1994، تاريخ وفاتها، في "رياضٍ" أنشأت فيه "مركزًا للدّراسات الإسلاميّة"، حيث خاضت غمار البحث العلمي وترجمة النّصوص القديمة، من دون أن تُصبح واحدة من أعلام الاستشراق الفرنسيّ، لعدم حصولها على الدكتوراه، وذلك رغم تمكّنها من آليات البحث والتحرير.

وكلّلت أعمالَها تلك بترجمة كاملة للقرآن. ومن الطريف أنّها وقّعتها بِالحرف الأول من اسمها الأوّل، D، عوضًا عن Denise، حتى لا يُستَنقص منها بدعوى أنها امرأة "تجَرّأت" على القرآن وعلى تَرجمته، وهو ما كان مُستهجنًا في تلك الأيام، حتى لدى النخبة الفرنسيّة المثقّفة.

تعرّفت إلى أعمال لوي ماسينيون وصار مثَلَها الأعلى

أما من ناحية المنهج، فقد اعتَمدت ماسون على تَرجمتَيْ ريجيس بلاشير (1902-1978) التي صدرت سنة 1949 وأعاد نَشْرها 1957، والعالِم الباكستاني محمد حميد الله (1908-2002)، واجتهدت في تنقيحهما وتَشذيب ما علق بهما من ثقلٍ أسلوبيّ، خاصّةً أنَّ كِليهما آثرَ الوفاءَ المُطلق لحرفيّة النصّ العربي والفضاء السيميائي للألسن الساميّة، باشتقاقاتها وصورها البيانيّة، مما أدَّى إلى نوعٍ من الغموض أحيانًا. وهكذا، كانت ترجمتها عودة إلى روح النصّ القرآني، جريًا وراء خَصائصه الأدبيّة مع الحرص على نقاء الفرنسيّة المُتَرجم إليها ووضوحها.

كما استعانت، وهذا من وفائها، في فَهم بعض الآيات المُعضلة بتفسير "الكشّاف" للزَّمَخشري (1074-1143) و"بأنوار التنزيل" للبَيضاوي (ت. 1286) و"الجَلالَيْن" للسّيوطي والمَحَلّي. كما مَهّدت لعَملها بمقدّمة مُطوّلة، نسبيًّا، أبانَت فيها، بالخصوص، عن مَواطن الالتقاء والاختلاف بين القرآن والتوراة والإنجيل. هذا وقد حرّرت العديدَ من الهوامش والإحالات لتَوضيح مواقع الإشكال في النصّ القرآني ورفْع ما يمكن أن يَحصل فيه من التباس. وقد كان مَثَلها الأعلى في الترجمة عملُ سلفها إدوارد دوهرم (E. Dhorme، وقد عاش بين عامي 1881 و1966) الذي سبق أن تَرجم "العهدَ القديم" إلى لغة موليير، مُراعيًا كلَّ الدقائق الأسلوبيّة. وصَدَر العملان في سلسلة La Pliéade لدى منشورات "غاليمار"، وهي إحدى أكثر سلسلات النشر فخامةً في فرنسا، والتي تعنى بطبع أهمّ الآثار الإنسانيّة في الآداب والفنون.

وقد أقرّت دُنيز ماسون أنَّ ما حَرَّكها لهذا الإنجاز إنما هو احترامها العميق لكتاب المسلمين، ولذلك بذلت جهودًا مُضنية من أجل "إرجاع" روح العبارات القرآنية، بوفاء ووضوحٍ، مع مراعاة طبيعة المفاهيم القرآنية وخَصائص السبك القرآني، وهي في ذلك تتميز عن بعض الترجمات، التي أنجزت بدءاً من القرن الثاني عشر للميلاد، والتي تضمنت أخطاء وتحريفاتٍ، بل وتشويهات مَقصودة بَغيضة.

الصورة
غلاف ترجمة دنيز ماسون للقرآن ـ القسم الثقافي
(غلاف ترجمة دُنيز ماسون للقرآن)

وفي الحقيقة، يُعدّ هذا العمل تتويجًا لكتابٍ لها سابقٍ وهو: "القرآن والوَحي اليهوديّ والمسيحيّ: دراسات مقارنة" (1958) والذي أعيد نشره بعنوان: "التوحيد القرآني والتوحيد الإنجيليّ" (1976)، حيث ترجمت العديد من المقاطع في دراستها المقارنة لمقولات الديانتَيْن. فقد كانت خبيرة بِالنصوص المقدسة والعقائد والمبادئ التي تتأسس عليها الديانات الثلاث، وهذا وجه الأصالة والإضافة في ترجمتها. فالهوامش العديدة التي زخَر بها عملُها والتي أضافتها إلى ترجمة الآيات لتبديد الغموض، تُظهر مدى مَعرفتها العميقة بتفاصيل تاريخ الأديان وتطور العقائد ونقاط الاختلاف والائتلاف بينها.

وهذا ما أدّى بها إلى قناعةٍ مفادها أنّه من المستحيل التوفيق بينها نظرًا إلى الفروق الجوهريّة التي تفصلها، ولكنها أيّدت، طيلة حياتها، الحوارَ بينها حتى يَتعرّف المؤمنون على مرجعيات بعضهم البعض. كما تركت أعمالاً علميّة أخرى، منها: "الماء والنار والنور بحسب الإنجيل والقرآن" (1986)، "طُرُق الأوجد الثلاث" (1986)، إلى جانب سيرة ذاتية ماتعة، عنوانها "بابٌ مُشرَع على حديقة مُعلّقةٍ: مراكش" (1989).

لقد عاشت دينيز ماسون نصف قرنٍ في مَدينة مرّاكش، وجعلت من دارتها (واسمها "الرّياض") ملتقًى لحوار الأديان والحضارات واستقبلت فيها الباحثين من فرنسا والعالم العربي وكانت تحظى باحترامٍ واسعٍ من العلماء والسّاسة، لما أظهرته من تقدير للدين الإسلامي ونصّه الرّئيس. وليس اعتراف مؤسسة "الأزهر" بصلاحية ترجمتها للقرآن، بعد مراجعات صُبحي الصّالح لها، إلّا إقرارًا بمجهوداتها في صقل التّرجمات السابقة وتزجية نصّها الفرنسي بحيث يُراعي خصوصيّات النظم القرآني ويُبَسّط رُؤاه ومقولاتِه لجمهور مُعَلْمَنٍ، مثل الجمهور الفرنسي الذي فَقَد كلَّ صلة بالمقدس فَلم يَعد يَعي الكون الرمزيّ للكتب التوحيديّة القديمة.

بذلت جهوداً مُضنية من أجل إظهار روح العبارات القرآنية

ولذلك عيبَ عليها أنّ ترجمتها مجرد تَحسين في أسلوب أستاذَيْها، بلاشير وحميد الله، وأنها لا تَتوافر على الشهادات الجامعيّة اللازمة التي تؤهّلها لخوض غمار هذا النصّ الصعب، وأنها ربّما جاملت المسلمين بتقديم صيغٍ تداري عقائدَهم وتجاريها، غير عابئة بما استجدّ من شكوكٍ لدى المدرسة الانتقادية التي ازدهرت منذ أعمال المستشرقين الألمان نولدكه وشَوالي وتلامذتهما. وقد ردَّت على بعض هذه الانتقادات ولم تُنكرها.

دينيز ماسون كاتبة عَشقت العالم العربيّ، ولا سّيما المغرب، وعاشت فيه، وفي أحيائه الشعبيّة انطفأت روحُها عن عمر ناهز التسعين عامًا. قصّتها في "مساعدة" الباحثين، وقَبلهم مواطني تلك الجهة من المَرضى والمُعوزين، جديرة بالاهتمام. ولِمَ لا تُصوَّر في شريط سينمائي؟ آثرت حياة التحقيق والتنقيب على حياة الترف، إلاّ أنها ظلّت، في العالَم العربي، مَجهولةً. ولا تزال ترجمتها للقرآن الأكثر اعتمادًا لدى القرّاء الفرنسيين، منذ صدورها قبل خمسين سنة. ويكفي هذا الفضل وحده حتى يَتعرّف على آثارها القارئ العربي. وقد يُجتَهَد، على الأقلّ، في تَرجمة مقدّمة ترجمتها للقرآن، إلى العربية. وهو ما لم يُنجَز بعدُ، رغم طابَعه الاستعجالي.


* كاتب وأكاديمي تونسي مقيم في باريس

المساهمون