"لماذا يكذب السياسيون؟" لجون ميرشايمر.. من الحرب الباردة إلى خطابات ترامب

10 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 06:06 (توقيت القدس)
أكاذيب تبني ذاكرة جمعية زائفة
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يستعرض جون ميرشايمر في كتابه "لماذا يكذب السياسيون؟" دور الكذب كأداة استراتيجية في السياسة الدولية، موضحاً أن الدول تلجأ للكذب لحماية مصالحها الوطنية، ويميز بين الكذب السياسي وأشكال الخداع الأخرى مثل الإخفاء والتجميل.

- يُقسّم الأكاذيب الدولية إلى فئات مثل الكذب بين الدول وإثارة الذعر، ويبرز دور الأساطير القومية في تمجيد الذات، محذراً من مخاطرها على الذاكرة الجمعية.

- يشير المترجم غانم النجار إلى تحولات في طبيعة الكذب السياسي، من الأكاذيب التقليدية إلى التحريض الرقمي، موضحاً تأثير الذكاء الاصطناعي في دقة التلاعب بالمعلومات.

في فضاء السياسة الدولية، يشكّل الكذب أداةً استراتيجية متكرّرة، وموضوعاً حيوياً لدراسة آليات السلطة والدبلوماسية. هذا ما يستعرضه أستاذ العلوم السياسية والباحث الأميركي جون ميرشايمر

في كتابه "لماذا يكذب السياسيون؟" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات/ سلسلة ترجمان، 2025)، مقدماً قراءةً دقيقةً لواحدة من أكثر الظواهر تأثيراً في العلاقات بين الدول، مع التركيز على النماذج الواقعية التي تكشف المنطق الاستراتيجي وراء الأكاذيب، لا مجرد الطابع الأخلاقي أو الشخصي لها.

الكتاب الذي نقله إلى العربية غانم النجار، يشير إلى أن النظام الدولي بطبيعته فوضوي، إذ لا توجد سلطة عليا تفرض القواعد أو تضمن الأمن بين الدول، ما يجعل البقاء هدفاً أساسياً لكل دولة. في هذا السياق، يرى ميرشايمر، أن الكذب لا يُعدّ سلوكاً منحرفاً أخلاقياً، وإنما هو خيار عقلاني تمليه ضرورات المصلحة الوطنية ومقتضيات الصراع على النفوذ. 

من هنا يبدأ المؤلف بتحليل ماهية الكذب السياسي وتمييزه عن غيره من أشكال الخداع؛ فالكذب المباشر يعني إدلاء القائد بمعلومة يعلم زيفها، بينما يشمل الخداع الأوسع الإخفاء أو التجميل أو الانتقائية في عرض الحقائق. هذا التمييز يُعدّ أساسياً لفهم استراتيجيات الدول في تبرير أفعالها داخلياً وخارجياً.

القادة يكذبون على شعوبهم أكثر مما يكذبون على خصومهم الخارجيين

يُقسّم ميرشايمر الأكاذيب الدولية إلى فئات رئيسة تشمل الكذب بين الدول، وإثارة الذعر، والتغطيات الاستراتيجية، والأساطير القومية، والأكاذيب الليبرالية، موضحاً أن القادة يكذبون على شعوبهم أكثر مما يكذبون على خصومهم الخارجيين، لأن الجمهور أقل قدرة على التحقق من الوقائع، وأكثر استعداداً لتصديق الخطاب الوطني. ويستدل على ذلك بنماذج تاريخية عديدة، من بينها غزو العراق سنة 2003، الذي مثّل ذروة في استخدام الكذب لتبرير الحرب عبر ادعاءات امتلاك أسلحة دمار شامل، وكذلك خطاب الحرب الباردة، الذي بالغ في تصوير التهديد السوفييتي لتبرير سباق التسلّح وتوسيع النفوذ الأميركي. ويبرز المؤلف كيف تُستخدم الأكاذيب أحياناً لإخفاء الإخفاقات أو إضفاء طابع بطولي على الأداء السياسي والعسكري.

ميرشايمر -القسم الثقافي
جون ميرشايمر خلال ندوة في واشنطن، 21 فبراير 2019 (الأناضول)

كذلك يخصص فصولاً لتحليل ظاهرة "إثارة الذعر"، بوصفها أداة سياسية تستخدم لتعبئة الرأي العام وتبرير السياسات الاستثنائية، فيستشهد بخطابات الإدارة الأميركية بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، التي غذّت المخاوف من الإرهاب لتوسيع صلاحيات الأمن القومي والتدخل العسكري الخارجي. أما "الأساطير القومية"، فيراها المؤلف جزءاً من بنية الدولة الحديثة، إذ تُنتج روايات تمجّد الذات وتخفي أخطاء الماضي أو إخفاقات الحاضر. هذه الأكاذيب، وإن بدت موحّدة للصف الداخلي، فإنها تحمل مخاطر على المدى البعيد، لأنها تبني ذاكرة جمعية زائفة تضعف صدقية الخطاب السياسي نفسه.

في المقابل، تنبّه مقدمة المترجم لعام 2025 إلى تحولات نوعية في طبيعة الكذب السياسي وأدواته، متتبعةً ثلاث مراحل رئيسة: الأولى تمثّلت في الأكاذيب التقليدية والدعاية الخطابية المبرمجة، والثانية ارتبطت بانتقال الكذب إلى فضاء الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحوّل التحريض الرقمي إلى أداة لصناعة الرأي العام، كذلك كشفت فضائح كمبريدج أناليتيكا وحركة كيو أنون عن قدرة الحملات الموجهة على بثّ الأكاذيب والتأثير في نتائج الانتخابات. أما المرحلة الثالثة، الراهنة، فهي مرحلة الذكاء الاصطناعي، التي باتت فيها الأكاذيب تُنتَج وتُمرَّر بخوارزميات معقّدة تجعل من التلاعب بالمعلومات أمراً بالغ الدقة والفاعلية، كما يتضح في الحملات السياسية المرتبطة بالرئاسة الأميركية وخطابات دونالد ترامب بعد تنصيبه الثاني في يناير/ كانون الثاني 2025، وفي قضايا مثل جائحة كوفيد-19 والنقاشات حول الإجهاض.

ويرى النجار أن هذا التحول يمثل "اللباس الإلكتروني للكذب"، حيث يتقاطع النفوذ السياسي مع احتكار المنصات الكبرى للمعلومة، فتتحول الحقيقة ذاتها إلى مجال للمنافسة السياسية. ويُظهر ميرشايمر، من جانبه، أن الكذب ليس حكراً على الأنظمة السلطوية، بل تمارسه الديمقراطيات أيضاً عندما ترى في ذلك حمايةً لمصالحها الحيوية أو مكانتها الاستراتيجية. غير أن الثمن الباهظ يظهر عندما يُكتشف الكذب، إذ تتآكل الثقة العامة وتضعف الرقابة المدنية وتنهار صدقية الخطاب السياسي.

المساهمون