حكايات موجزة

16 يناير 2021
الصورة
خوسيه إيميليو باشيكو في حفل تكريميّ عام 2009 في غوادالاخارا بعد نيله جائزة سرفانتس
+ الخط -

مختلف

لفترة طويلة لجأ إلى جميع الوسائل لجعل البشريّة تنتبه إلى وجوده. استنفد كلّ أمل. ثم أدرك، بعد ذلك، أنه كان مجرّد شبح.

المناسبة

- أردت أن أخبره بذلك مرة أخرى. شفتاي لم تتمكنا من التلفّظ بكلمة واحدة. ورئيس الملائكة اللامرئيّ لن يعود إلّا بعد مائة ألف عام.

بلا نهاية

رجل يصطفّ خلف طابور طويل. يائساً، يزيح من كان موجوداً أمامه. يواصل ذلك مع كل الموجودين في الطابور. إلى أن يتوقّف رجلٌ آخر خلفه.

معاصرون

- لكونه خُلق من أسراري المسرحية الهزلية التي عُرضت لأوّل مرة على مسرح "إل غلوبو" الليلة الماضية، فقد ضربت المهرّج التافه المسمّى شكسبير.

المغوي

قال الشيطان للجنّة:
- لا تغويني.

مذكّرات خوان شاراسكيادو

لم أقتله: هو وحده اخترق الرصاصة. 

ذات مرة

ذات مرّة، كانت هناك حكاية لا تنتهي أبداً، وتبدأ أيضاً هكذا: ذات مرّةٍ...

الأوديسة

عاد عوليس أخيراً إلى إيثاكا.
- من أنت؟ سألته بينيلوب. وجهك مألوفٌ لي، لكنّ اسمك لم أعد أذكره.

نصر

لمّا داست أقدامه قمة إيفرست، انزلق وأهلك نفسه.

لا أحد يعرف أبداً

قال:
- إلى اللقاء غداً.
في تلك اللحظة انتهى العالم.

عبادة

أتى اليعسوب ليعبُدَ المروحية، إلهتَه، فسحقته الشفرات.

خصومة

-لا تصرخ في وجهي، ردّت الصخرة على الإعصار.

هزيمة

- أكره المسنّين المتخنثين، عوَتْ ليلى ذات الرداء الأحمر. فابتلع الذئب مرارةَ المهانة.

رواية رعب

- دعنا نذهب الآن. الموتى ينتظروننا.


لباس

خلع الملكُ ملابسه من الخوف. لم يكن لديه جسد. كان الحُلَّة والتاجَ فحسب.

جحيميٌّ

- لم أحلم الليلة الماضية. في حالة يقظةٍ أدركتُ أنني كنتُ في الجحيم وكنتم أنتم الشياطين.
 

امتنان

- لا يمكن أن أصدّق هذا، قال الإمبراطور: لقد أنقذتُ حياته، وقلّدته مناصبَ وأوسمةً وثروةً، ولم ينقلب ضدّي بعد.

الحلم الأبدي

حلمَ أنّه كان يستيقظ، لكنّه لم يستطع أن يفتح عينيه. لقد كان ميتاً.

لعنة

لكي يعرف ما كان يُقال عنه وعن حكومته، جاب الخليفةُ المدينةَ متنكّراً. في اليوم التالي أمر بتدميرها وذبح جميع سكانها بحدِّ السكين.

كويتزيو

- ليس لديّ أيّ شيء أخفيه، قالت البحيرة وقد جفّت.

مشاكل في الجحيم

مرّة كل مائة ألف سنة تأذن الشياطين بثمانين انتحاراً في الجحيم. لا أحد يعرف من سيجري اختيارُه، وكل المقيمين يتهيَّجون تملُّقاً للجلّادين، وتكثر الدسائس والشُّكوك بين المُعذَّبين. القطاع الراديكالي من الملائكة أعلن على الملأ احتجاجه حتّى يضغط الإلهُ، واسعُ اللطفِ، على الشياطين. لأنه ليس جيداً أن يُضاف إلى التعذيب اللانهائيّ للخلق عقابُ إفساح بوارقَ من الأمل.

بائعة الحليب

كانت بائعة الحليب تضع مشاريع بينما هي تمشي في المدينة. فجأةً، تحوّلت هي وجَرَّتُها وآمالها إلى شظايا في الانفجار النوويّ.

المتآمرون

لا نريد أن نتركها في سلام. قبل أن تنتحر، نادت ب. على أصدقائها. لم تخبرهم بما كانت تحاول القيام به، ولا نحن استطعنا تخيُّلَه. لم تقم ب. لا بمناورات ولا بمحاولات عامّة. لم يلبِّ أحدٌ النداء. الهجرُ لا تبرير له. لكن، وكما ينبغي افتراض ذلك، لدينا مسكّنات وإثباتاتُ الغياب. يرنّ الهاتف منتصفَ الليل. ثمَّة ارتباكات. نحن لم نعد ما كنّاه. كل واحدٍ لديه واجباتٌ الآن ويحتاج إلى الاستيقاظ في وقت مبكر.
الانتحار نقدٌ جذريّ لطريقتنا في الحياة، وهو، في المقام الأول، قتلٌ رمزيّ. كلّنا شعَرنا أنّنا قتلنا ب.، أما هي فانتقاماً تخلّصت منّا. إننا نقيّم أنفسنا عالياً حين نعتقد أنَّ كلمةً واحدة منّا، التفاتةً متضامنة، مواساةَ الفلسفة المسيحية أو الرواقية، أملَ الثورة العالمية، ذكرى اللحظات الجميلة في الصحبة المشتركة، نشرَ إهاناتنا الشخصية وإخفاقاتنا، تهكماً ملائماً وساخراً... أن شيئاً ما كان كافياً لتفادي الانتحار.
بل أكثر من ذلك: ففي مكابدتنا الحميمة، تكشفُ هذه الحركات فظاعةَ أن يكون المرء حيّاً. نحسُّ أنفسنا جدّ مذنبين، حدَّ ألّا أحدَاً يرغب في أن يتحمّل الذنب.
وما بين ثرثرات واتهامات مباشرة، قمنا بمساندة حملةٍ مغلقةٍ لكي يتطهّر أحدُنا من التأنيب الجماعي – ولكي يقوم، من أجل ب. في موتها، بالصحبة التي لم نعرف كيف نقوم بها من أجلها وهي في الحياة.

لا أحد

في الوادي تحدثُ واقعةٌ من الخوارق الطبيعية. يخرج فلّاحٌ من كوخه ليكون شاهداً على المعجزة. يتحدّث لدقائق مع بطل الأعجوبة الخارقة... عند عودته تسأله زوجته: من كان هذا؟ يتّخذ الفلاح لنفسه مقعداً على الطاولة ثم يجيب: لا أحد... لقد كان الإله.

تحوّلات

في وسط المدينة يرتفع تمثالٌ يغيّرُ شكلَه... في الليل يتّخذ شكلَ ديانا، وفي النهار يصبح على صورة أبولو. وإذا لبس ملامح مارس يعلن الحرب. واضحةٌ جداً وجليّة للعيان رمزيّتُه، لا أحد يستطيع أن يتأمّله أكثر من ثانية، ولو نظر إليه أحدٌ وهو في صورة ثانتانوس لعرفَ بأنه سيلاقي الموت بعد ساعات قليلة. ربما لا وجود للتمثال إلا في خيال من يعتقدون أنّهم يرونه. لكنْ ثمة صور فوتوغرافية لتحوّلاته التي لا تُحصى، وفي أزمنة أخرى كان هنالك من تجرؤوا على لمسها قبل أن يموتوا، وقد أورثونا شهاداتهم. مهما يكن من أمر، فإن التمثال المتعدّد الصور يشغل بالَ سكّان المدينة. رغبَ ملكٌ في تدميره، فأبدى مجلس الشيوخ معارضته للأمر لأن ذلك، وبحسب الأسطورة، سوف يعني نهاية العالم.


* ترجمة خالد الريسوني


بطاقة

José Emilio Pacheco شاعر وكاتب ومترجم مكسيكي، يُعدّ من أبرز شعراء المكسيك وأميركا اللاتينية في النصف الثاني من القرن العشرين. وُلد في المكسيك العاصمة عام 1939ورحل فيها مطلع 2014. من أعماله الشعرية: "عناصر الليل" (1963)، و"خمود النار" (1966)، و"لا تسألني كيف يتلاشى الزمن" (1969)، و"ستمضي ولن تعود" (1973)، و"جزر يسحبها التيّار" (1973)، و"منذ ذلك الحين" (1980)، و"مدينة الذاكرة" (1989)، و"بستان أطفال". ومن أعماله السردية: الريح النائية" (1963)، و"ستموت بعيداً" (1967)، و"معارك الصحراء" (1981)، و"بداية اللذة" (1972)، و"ألبوم جديد لعلم الحيوان" (2013). حصل على عدة جوائز أدبية عالمية، من بينها "جائزة سرفانتس للآداب".

نصوص
التحديثات الحية

المساهمون