خيانة المثقّفين

20 نوفمبر 2020
الصورة
بورتريه لـ لينين (نيكولاي فيشين)
+ الخط -

تُغري عبارة "خيانة المثقفين" الكثيرين، ومنهم من يسارع إلى تبنّي الفرضية أو المقدّمة قبل أن يقرأ النتائج، وعلى الرغم من قدم استعمالها، فإنها لا تزال قيد الاستخدام حتى يومنا هذا. ولن ترى في أي مكان عبارة تعادل هذه العبارة، لا خيانة العمال، ولا خيانة الطلّاب، ولا خيانة الفلّاحين، ولا خيانة الموظّفين، علماً أنّ لدى كل واحدة من هذه الطبقات الاجتماعية، أو الشرائح أو الفئات، الكثير من القيَم، وفيها الكثير من العيوب، مثلها مثل المثقّفين.

وقد حمل كتاب مقالاتٍ مترجم لـ إدوارد سعيد هذا العنوان (وأظن أنه مفبرك)، على الرغم من أن المفكّر الراحل لم يكتب غير مقالة واحدة بهذا المعنى، ولم يكن يقصد فيها بحسب ما نقرأ، أن يعمّم الكلام على خيانة محسوبة ومرصودة لمثقّفي العالم، وهو المثقّف العارف، بل كان يشير إلى "بعض المثقّفين" ممن خانوا مبادئهم، أو تخلّوا عنها في العالم الغربي، بينما كان في كتابه الذي حمل عنوان "صُوَر المثقّف" قد قال كلاماً مختلفاً تماماً عن المثقّفين، لم يتضمّن قطعاً تخوينهم بهذا العنوان المطلق، والصحيح هو ما يحاضر به عن أن للمثقّف صُوَراً عديدة منها أن يكون شاهداً مثلاً، أو أن يكون معارضاً للسلطة، وهي الصورة التي تستحوذ عليه.

واللافت أن ترى شيخاً معمّماً يكتب في زاوية من جريدة إلكترونية عن خيانة المثقّفين، مستعيراً هذه المرّة عبارة لينين التي يقول فيها: "إن المثقّفين هم أقدر الناس على الخيانة، لأنهم أقدر الناس على تبريرها". ترحل العبارة اللينينية هنا خارج حدودها الزمانية والمكانية للتنديد بالمثقّفين. وإذا كان مفهوماً أن يخشى رجلُ الدين المثقفَ، أو أن يشكّك السياسيُّ المستبدُّ به، بسبب تأثيره المحتمل في الثقافة والمجتمع، وأن يسعى كلاهما إلى الحد من هذا الأثر، أو تحجيمه، فإنه من غير المفهوم لماذا يستعيرها اليساري أيضاً.

ماذا تفعل المطارق والمناجل إذا كانت مجرّدة من الأفكار؟

يعرف اليساري (وهو مثقّف بالطبع) أنّ لينين نفسه كان مثقّفاً واسع المعرفة والاطلاع، فلم يقتصر نشاطه على الكتابة السياسية، بل كتب في الفلسفة أيضاً. كما ترجمت له وزارة الثقافة السورية منذ خمسين عاماً مختارات من كتاباته عن الأدب والفن، صدرت في جزأين بترجمة يوسف حلّاق. وبغضّ النظر عن آرائه الأدبية أو الفنية، فإن شخصاً من طرازه، لا يكتب نقداً لأدب تولستوي أو دوستويفسكي، دون أن يكون قد قرأ تولستوي ودوستويفسكي، وهذا هو أحد أعمال وأنشطة المثقّف، أي كتابة الرأي وإذاعته والمشاركة في السجالات الثقافية. فهل يمكن أن يقول شخص مثل لينين عبارة مطلقة تصف خيانة المثقّف في مطلق الأحوال، أم كان يعني "بعض المثقّفين"؟

وقد كان المثقّفون دائماً صنّاع الأفكار والنظريات، أو حمَلَتها، وحتى إذا كانت الطبقة العاملة ستقود أي تغيير، بحسب ما تقول الماركسية، فإنها ستحمل أفكار المثقّفين (ماركس وإنغلز مثلاً) في مسيرة التغيير. إذ لن تنفع المطارق والمناجل في فعل أي شيء، سوى إراقة الدماء، إذا كانت مجرّدة من الأفكار.


* روائي من سورية

المساهمون