"حرق الكتب": التاريخ برواية أمناء المكتبات

"حرق الكتب": التاريخ برواية أمناء المكتبات

11 ديسمبر 2020
الصورة
حرق المكتبة الوطنية في البوسنة في 25 آب/ أغسطس 1992
+ الخط -

تعرضت المكتبات ودور المحفوظات والأراشيف  بالعموم للهجوم منذ العصور القديمة، وربما لم يكن يتوقع أحد أن تتعرض للتهديد بشكل مستهدف في العصر الحديث، لكن ذلك حدث. وإلى جانب التدمير المقصود هذا، تواجه المكتبات اليوم الإهمال المتعمد؛ فمثلاً بسبب حرمانها من التمويل والتقتير الرسمي عليها تكافح المكتبات من أجل وجودها في حد ذاته. 

في كتابه "حرق الكتب"، الذي صدر مؤخراً عن منشورات جامعة هارفارد، يروي ريتشارد أوفيندن، مدير مكتبات بودليان الشهيرة في أكسفورد، التاريخ العالمي للدمار المتعمد للمعرفة المسجلة على مدار الثلاثة آلاف سنة الماضية، وسوف يحاضر المؤلف أيضاً حول كتابه في ندوة افتراضية عند السابعة من مساء الثلاثاء، 15 من الشهر الجاري. 

يصف ريتشارد أوفندين التدمير المتعمد للمعرفة الموجودة في المكتبات والمحفوظات، من الإسكندرية القديمة إلى سراييفو المعاصرة، من الألواح الآشورية المحطمة في العراق إلى وثائق الهجرة المدمرة لجيل "ويندراش" الكاريبي المهاجر في المملكة المتحدة. يقوم المؤلف بفحص كل الدوافع وراء هذه الأعمال - السياسية والدينية والثقافية – والقضايا الأوسع التي تقف خلف هذا التاريخ وتشكله. 

الصورة
غلاف الكتاب

 

في الكتاب، المكوّن من 15 فصلاً، أيضاً رصد لجهود أمناء المكتبات والعاملين فيها لمنع تدمير هذه المكتبات أو إغلاقها أو حرق الكتب، وفي بعض الأمثلة وصل الأمر إلى حد المخاطرة بالحياة من أجل أن تستمر المكتبة في الوجود. 

يرى المؤلف أن على الدولة أن تنظر إلى المكتبات ودور المحفوظات بوصفها مؤسسات أساسية وليست فقط مجرد مستودعات للمعرفة، فهي من جهة تلهم وتعلم المواطنين الحفاظ على مفاهيم الدولة المسجلة في الوثائق التاريخية؛ فمثلاً الاحتفاظ بوثائق إعلان الاستقلال وتقلبات الحكم هو شكل من أشكال دعم الدولة لنفسها، ومن خلال الاحتفاظ بسجلات الجنسية وسجلات حقوق المواطنين على النحو المنصوص عليه في الوثائق القانونية وقرارات المحكمة العليا للولايات المتحدة، فإن المكتبات تدعم سيادة القانون.

يتخذ أوفيندن من "حرق الكتب" موقفًا جدليًا حول الأهمية الاجتماعية والسياسية للحفاظ على المعرفة وحمايتها، مما يمثل تحديًا للحكومات على وجه الخصوص، وكذلك المجتمع ككل، ساعياً إلى تحسين السياسة العامة التي تتحكم بتمويل ودعم المكتبات. ومن المهم أن الكاتب لا يتناول فقط حوادث حرق المكتبات التي تتردد دائماً، بل إنه يتناول دور الدول الحديثة في تحجيم دور المكتبات وتهميشها وإغلاق الكثير منها، فهذا الفعل هو شكل من التغييب العمد والبطيء للمكتبات وفعلها الاجتماعي ومساهمتها في توفير الأرشيف للباحثين والدارسين وإيصال المعرفة من دون مركزية. 

في كتاب أوفيندن نجد أمناء المكتبة أبطالاً، ويقدمهم عكس الصورة المملة والغامضة النمطية، ويبدأ مع بلاد ما بين النهرين القديمة وينتهي بفيسبوك وتويتر، ليشرح بالتفصيل أساليب ودوافع أولئك الذين سعوا إلى حرق أو دفن أو حذف النصوص التي وثقت من خلالها قصة الإنسانية.  

الكاتب لا يتناول فقط حوادث حرق المكتبات التي تتردد دائماً، بل إنه يتناول دور الدول الحديثة في تحجيم دور المكتبات وتهميشها

نجد في الكتاب قصصاً حول موظفي المكتبات الذي كونوا في آب/أغسطس 1992 سلسلة بشرية في سراييفو لإنقاذ الكتب عندما تعرضت المكتبة الوطنية والجامعية للبوسنة والهرسك لنيران مدفعية متعمدة ومستمرة من الجيش الصربي. ويكتب كيف كانت القذائف الموجهة إلى المكتبة "مصممة لإشعال النار بسرعة في الكتب عند انفجارها". يذكر أوفيندن كيف حاول أمناء المكتبات إنقاذ ما في وسعهم من المبنى المحترق، لكن قام الرماة الصرب بالتصويب على رجال الإطفاء، بل إنهم استهدفوهم بالمدافع المضادة للطائرات. واستغرق الأمر ثلاثة أيام قبل أن تصبح المكتبة رماداً.

يقول أوفيندن إن هدف الصرب من حرق المكتبة كان محو الأدلة على وجود مسلم تاريخياً في البلاد، حيث استمرت القوات الصربية بعد المكتبة باستهداف الأرشيفات المحلية، بل دمرت سجلات الأراضي وجُرفت شواهد القبور بالجرافات "للقضاء حتى على الإشارة إلى دفن المسلمين في تراب البوسنة"، بتعبير أوفيندن، ويقتبس عن رئيس الإطفاء في سراييفو، كينان سلينيتش، الذي عندما سئل لماذا يخاطر هو ولواؤه بحياتهم لإنقاذ الكتب والأوراق، أجاب: "لأنني ولدت هنا وهم يحرقون جزءًا مني".

كذلك يذكر أوفيندن ذكرى ليلة أيار/ مايو عام 1933 عندما شاهد 40.000 شخص في برلين النيران تلتهم آلاف الكتب التي كتبها يهود ومهاجرون وشيوعيون ومثليون، حيث أحرق النازيون خلال الحرب 100 مليون كتاب. 

من جهة أخرى يتطرق المؤلف إلى حالات خاصة جرى فيها حرق الكتب، فيروي رغبة كافكا في حرق أعماله، وطلب فيليب لاركن حرق مذكراته، وحرق تيد هيوز لأوراق تعود لسيلفيا بلاث، وحرق الإداريين الاستعماريين البريطانيين، قبل مغادرتهم للأراضي التي حكموها، السجلات التي ربما تجرّمهم. 

آداب وفنون
التحديثات الحية

المساهمون