"حفيدة غردون باشا" لتسنيم طه... ميراث الشِقاق

02 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:09 (توقيت القدس)
غلاف رواية "حفيدة غردون باشا" (تصميم العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تستكشف رواية "حفيدة غردون باشا" لتسنيم طه المأساة السودانية من منظور أنثروبولوجي ونفسي، مسلطة الضوء على هشاشة الهوية السودانية في مواجهة التاريخ الاستعماري والاقتتال الأهلي، من خلال قصة ستّ النفور التي تمثل جيلًا ثالثًا من السودانيين ذوي الأصول المختلطة.

- تكشف الرواية عن التعدد الديني والعرقي في السودان، وتبرز الصراعات الداخلية للشخصيات، مثل راحيل اليهودية، مما يعكس تعقيدات الهوية السودانية وتحديات الانتماء الوطني.

- تتبنى الرواية موقفًا نقديًا تجاه الخطاب الرسمي، داعيةً إلى قبول التداخل كمصدر لقراءة حداثة السودان، وتطرح مفهومًا بديلاً لهوية متعددة الأنساق، معتبرةً حرب 2023 نتيجة لخسارات سياسية واجتماعية متراكمة.

تبدو المأساة السودانية في ظاهرها سلسلة من الانقلابات والحروب والنزاعات، غير أن الروائية السودانية تسنيم طه، في روايتها "حفيدة غردون باشا" (دار رشم للنشر، 2025)، تقترح قراءةً مغايرة، تُعيد الصراع إلى جذوره الأنثروبولوجية والنفسية؛ فلا تكتفي الرواية بتوثيق الخراب السياسي، بل تُعيد بناء الذاكرة الجماعية بوصفها حلبةً للصراع بين روايات متنازعة، وفضاءً تُختبر فيه هشاشة الهوية السودانية أمام تراكم التاريخ الاستعماري والاقتتال الأهلي. تنقل تسنيم طه المأساة من ميدان المعركة إلى متاهة الذات وقيود العائلة، ومن ركام الخرطوم عام 2023 إلى جدران ذاكرة مهجَّنة تتناسل فيها الأسئلة أكثر مما تُقدَّم فيها الإجابات.

مختبر الهوية المعلَّقة

تُقدِّم الكاتبة صورة الهوية السودانية بوصفها بنيةً متصدّعة تعيش على حافة السؤال. فبطلة الرواية ستّ النفور، ذات الأصول السودانية – الفرنسية، ليست مجرّد حفيدة لجيلٍ غابر، بل تجسيد حيّ لزمن الانشطار بين الانتماءين: الوطني والمستعمِر. وهي جيل ثالث يعود، روحياً وفعلياً، لينبش في تاريخ عائلة مركَّب يمتد إلى زمن الاستعمار، ويتقاطع فيه الحب مع الخيانة، والموت مع البحث عن أصل ثابت. تبدأ الحكاية من جَدّها زكريا، الذي يمثل الجسر الحكائي مع جيل الأجداد، وتعود جذوره إلى علاقةٍ بين الخواجية آن موريس وأرضٍ لم تعد تعرف أبناءها. ومن هذا التداخل بين "الأجنبي" و"الوطني" يتولّد حدث مراجعة شجرة نسبٍ غير مستقرة، تماهت فيها حدود الأسرة مع حدود الوطن نفسه. وفي الطريق لربط هذه الحلقات لا تعتمد الرواية على زمنٍ خطيّ، بل على تقاطعات زمنية تتيح تتبّع الأثر المدمّر للاستعمار والصراع الأهلي عبر الأجيال. وتتحول كتابة ستّ النفور لروايتها، بمساعدة جدّها، إلى فعل تأليف ذاتي، تحاول من خلاله ترتيب فوضى الماضي واستعادة المعنى وسط عتمة الحكايات المتناثرة. بهذا المعنى نتتبع وسيلة إنقاذ الهوية من الذوبان، فلا يتحقق خلاص الذات السودانية إلا بكتابتها من جديد، لا بتلقّيها موروثاً مغلقاً.


تكسير الأصنام

ومن أكثر مناطق الرواية جرأةً كشفها للطبقات الدينية والاجتماعية التي تتصارع داخل الوعي السوداني. إذ تهدم تسنيم طه الصورة النمطية عن التجانس العقائدي، كاشفةً عن تاريخٍ طويلٍ من التعدّد الديني والعرقي بين المسلمين والمسيحيين واليهود وتداخلاته. فقصة راحيل/ راشيل اليهودية التي تتزوج مسيحيّاً، ثم حكاية خالتها فريحة، تمثلان نواةً سرديةً تهزّ فكرة الهوية المطلقة وتعيد طرحها بوصفها نتيجة تماسٍّ مع الآخر لا نفياً له. هذه التشابكات القديمة تنعكس في حياة الحفيدة التي تجد نفسها بين رفض أمّها لعلاقتها برجلٍ لا يوافق المعتقد الديني للعائلة، وصدمة خذلانها من آخر يوافق معايير المجتمع ويخالف قيمها. هذه اللعنة التي تلاحق الحفيدة، وكأنها عقاب اجتماعي على تاريخ العائلة المتداخل والمختلف، تجعلها تشعر بـ"عدم الاستحقاق" وهنا يصبح الحبّ مرآةً لعقدة الانتماء، ويتحوّل الجسد إلى جغرافيا رمزية تعبّر عن وطنٍ فقد توازنه.

الذاكرة الجماعية بوصفها حلبةً للصراع بين روايات متنازعة

في هذا المستوى، تغدو الرواية مواجهةً صريحة مع البنية الذكورية والاجتماعية التي تحكم علاقات النساء في المجتمع السوداني. فالفشل في إقامة علاقة حبّ متوازنة يتماهى مع الفشل في تأسيس وطنٍ سليم؛ كلاهما ضحية تاريخٍ من الخوف والإنكار. ومع عودة ستّ النفور إلى "قرشي" ابن بلدتها بعد سلسلة من الخيبات، يبدو أن الكاتبة تؤمن بأن الخلاص، على هشاشته، لا يزال ممكناً عبر الاعتراف بالأصيل، لا عبر محاكاة الغريب.

سجلّ الخيبة

لا بد من قراءة "حفيدة غردون باشا" ضمن سياقٍ أوسع، بوصفها الحلقة الأحدث في مجريات الانقسام السوداني التي شغلت الأدب والسينما خلال العقدين الأخيرين. فروايتا "شوق الدراويش" لحمور زيادة و"رقص الإبل" لفتحي إمبابي تعودان إلى الحقبة المهدية في القرن التاسع عشر، حيث انبثقت أولى الخلافات بين الدين والسلطة، وتحوّل الخطاب الروحي إلى مشروعٍ سياسيّ دموي. لقد أسستا لما يمكن تسميته بـ"مليشيات المهدية" التي دشّنت العنف أداة لتأسيس الدولة، وهو عنفٌ ما زالت ارتداداته تتكرّر حتى اللحظة الراهنة.

الخلاص لا يزال ممكناً عبر الاعتراف بالأصيل، لا محاكاة الغريب

ثم يأتي فيلم "وداعاً جوليا" لمحمد كردفاني ليمثل الجسر الفاصل بين الماضي البعيد (المهدية) والماضي القريب (الانفصال). الفيلم لم يكن عن حرب جيوش، بل عن حرب الوجود المشترك بين الشمال والجنوب. قصة منى الشمالية وذنبها تجاه جوليا الجنوبية، تُعدّ نموذجاً للعلاقة المُختلّة بين المكونين. هذه العلاقة المليئة بالذنب والكبرياء والتبعية هي ما أدى إلى تمزيق البلاد عام 2011، وخلق جيلاً آخر من النازحين والمنقسمين. هذه الطبقات المتراكمة من الخذلان الاجتماعي والسياسي تمهّد الطريق أمام رواية تسنيم طه التي تطرح سؤالاً ممتداً: كيف نرمم صدع الانشقاق؟


كتابة مضادة للخطاب الرسمي

لا يبدو تلافي الانشقاق سهلاً في "حفيدة غردون باشا"، إذ يتبنّى العمل موقفاً نقدياً يقدّم السرد أداة لتفكيك الرواية الرسمية التي ربطت الهوية بقوالب جامدة؛ إذ تمنح الهامش صوتاً وتعيد إليه حقه في التعبير عن تجارب مختلفة، خصوصاً تلك التي تخص النساء والمختلطين. هذا الانحياز إلى صيغ الحكاية عن الطرف الآخر يخضع الخطاب التاريخي للاختبار، ويكشف هشاشته أمام تعدد الروايات المحلية. ترفض الحكاية فكرة النقاء الوطني وتعرضها كونها أوهام مُنتَجة، وتدعو إلى قبول التداخل مصدراً لقراءة حداثة السودان وفشله في إنتاج مشروع وطني موحّد. ويفكك النص الأساس الأيديولوجي للاحتكام إلى أصالة نسبية واحدة، ويطرح مفهوماً بديلاً: هويةٌ متعددة الأنساق يمكن التعامل معها باعتبارها أصلاً معقولاً للحياة المشتركة.

في هذا الامتداد التاريخي المأزوم، تأتي الرواية لتتجاوز التوثيق نحو إعلان خلاصة مريرة لمسارٍ طويل من الإخفاقات؛ إذ ترى في حرب 2023 نتيجة حتمية لخسارات سياسية واجتماعية متراكمة، لا صدمة عابرة في تاريخ البلاد.


* ناقدة ومترجمة مصرية