جين أوستن في عيد مولدها الـ250.. سخرية من قيود المجتمع والطبقة

31 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:36 (توقيت القدس)
من معرض "إلى البحر" احتفاء بذكرى جين أوستن، 13 يونيو 2025 في دورشيستر، إنكلترا (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- إرث جين أوستن الأدبي: تُعتبر جين أوستن من أبرز الروائيين الذين التقطوا جوهر التجربة الإنسانية، حيث لا تزال أعمالها تحتفظ براهنيتها، وتم إحياء عالمها في الذكرى الـ250 لميلادها من خلال سلسلة جديدة على نتفليكس واقتباس سينمائي لرواية "العقل والعاطفة".

- حياة جين أوستن وتأثيرها: وُلدت في فترة اضطرابات اجتماعية، وبدأت مسيرتها بكتابة "ليدي سوزان" في سن الثامنة عشرة، متأثرة بتجربتها العاطفية مع توم ليفروي، مما انعكس في شخصيات رواياتها.

- أسلوب أوستن الأدبي: تميزت بأسلوب ساخر وذكي في تناول قضايا الزواج والطبقة الاجتماعية، وترك إرثاً أدبياً غنياً يتضمن ست روايات وسابعة غير مكتملة، تُعتبر كوميديات مهذبة تكشف عن تقلبات الإنسان عبر الزمن.

في الذكرى الـ250 لميلادها، لا تُستدعى الروائية الإنكليزية جين أوستن بوصفها كاتبة من الماضي، بل صوتاً لم يفقد راهنيته، وربما لن يفقدها مطلقاً، لأنه ببساطة التقط جوهر التجربة الإنسانية. فمشاعر الحب وسوء الفهم والتحامل التي نسجت عالمها الروائي، تتكشف اليوم بضراوة تفوق كل ما خبرته في زمنها.

احتفالاً بهذه الذكرى، تعيد نتفليكس فتح عالم "كبرياء وتحامل" عبر سلسلة جديدة بقلم الكاتبة البريطانية دوللي ألدرتون، فيما أعلنت فوكس فيتشرز عن اقتباس سينمائي مرتقب لرواية العقل والعاطفة، من بطولة الممثلة الإنكليزية ديزي إدغار-جونز. أما على أرض الواقع، فقد تحولت مدينة باث، جنوب غربي إنكلترا، إلى مسرح حي لعالم أوستن، إذ احتشد الآلاف من محبيها مرتدين القبعات العتيقة والملابس الكلاسيكية، في مهرجان امتد عشرة أيام إحياءً لمرور ربع ألفية على ميلاد كاتبتهم المفضلة.

في مديح التكوين الأوستني

وُلدت جين أوستن في 16 ديسمبر/ كانون الأول 1775، في فترة اتسمت بالاضطرابات والتحولات الاجتماعية لا سيما بعد الحروب النابليونية والثورة الأميركية. وقتها انحصر عالم الفتيات في تعلم الموسيقى والزواج المبكر والانصياع للتقاليد الاجتماعية. مع ذلك، حظيت أوستن بأسرة مثالية، حيث قضت مع أختها كاساندرا معظم وقتهما بين القراءة والتنزه في ريف جنوب شرق إنكلترا، في حين شاركت الأسرة كلها في تمثيل المسرحيات العائلية، من تأليف جين الموهوبة، بالإضافة إلى صياغتها الفوازير ونظم الشعر.

على عتبة مشروعها الروائي، أصغى أفراد الأسرة بمنتهى الشغف، إلى روايتها الأولى "ليدي سوزان" التي كتبتها على هيئة رسائل متبادلة بين شخصيات لم تمهد لظهورها. وبالرغم من أن الرواية التراسلية بلغت ذروتها مع ريتشاردسون ولاترتشف ثم بدأت تخفت، استخدمت أوستن تلك الأداة الشائعة في عصرها، لفضح التحيّز والانطباعات الأولى دون تدخل المؤلف، تاركة شخصياتها وجهاً لوجه أمام الورقة البيضاء كي تبوح بمشاعرها الخاصة، وعبر تعدّد الأصوات وتضاد الروايات، تتشكل الوجوه المختلفة للحقيقة، كتبت أوستن هذه الرواية في سن الثامنة عشرة، إلا أنها لم تُنشر إلا بعد نصف قرن من كتابتها.

في سن العشرين، وقفت على مفترق تجربة عاطفية، حين التقت توم ليفروي، في ستيفنتون بين ديسمبر/ كانون الأول 1795 ويناير/ كانون الثاني 1796. كان ليفروي قد أنهى للتو دراسته الجامعية، ويستعد للانتقال إلى لندن لمتابعة تدريب المحاماة. ومن المحتمل أن لقاءهما الأول كان في حفلة أو مناسبة اجتماعية، لكن رسائل أوستن إلى أختها تكشف عن الانجذاب المتبادل الذي أثار في قلبها مشاعر متناقضة: "أخشى أن أخبرك كيف تصرفت أنا وصديقي الأيرلندي. تخيلي كل ما هو فاضح وصادم في الرقص والجلوس معاً".

الحب لا يصنع المعجزات

يظهر أثر ليفروي بوضوح في شخصية السيد دارسي في رواية "كبرياء وتحامل". رجل ذو مكانة عالية، متحفظ، يميل إلى الكبرياء، لكنه قادر على التطور وتدارك أخطائه. أما إليزابيث بينيت، فتبدو صدى لشخصية جين نفسها: ذكية، مستقلة، حادة الملاحظة، ترفض الاستسلام لتقاليد الزواج والطبقة الاجتماعية، وتصرّ على أن يكون الحب خياراً واعياً لا التزاماً اجتماعياً، غير أن المفارقة تقع بدورها في فخ الكبر والتحامل كما شخصياتها المسلط عليها الضوء: "امتلأت خجلاً من نفسها تماماً. لم تستطع أن تفكر في دارسي أو ويكهام دون أن تشعر بأنها كانت عمياء، متحيّزة، متعصّبة، وسخيفة. وصاحت: يا لهول ما فعلت! أنا التي كنت أتباهى دائماً بحسن بصيرتي! لقد سعيتُ وراء التحيّز والجهل، وطردتُ صوت العقل كلما تعلق الأمر بأحدهما".

وُلدت في فترة اتّسمت بالاضطرابات والتحولات الاجتماعية


أدركت أوستن منذ بداياتها أن الزواج، رغم ثِقله الاجتماعي، يظل تجربة قابلة للتعديل بالنسبة للرجل؛ فهو قادر على الهروب من تبعاته غير المرغوبة أو الانشغال بأعماله بعيداً عن تفاصيل الحياة الأسرية، تماماً كما كان يتصرف الرجال في عصرها وكما حال والدها.

يبدو الوعي الحاد سلاحاً ذا حدين، إذ عصمها من الوقوع في الفخ باختيار شريك قد يدمر حياتها، وفي الوقت نفسه، أسلمها إلى حياة العزوبية! فرغم أنها أحبت توم ليفروي، وتوقّعت منه عرضاً للزواج، كتبت لأختها بسخرية تعكس طبيعتها المتناقضة: "سأرفضه مهما كان، ما لم يتخلَّ عن معطفه الأبيض. سأخص نفسي بالسيد توم ليفروي الذي لن أعطيه شيئاً، وسأرفض جميع الآخرين". وبعد سنوات، قبلت عرض زواج من هاريس بيغ ويذَر، لكنها فسخت الخطوبة في اليوم التالي. 

سخرية تهز الأعراف

تفتتح رواية "كبرياء وتحامل" بجملة ساخرة: "إنها حقيقة يعرفها الجميع، أن الرجل الأعزب الثري لا بد أن يكون بحاجة إلى زوجة"، لتكشف من السطر الأول منطق المجتمع الذي يرى في كل رجل ميسور مشروع عريس. وسرعان ما يظهر التهكّم في سياق حديث السيد بينيت مع زوجته، حين تضغط عليه لزيارة السيد بينغلي، أملاً في فتح الطريق أمام بناته الخمس، فإذا به يرد بسخرية: "بوسعكِ أن تذهبي أنتِ والبنات، أو أن ترسليهن وحدهن. وربما كان هذا أفضل؛ بما أنكِ جميلة مثل أي واحدة منهن، قد يميل إليك السيد بينغلي أكثر".

وكلما زادت الأم في إلحاحها، تعالت نبرة السخرية في ردود الأب: "أظن أن السيد بينغلي سيُسعده أن يراكنَّ، وسأبعث إليه معكِ بضعة أسطر أؤكد فيها قبولي زواجه بمن يختار من بناتي، ولن أنسى أن أضيف سطراً عن صغيرتي ليزي". بهذا المنطق، يتحول الزواج من مشروع جاد إلى موضع استهزاء، من قبل زوج دفع ثمن اختياره الخاطئ، فيتخذ الفكاهة أداة للإعراب عن هذا الخلل. 

على الرغم من بساطة أسلوبها، لم تعتمد أوستن على السرد لنقل الأحداث فحسب، بل جعلته مساحة لاختبار الوعي الإنساني نفسه، ففي كتابتها يتراجع الراوي العليم خطوة إلى الخلف، ليترك للشخصيات أن تفكر وتتحيز وتخطئ في سرية تامة، من دون أن تتخلى عن ضمير الغائب. ما يسمح بتسلل صوت الشخصية إلى السرد، محمّلاً بأحكامها المسبقة وتقلّباتها الداخلية، فيما يبقى الراوي راصداً من مسافة مناسبة. ورغم أن هذا الأسلوب لم يكن اختراعاً خالصاً لها، فإنها كانت من القلائل الذين حوّلوه إلى أداة قادرة على التقاط تحوّل الوعي لحظة بلحظة، ممهدة الطريق لتقنيات الرواية الحديثة.

حساسية القارئ وتضارب الآراء

ربما لهذا يضعها كثير من النقاد في مصاف كبار الأدباء، لا لذكائها وحدسها في ملاحظة البشر فحسب، بل لقدرتها على تحليل النفس البشرية. كما تعدّ أعمالها نافذة على عصرها؛ فهي تكشف الحياة الاقتصادية، وتلمّ بقضايا سياسية واجتماعية، مثل إشارة مانسفيلد بارك إلى إلغاء تجارة العبيد، أو تناول روايات أخرى للحروب النابليونية ووضع المرأة في العصور الغابرة، حيث تنحصر اهتماماتها في اقتناص زوج لضمان البقاء!

كتبت روايتها الأولى في الثامنة عشرة ولم تُنشر إلا بعد نصف قرن

وهناك من يرى عالمها محدوداً وضيقاً يقتصر على الرقصات والزيجات. من هنا وصفت شارلوت برونتي "كبرياء وتحامل" بأنها عمل "عادي" و"مألوف"، متهمة أوستن بعدم معرفة الشغف الذي يُصنع منه الأدب الكبير. وفي إحدى ملاحظاته، قال الناقد جورج هنري لويس: "هناك مرتفعات وأعماق في الطبيعة البشرية لم تقسها أوستن، ولم تُعالجها؛ وهناك عوالم من الوجود العاطفي لم تطأها قدمها". لكنه سرعان ما يستدرك: "مع ذلك، لم تخاطر أبداً بمحاولة تحليل ما لم تره أو تعشه. قد تكون دائرتها محدودة، لكنها كاملة. عالمها فلكٌ متناسق وحيوي".

الحقيقة أن أعمال أوستن لم تكن تُقرأ في بادئ الأمر إلا باعتبارها روايات اجتماعية عن الحياة المنزلية والزواج، لكنها مع مرور الزمن، اتخذت أبعاداً أخرى، وفي العقود الأخيرة، توسع التحليل النسوي ليشمل تعدد الأصوات النسائية والفكاهة كأداة نقد اجتماعي، وكيف تستخدم أوستن السخرية لتفكيك المعايير التي تقيد النساء، دون لجوء مباشر إلى الخطاب الأخلاقي.

رحلت جين أوستن قبل أن تشهد بزوغ نجمها تاركة ست روايات، وسابعة لم تكتمل. في صباح 18 يوليو/ تموز 1817 أسلمت الروح بين ذراعي شقيقتها كاساندرا، بعد إصابتها بمرض لم يُعرف له اسم ولا علاج. الروايات الست، والجزء المنجز من الرواية السابعة، تبدو للوهلة الأولى كوميديات مهذبة عن الزواج والطبقة، لكنها تكشف، عند القراءة المتأنية، عن تقلبات الإنسان عبر أيامه السبع، حيث يظل الأخير دائماً، أقصر أيام حياته!