حنان كريمي: قراءة في هوَس فرنسي

18 يناير 2021
الصورة
حنان كريمي (Getty)
+ الخط -

يشكّل المسلمون في فرنسا واحداً من المواضيع التي لا يكاد النقاش العام في البلد يُغادرها. إذ لا تمضي أيّامٌ على انتهاء جدلٍ يدور حولهم، أو يستهدفهم صراحةً، حتّى يولد نقاشٌ جديد يخصّهم. وقد بات معروفاً أن المسلمين هم أبرز الغائبين، بشكلٍ شبه دائم، عن هذه النقاشات. أبعد من ذلك: لا تنبثق هذه النقاشات من مبادرتهم أو مبادرة بعضٍ منهم، بل يمكن القول إنها تعاكس تماماً رغبة هذه الشريحة من الفرنسيين في تجنّب التحوّل إلى "غرض" دائم للنقاش العام والإعلامي، أو إلى موضوع أو حتّى فزّاعة سياسية وانتخابية.

وقد كانت الأسابيع والأشهر الماضية "مثاليّةً" في هذا الصدد، إذ شهدت نقاشاتٍ لاذعةً حول مشروع القرار المسمّى "قانون الانفصالية"، الذي كاد النقاش حوله ينحصر في كيفية التعامل مع المسلمين الفرنسيين وقوننة "إسلامٍ فرنسيّ" أو "إسلامِ أنوارٍ"؛ كما رافقت هذا المشروعَ تصريحاتٌ للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، تسبّبت بضجيج كبير، لا سيّما خارج فرنسا، منتصف الخريفَ المنصرم. يضاف إلى هذا وذاك قيام الحكومة الفرنسية بإغلاق عدد من المؤسسات والجمعيات الإسلامية باعتبارها تساهم في الدعاية للإسلاموية، وذلك بُعيد العملية الإرهابية التي استهدفت أستاذ تاريخ وجغرافيا في منطقة إيفلين منتصف تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

في هذا السياق تأتي الندوة الافتراضية التي نظّمها "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس" (Carep Paris) مساء الخميس، تحت عنوان "علمانية، انفصالية، إسلاموية وإسلاموفوبيا: مسلمو ومسلمات فرنسا في شتّى أحوالهم"، وتحدّثت فيها عالمة الاجتماع المختصّة بمسائل الإسلام في فرنسا، والناشطة النسويّة، حنان كريمي. الندوة التي أدارتها مديرة الأبحاث في المركز، كلير تالون، انطلقت من وصف الوضعية التي يجد المسلمون في فرنسا أنفسهم فيها: وضعية "الآخَر الجذريّ".

على مسلمي فرنسا الاختيار بين الانصهار التام أو الامّحاء

تعلّق كريمي على هذا التركيب الاصطلاحي، الذي يمثّل إحدى الأطروحات الأساسية لرسالة الدكتوراه التي قدّمتها في علم الاجتماع عام 2018، بالقول إنه تعبيرٌ عن ميكانيزمات سلطويّة، باعتبار أن كلّ فعل تحديدٍ أو تعيينٍ للآخر يأتي من موضعِ سُلطة يشغله مَن يقوم بهذا الفعل. في هذا المقام، يمثّل تعيين المسلمين الفرنسيين بخصوصيّتهم، الحقيقية أو المفترَضة، كـ "مسلمين"، عمليةً تقود إلى تأطيرهم وحصرهم في مساحة متخيّلة لا تأخذ بعين الاعتبار الاختلافات، الكبيرة أحياناً، بين مسلم من المغرب، على سبيل المثال، وآخر من تركيا أو من شرق أوروبا. والأهمّ من هذا أن المعنيّين بهذا التعيين يُختصَرون بجزء من كينونتهم أو هويّتهم يُعرَّفون به قبل ودونَ أيّ تعريف آخر، ليجدوا أنفسهم وقد جرت جوهرَتهم بوصفهم "مسلمي فرنسا".

وترى كريمي، التي تقول إنها استعارت مصطلح "التعيين في منزلة الأخروية الجذرية" هذا من الباحثة سارة معزوز، إن عملية تثبيت المسلم الفرنسي في موقع الآخر المختلف تماماً قد ساهمت بتهميش المسلمين في البلد، المنحدرين بشكل أساسيّ من المغرب العربي، وحالت دون ضمّهم إلى ما تسمّيه "الجسد الوطني" الفرنسي. عمليّةٌ تعيد بدايتَها إلى أولى فترات وصول المهاجرين، بدفعات كبيرة، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

لكنّ المدرّسة في "جامعة ستراسبورغ" ترى أن القراءة التاريخية لمقاربة فرنسا لمسألة المسلمين فيها تُظهر اختلافاً مرحليّاً في هذه المقاربة. وإذ تشير إلى التسامح النسبيّ مع العمّال المسلمين في مصانع السيّارات الفرنسية ومع مطالبهم، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بتوفير صالات للصلاة على سبيل المثال، فإنها تنبّه إلى ولادة شكل من أشكال الضغط والاشتباه، وحتى العنصريّة، حيال المسلمين في البلد، بدءاً من عام 1989 الذي شهد ما عُرف حينها بقضيّة الحجاب في مدينة كراي.

تعيين الآخر وتحديده في إطارٍ هو فعلٌ سلطوي في حدّ ذاته

وعلى خطى عالم الاجتماع الجزائري عبد المالك صيّاد (1933 - 1998)، تحلّل كريمي سبب هذا التغيّر في الموقف من المسلمين الفرنسيين في الخطاب الفرنسي العام بردّه إلى اكتشاف فرنسا أنّ ما كانت تنتظره من المهاجرين المسلمين وأبنائهم لم يحدث: أي أنهم - بعبارة كريمي اللاذعة - لم يصبحوا من ذوي البشرة البيضاء. وتضيف سبباً آخر متمثّلاً برغبة مسؤولي البلدان التي جاء منها الآباء المهاجرون بوضع الفرنسيّين المنحدرين من بلدانهم تحت وصايتهم. وليس النقاش، الذي كانت الأشهر الأخيرة مسرحه في فرنسا، حول هويّة البلد الذي قد يتعهّد مسألة إعداد أئمة فرنسيين، إلا جزءاً من هذا الرغبة في فرض الوصاية.

هكذا، وجد المسلمون الفرنسيون أنفسهم أمام خيارين إشكاليّين: إما تمثُّل نمط العيش الفرنسي والانصهار فيه، بما يعنيه ذلك من إخفاء أو كبت أو إنكار الاختلاف الثقافي (والديني) الذي يمثّلونه بالنسبة إلى المجتمع الفرنسيّ، أو الذهاب بـ"التعيين في منزلة الأخروية الجذرية"، أي بـ "الاختلاف الجذري" عن الفرنسيين، إلى حدود بعيدة، عبر تبنّي هويّةٍ يصبح الإسلام أو ربما الإسلاموية مكوّنها الأهمّ، رغبةً في تمييز الذات عن الفرنسي الرافض، وفي الردّ على مقاربته المؤطِّرة والمحدِّدة. الخيار، إذاً، محصورٌ بين الانصهار التام أو التمترس الهويّاتي؛ بين محو الاختلاف، أو الامّحاء بمعنىً ما، وبين الميَلان إلى الراديكالية.

الدهشة الفرنسية من عدم انصهار قسم من أبناء المهاجرين في الثقافة السائدة، رغم ولادتهم ودراستهم في "مدارس الجمهورية"، ستؤدي، في السنوات اللاحقة، إلى ردّة فعل متمثّلة في سلسلة من القوانين، أبرزها قانون منع المظاهر والرموز الدينية في المدارس (2004)، وقد لا يكون آخرها قانون الانفصالية الذي أخرجه الرئيس الفرنسي من جعبته قبل أشهر، لمواجهة "الإسلام السياسي" و"التطرّف الإسلاموي".

كما فعلَ، في الآونة الأخيرة، عددٌ من زملائها الباحثين في شؤون المسلمين في فرنسا، تتساءل حنان كريمي، في هذا السياق، إن لم يكن المناخ العام الذي اختلقته المقاربة الفرنسية لمسألة المسلمين الفرنسيين، في الأشهر وربما السنوات الأخيرة، مناخاً خصباً لتوليد التطرف والأشكال الهويّاتية الجذرية. ذلك أن الإصرار على وصم هذه الشريحة من الفرنسيين، واختصار حياتها ببُعدٍ واحد منها، وتصوير أفرادها كـ"إرهابيين محتملين"، أو كأشخاص مشتَبهٍ بولائهم، قد يساهم بتهييء الظروف للأسوأ، أي لِما تحاول هذه المقاربةُ محاربتَه: التطرّف.

آداب وفنون
التحديثات الحية

المساهمون