استمع إلى الملخص
- يربط دباشي بين تراجع الدول ما بعد الاستعمارية وصعود الشعبوية في الغرب، ويعتبر "داعش" تعبيراً عن العنف المحض، كما يفكك مفهوم "الديمقراطية الوحيدة" في الشرق الأوسط، معرفاً إسرائيل كمستعمرة استيطانية.
- يقترح دباشي الانفتاح على قوميات متعددة للخروج من أزمة الدولة والأمة، مستنداً إلى قراءات سياسية ونظريات فلسفية.
يناقش المؤرخ والأكاديمي الإيراني حميد دباشي في كتابه "الإمبراطور العاري: في حتمية زوال الدولة - الأمة" (مركز أركان للدراسات والأبحاث والنشر، 2025) المسار السياسي للدول التي شهدت ثورات الربيع العربي. وينطلق من لحظة تراجع تلك الثورات عن إيصال شعوبها إلى دول تقوم على المواطنة، ويجعل منها نقطة عبور لقراءة حاضر المنطقة واتجاهاتها.
السؤال المركزي الذي يقدّمه الكتاب، والذي ترجمه إلى العربية محمد الحاج سالم، هو ما إذا كان الربيع العربي سيمهّد لفوضى لا تنتهي، أم سيؤسس لواقع جديد على المدى البعيد، بخاصة أنّ هذه الثورات رسمت مسارات لم يعد بالإمكان التراجع عنها. ويقترح دباشي، لفهم الديناميات الداخلية للثورات العربية، مقاربتها من زاوية "المواطن عديم الدولة"، لا من منظور الدولة ذاتها، وذلك في ظل تحوّل هذه الدول إلى كيانات شمولية ومطلقة لا تُعنى بتحصيل الشرعية السياسية عبر الحقوق، بل عبر العنف المفرط. وقد نتج عن ذلك تحوّل في سلوك المواطنين داخل المجال العام، إذ بات الفرد ما بعد الاستعماري متمرّداً، يجرِّد الدولة من وحدة عملها الأساسية، أي المواطن، وبالتالي من شرعيتها السياسية.
يربط دباشي تراجع الدول ما بعد الاستعمارية في المنطقة العربية باعتمادها شبه الكلي على العنف، بالتوازي مع صعود الشعبوية السياسية في الولايات المتحدة وأوروبا. ويقدّم صعود تنظيم "داعش" بوصفه التعبير الأقصى عن هذا الانحدار نحو "العنف المحض"، لا بوصفه استثناءً، بل باعتباره مرآة تكشف عري مفهوم الدولة - الأمة. كما يفكّك الادعاء بأن "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" هي "إسرائيل"، عبر تعريفها مستعمرةً استيطانية أوروبية قائمة على قهر شعب آخر وتدمير مقوّمات وجوده؛ أي نموذج دولة من دون أمّة، في مقابل فلسطين التي يعرّفها باعتبارها أمّة من دون دولة.
ومن هذا التناقض تتبلور رؤيته التي ترى أنّ الدول ما بعد الاستعمارية في المنطقة العربية تحوّلت إلى احتكارات منظّمة للعنف، فيما صارت الأمم إرادة جماعية لمواجهته.
يتأنّى دباشي في إطلاق حكم نهائي على فشل الثورات العربية
وإلى جانب هذين المثالين الحادّين، ينتقل الكتاب بين حالات تتراوح بين الفوضى، والاختلال الوظيفي لمؤسسات الدولة، والارتهان للتدخلات الدولية، ممتداً إلى تجارب تركيا وإيران وليبيا وتونس ومصر واليمن. وبرغم استحضاره التصورات الراهنة عن فشل الثورات العربية، يتأنّى دباشي في إطلاق حكم نهائي عليها، نظراً لصعوبة قياس عمق التحوّلات التي شهدها العالم العربي منذ 2011. وفي قراءته، تمثّل هذه الثورات نهاية للحقبة التي وُسمت بـ"ما بعد الاستعمار"، ويقترح للخروج من الارتباط المأزوم بين الدولة والأمة الانفتاح على قوميات متعددة. ويصل إلى هذا الاستنتاج عبر قراءته نصوصاً تقدم رؤى سياسية، من بينها "كليلة ودمنة"، إلى جانب مناقشة نظريات كارل شميت، وإرنست كاسيرر، وغيرهما.