حزامة حبايب في "حديث الألف": الكتابة تمكّنني من المشي

05 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 07 ديسمبر 2025 - 14:05 (توقيت القدس)
الروائية حزامة حبايب (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بين عامي 2007 و2016، أسست الكاتبة الفلسطينية حزامة حبايب مشروعاً روائياً مميزاً بثلاثة أعمال، مما منحها حضوراً بارزاً في المشهد الروائي العربي. أعلنت عن عودتها برواية رابعة في 2026، مؤكدة رؤيتها الخاصة في الكتابة بعيداً عن الضغوط السوقية.

- تميزت حزامة بجرأتها ووضوحها في الكتابة، حيث ترفض التنازل عن مشروعها الأدبي. أظهرت ندوتها الأخيرة قدرتها على تحويل القصص إلى أداء شفهي ممتع، مما يعكس تداخلًا بين الرواية والشفاهة.

- تعكس أعمال حزامة تجربتها الشخصية والمجتمعية، حيث تكتب عن المجتمع الفلسطيني بواقعية. تقدم رواياتها سرداً يعكس تفاصيل الحياة الفلسطينية اليومية، مع التركيز على التحديات والآمال.

شيدت الكاتبة الفلسطينية حزامة حبايب مشروعاً روائياً بين عامي 2007 و 2016، كان كافياً عبر ثلاثة أعمال، ليعطي لها حضوراً مميزاً مكتمل الهوية في المشهد الروائي العربي، قبل أن تغادره لقرابة عشر سنوات. هذه الروايات ستظل العنوان العريض النهائي الذي يرضي الكاتب وقارئه، بما يجعل قصصها القصيرة كلها طوال عقد ونصف عقد منذ 1992، ومجموعتين شعريتين، وكتاب رسائل، ممرات جانبية تفضي إلى هذا الصوت الروائي.

مساء أول أمس الأربعاء، خلال ندوة "حديث الألف" التي تقيمها "فضاءات ميديا" شهرياً في الدوحة كانت السيرة الذاتية للكاتبة، ومقارباتها في فهم الفرد والجماعة تبدأ من الرواية وتنتهي بها، بوصفها الفضاء الأوسع الذي تختبر فيه مادتها الإنسانية. وعليه، كان إعلان حبايب أن صمتها الروائي الطويل سينتهي مطلع العام 2026 مع رواية رابعة بشرى تلقفناها خلال الندوة، مرفقة بوجهة نظر الكاتبة الحاسمة تجاه حق آخرين في السيولة الروائية، الأمر الذي لا تريد أن يمثلها.

لا بل كما تتحدث دائماً، وأعادت تأكيده في الندوة، لم تشعر البتّة بأن الزمن يسابقها، وبأن عليها اللحاق بقطار النشر قبل فوات الأوان. إن المكاسبات والتدافع السوقي (من السوق)، وثقافة الاقتناص ليس ما تفكر فيه الكاتبة، وليس ما يضغط عليها ويدفع خياراتها على حد ما تشير.

روح غير داجنة

ربما كانت الندوة الأكثر حيوية بين ضيفها وحضورها، لسبب يتعلق دائماً بجرأة الكاتبة ووضوحها في أن ما يمكن قولُه وكتابته مباشرة أو استعارة ينبغي أن يقال ويكتب كما هو، بروح غير داجنة. كان لافتاً أن النقاش لم يتوقف عند حدود الرواية بوصفها مادة فنية، بل امتد إلى معنى الكتابة نفسها لدى حبايب، وإلى ما تعتبره تمسكاً ضرورياً بالمشروع في زمن تتكدس فيه الإصدارات بسرعة تفوق قدرة كاتبها على حماية ذاته.

تداخل بين الرواية والشفاهة يكشف طبقة من شخصية الروائية

بدا أن هذا الموقف هو الذي جعل غيابها الطويل خياراً واعياً لا انقطاعاً طارئاً. ولعل المفارقة أن هذا الغياب نفسه هو الذي صنع فضول الحضور أول أمس، للتعرّف أكثر إلى كاتبة حكّاءة سليلة نساء تصفهن بالقويات "الوقحات"، ذوات السحر والجمال الخاص اللواتي لا يلجمن نصوصهن ولا ينقحنها. ولمن يقرأ مسيرتها الروائية، ويعاين هذا الانكشاف المجتمعي والفردي، بشاعريته وعنفه، تكتمل الهدية السردية، بالمواجهة عبر الحكي.

رواية الحكاية

تستعيد حزامة حبايب، جوهر فعلها الأول عبر رواية الحكاية صوتياً، بجملة متماسكة، ساخرة أحياناً، مؤسية أحياناً أخرى، وفي الجملة يبدو النص المحكي ذا قدرة ثقافية نابهة، وموهبة في الأداء.

ضحكَ الحضور بعمق، وحزِن وصمَت في لحظات، كما لو أن النص خرج من الصفحة إلى خشبة صغيرة غير مرئية. ها هي الحكّاءة التي تملك القدرة على تحويل القص إلى فعل أقرب إلى "ون وومان شو" خفيف، متقن، يجعل الكلام نفسه جزءاً من مشروعها السردي، لا شارحة له. هذا التداخل بين الرواية والشفاهة يكشف طبقة أخرى من شخصية حزامة الكتابية، وهذا التداخل يمنح القارئ ميزة التعرف إلى النص وصاحبته، ويضيف مكسباً سردياً.

صدر للكاتبة 11 كتاباً مع مسيرة قصص قصيرة بدأت عام 1992 بمجموعة "الرجل الذي يتكرر"، و"التفاحات البعيدة" (1994)، و"شكل للغياب" (1997)، و"ليل أحلى" (2002)، ومختارات قصصية عام 2010 بعنوان "من وراء النوافذ". أما الروايات فهي "أصل الهوى" (2007)، و "قبل أن تنام الملكة" (2011)، و"مخمل" (2016). وفي الشعر ثمة مجموعتا "استجداء" (2009)، و"أحاديث الوسادة" (2019)، وفي عام 2021 صدر كتاب رسائل مع القاص والروائي الفلسطيني محمود شقير بعنوان "أكثر من حب".

ونذكر في ختام السيرة الكتابية صدور ترجمتين إلى الإنكليزية الأولى لرواية "مخمل" عام 2019، والتي فازت بجائزة سيف غباش- بانيبال للترجمة الأدبية، والثانية "قبل أن تنام الملكة"، العام الماضي، واضطلعت بالترجمتين كاي هيكينن الأستاذة الأميركية المتخصصة في الأدب العربي.

عتبة حاسمة

إلى حد بعيد مثّل فوز حزامة حبايب بجائزة نجيب محفوظ للرواية عام 2017 عن روايتها "مخمل" عتبة حاسمة في حضورها الروائي، ليس فقط لأنه قدّمها إلى جمهور أوسع، بل لأنه ثبّت مشروعها في خانة الرواية، مشكّلة اعترافاً نقدياً بصوت روائي يتقدم ببطء، وثبات، ويملك ملامحه الخاصة.

تقول: مجتمع الفلسطينيين ليس مثالياً ووسمه بذلك يضرب إنسانيته

تحركت الكاتبة منذ وعيها في أرض سردية ممتدة من الكويت التي ولدت ودرست فيها حتى التخرج في الجامعة بتخصص اللغة الإنكليزية، إلى العيش سنوات في الأردن عقب التهجير الثاني الذي تلا خروج جالية فلسطينية ضخمة من الكويت بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990، وأخيراً استقرّت منذ ربع قرن في الإمارات. هذه الأرض هي مجالها الحيوي الذي اختارت فيه أن تكتب عن أدق تفاصيل الإنسان، سعيدة بأن البعض قرأها، بل كتب عنها بوصف حزامة اسماً لكاتب ذكر، إلى أن قرّ قرارها بأن تكتب عن مجتمع فلسطيني، من زاوية الكاتبة حزامة، مع رفض قاطع للتصنيف النسوي المؤدلج والمؤطر الذي يحرف أي قول عن مراميه الإنسانية.

البيت الفلسطيني

يمكن القول إن مدار الندوة كله كان عن هذا المجتمع الذي مواصفاته هكذا بلسان الكاتبة: يدور في هذه الجغرافيا، يسكن، يحلم، يسعى، بيد أن كل ذلك يشبه ما قاله محمود درويش عن البيت بما هو عمارة مادية، وبيت الشعر في القصيدة. يسكن الفلسطيني في هذا المكان الذي لا تستطيع التثبت من حقيقته ودوامه والقول إن البيت سيبقى إلا إذا جاءت جائحة، أو غزوة كبرى، أو احتجاج أرضي كأن يدهمنا بركان أو زلزال.

تؤمن حزامة حبايب بأن عدم اليقين هو الذي ينتج مكاناً يسكن في الصدور، نحمله معنا، ونختبر فكرة الوطن بالمشي. لذلك جاءت عبارتها مستهلمة لكل هذا "أنا أكتب حتى أستطيع المشي". ما الذي يجعل من هذا النوع السردي عندها خاصاً وذا علامة يعرف بها؟ إنها فلسطينية مؤمنة بأمرين، الأول: أن الكتابة تغيّرنا. أنَّ الأدب هو المنتج البشري الحقيقي الذي يحدد بوصلتنا الجمالية والأخلاقية، ثانياً: أن مجتمع الفلسطينيين ليس مثالياً، وأن وسمه بالمثالية يضرب إنسانيته وحقه في أن يكون كباقي البشر. إنه لا يريد أكثر من ذلك: أن يكون عادياً.

ربما كانت رواية "قبل أن تنام الملكة" القرار الأجرأ للقول على لسان حزامة "أنا سأكتب عن مجتمعي"، وقد كان بالفعل ذلك المجتمع الذي عاينته بتفاصيله الدقيقة إبان عيشها في الكويت والأردن، من دون أن تتحدث عن تقييمات علوية، إنما الدخول في ألبومات العائلة الفلسطينية، وأن تحفظها في رأسها وتعيد تقديمها بجذرها الحقيقي والمتخيل.

إلا أن رواية "مخمل" آخر رواياتها الصادرة حتى الآن عام 2016، كانت ذروة الفاجعة والمخملية الوثيرة ومخيم اللاجئين القبيح والحالمين فيها والمسحوقين، تمثلت نهاية السرد اليائسة من دون بارقة أمل بالموت، بموت رخيص لأم حالمة مناضلة في دفاعها عن حريتها، وحقها في الوجود على قدميها. كل ذلك وقع في مخيم فلسطين، تريد أن تدينه الرواية بوصفه سرداً رديئاً يحدث في أي مكان من العالم ومن "حقه" أن يحدث هنا وأن نراه بأعيننا.

المساهمون