استمع إلى الملخص
- درس علواني في روما وحصل على عدة دبلومات في الفنون، وعمل في التلفزيون والمسرح السوري، ودرّس في كلية الفنون الجميلة بدمشق، كما حصل على الدكتوراه من باريس.
- عُرف بلقب "المشاغب" بسبب خروجه عن السائد، واعتبر أن اللوحة يجب أن تحرض على التفكير، وشارك في معارض عديدة، تاركاً بصمة لا تُنسى في الفن العربي.
نعى الوسط الفني السوري، أمس الأربعاء، الفنان التشكيلي خزيمة علواني عن 91 عاماً، بعد أن كرّس حضوره بوصفه أحد أهم رموز النزعة التجريبية في مرحلة ما بعد ستينيات القرن الماضي، واعتبرت مسيرته مثالاً للطموح الفني المنفتح على العالم والمجتهد في سبيل التأصيل والحفاظ على التراث.
دخلت لوحة علواني مبكراً في السجل البصري السوري، في مرحلة نهضت فيها أغلب تجارب الجيل الثاني من الرواد بتنوّعاتهم واختلافاتهم الفنية، ممن تمثّلهم أسماء راسخة مثل نصير شورى، وممدوح قشلان، ومروان قصاب باشي، وغسان السباعي، وغياث الأخرس. وكان من المنحازين إلى بناء علاقة أكثر متانة مع التجارب الحداثية العالمية السائدة آنذاك، مثل السوريالية والتكعيبية، مع الحفاظ على خصوصية تستلهم روحها وتضع ثيمات محلية تهم الجمهور العربي. وفي هذا المسار، أعاد غير مرة استلهام "غرنيكا" بيكاسو بطريقته الخاصة في التعبير عن المآسي، كما في لوحات اليرموك وصبرا وشاتيلا. لكنه ذهب بعيداً في بناء ثيمة الحصان العربي الجريح الذي جعله كناية عن الروح الثائرة الساعية لاستعادة فلسطين السليبة، والمتعرّضة للسهام التي تخترق جسدها وتمثّل في رؤيته قوى الشر وبداياتها وهمجيتها؛ لكنها تعاود الوقوف، في لمحة أمل لم تغب عن أذهان أجيال كاملة.
وُلد الراحل في مدينة حماة عام 1934، ودرس الفن في أكاديمية الفنون الجميلة في روما، وحصل على دبلوم في الرسم والتصوير الزيتي، ودبلوم في الخزف والسيراميك، وآخر في النحت، وكذلك دبلوم في فن الإعلان والزخرفة، وفي الرسم الهندسي من مدرسة الفنون التطبيقية سان جاكومو، وفي هندسة الديكور المسرحي والتلفزيوني والسينمائي.
أعاد غير مرة استلهام غرنيكا بيكاسو بطريقته الخاصة في التعبير عن المآسي
عاد إلى سورية ليعمل في التلفزيون العربي السوري والمسرح القومي، وفي التدريس في كلية الفنون الجميلة بدمشق، ثم اتجه لمتابعة بحثه العلمي في أواسط السبعينيات ليحصل على الدكتوراه من "البوزار" في باريس.
ورغم التنويعات الكثيرة في مجمل أعمال علواني، إلا أنّ الامتداد العربي لأعماله ارتبط أيضاً بنشاطه الإعلاني، لا سيما ملامحه الفنية في تصميم البوستر الإعلاني الداعم للقضية العربية المركزية.
وبناءً على هذا الانهمام بالمنحى الوطني واتجاهه الدائم نحو التجريب، شكّلت تجربة خزيمة علواني حالة خاصة في المشهد التشكيلي العربي عموماً، حتى أُطلق عليه لقب "المشاغب" بسبب خروجه الدائم عن السائد، إذ كان يعتبر أن رسالة اللوحة هي التحريض؛ واشتهر برغبته في دفع المشاهد إلى التفكير العميق بالمحتوى، فهو يرى أن "اللوحة التي لا تخلق جدلاً مع المتلقي لوحة ليست لها علاقة لا بالتراث ولا بالواقع".
أنتج الراحل ست عشرة لوحة جدارية في سورية وبلجيكا، وشارك في عدد كبير من المعارض الفردية والجماعية داخل سورية وخارجها، واقتُنيت أعماله من قبل عدد واسع من المؤسسات العامة والخاصة في بلده والمحيط العربي والعالم. رحل خزيمة علواني تاركاً خلفه إرثاً بصرياً واسعاً يواصل حضوره في الذاكرة التشكيلية العربية. وبرحيله، يُطوى فصلٌ من مغامرة فنية ظلت تؤمن بأن اللوحة فعل مقاومة وبصيص أمل لا ينطفئ.