جوان بايز ضد ترامب: من أغاني الاحتجاج إلى القصائد اللاذعة

07 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 09:12 (توقيت القدس)
جوان بايز في نيويورك، 13 أغسطس/آب 2023 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- جوان بايز، مغنية فولك وناشطة حقوقية، عُرفت منذ الستينيات بنضالها من أجل الحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية، حيث هاجمت سياسات دونالد ترامب في قصيدتها "الديدان الخضراء الصغيرة: رسالة إلى الرئيس"، معتبرة إياها تهديداً لقيمها الأساسية.

- استخدمت بايز الشعر كوسيلة لإيقاظ الذاكرة وبناء التضامن، حيث تعبر في ديوانها "عندما ترى أمي، اطلب منها أن ترقص" عن مشاعرها وتجاربها الحياتية، مما يعكس التزامها بمسار أخلاقي وفني.

- وُلدت بايز في 1941 وبدأت مسيرتها الفنية في 1959، وأصبحت رمزاً لجيل الستينيات، واستمرت في دعم حقوق الإنسان حتى تقاعدها من الجولات الفنية في 2018.

ظلّت مغنية الـ"فولك" والناشطة الحقوقية والشاعرة الأميركية، جوان بايز  (Joan Baez)، وفية لنضالاتها التي جعلت منها ضميراً تشكل حياً وسط الصراعات الكبرى من أجل الحرية والعدالة والسلام. ذلك أن اسمها ارتبط، منذ ستينيات القرن الماضي، بحركات الحقوق المدنية والاحتجاج ضد الحروب والدفاع عن المهمشين، حتى صار صوتها مرادفاً للصدق الأخلاقي قبل أن يكون علامة فنية على الالتزام. 

برز هذا الالتزام الحقوقي شعرياً، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حين نشرت قصيدتها "الديدان الخضراء الصغيرة: رسالة إلى الرئيس"، ولم تتردد لحظة واحدة في الهجوم على سياسات دونالد ترامب بوصفها تهديداً مباشراً لقيم ناضلت من أجلها طوال حياتها: كرامة الإنسان، وحق المهاجرين، والمساواة العرقية، وحرية التعبير، واحترام البيئة، والعدالة الاجتماعية.

تآكل الذكاء الأخلاقي

فإذا كانت قد دأبت، في حفلاتها خلال سنوات حكم ترامب، على تحويل الأغنية إلى بيان احتجاجي، من خلال إحياء أغاني الاحتجاج القديمة مع إضفاء دلالات جديدة عليها، فإنها في قصيدتها الشعرية تستخدم "الدودة الخضراء الصغيرة" استعارة لتآكل الذكاء الأخلاقي لدى الرئيس الأميركي بسبب دودة خضراء دخلت دماغه والتهمته. تقول: "كنت أفكر في دودة خضراء صغيرة/ شقت طريقها إلى/ قشرة الفص الجزيري الأمامي لديك، وهو الجزء من الدماغ الذي ينشأ منه التعاطف (...) إنه مثل العضلات/ يمكن تطويره بالممارسة/ لكن الدودة الخضراء الصغيرة التهمت دماغك بسرعة. ثم واصلت التهامها حتى وصلت إلى قشرة الفص الجبهي/ المسؤولة عن التحكم في الاندفاع وتنظيم السلوك الاجتماعي/ وهي تهدف إلى منعنا من التفوه/ بألفاظ بذيئة (...) أو اتهام جميع/ المهاجرين المكسيكيين بأنهم مجرمون/ ومغتصبون وتجار مخدرات".

ترفض منطق السلطة القائم على الاستعراض والتضليل الإعلامي

وتضيف القصيدة: "هناك إحدى نوبات غضبك، التي تظل/غير مفلترة وحقيقية: "يمكنني أن أقف في وسط الجادة الخامسة/ وأُطلق النار على شخص ما/ ولن أفقد أي ناخبين/ ماذا يمكن أن تفعل دودة خضراء صغيرة/ سوى أن تقضم الدماغ/ وهو العضو الكبير المسؤول عن اللغة والذاكرة والتفكير المنطقي والتعلم/ وكل الوظائف التي تشكل/ الذكاء الأساسي/ لكن، يا للأسف: لا يوجد شيء هناك".

ترفض جوان بايز منطق السلطة القائم على الاستعراض والتضليل الإعلامي وتبسيط القضايا المعقدة في شعارات عدوانية، لأنها تؤمن أن هذا النمط من الحكم يهدد جوهر الديمقراطية ويحول السياسة إلى مسرح. لذلك ظلت تدافع عن حق الاحتجاج بوصفه إحدى الركائز التي لا غنى عنها لأي مجتمع يريد أن يظل حياً أخلاقياً.

إيقاظ الذاكرة

المثير في التجربة الشعرية لبايز أنها لم تتعامل مع الكلمات بوصفها ملاذاً جمالياً معزولاً عن الواقع، بل بوصفها فعل مقاومة قادراً على اختراق الضجيج، وإيقاظ الذاكرة وبناء التضامن. ولهذا، رغم تقدمها في السن، لم تنسحب من الفضاء العام، ولم تلذ بما يسمى "الحكمة المتأخرة"، بل استمرت تعاكس، بقلمها اللاذع وصوتها الهادئ، السياسات الظالمة، وفية لمسار أخلاقي وفني يرى في المقاومة شكلاً من أشكال الحب، كما يتضح في ديوانها الأخير "عندما ترى أمي، اطلب منها أن ترقص"، الذي تعتبره هي نفسها ثمرة سنوات من التأمل الشخصي والعلاج النفسي من الاكتئاب.

ففي هذا الديوان، تتنقل بايز بين منحيين، عاطفي ورمزي، كما يظهر في قصائد مثل "الليلة الباردة" و"أحلام وغياب"، إذ يتحول كل شعور أو ذكرى إلى فضاء للتعبير الفني والوجداني، وكأنها تعيد صياغة حياتها عبر الشعر. تلك الصياغة التي عبرت عنها باقتدار كبير في قصيدتها الشهيرة إلى حبيبها "بوب ديلان: الماس والصدأ"، إذ تسترجع الحب الأول وألم الفقدان والوعي العاطفي، وهو ما تجسد في كلمات أغان أخرى مثل "وداعاً، أنجيلينا" و"الحب مجرد كلمة من أربعة حروف".

وتأسيساً على ذلك، يمكن القول إن شاعرية بايز تدفقت في أغانيها كما في قصائدها منذ أن كانت شابة في منتصف العشرينيات وديلان في بدايات مسيرته الفنية، إذ كان الاثنان جزءاً من مشهد الـ"فولك"؛ بايز بموهبتها الصوتية وأسلوبها الشعري، وديلان بقدرته الإبداعية وروحه الثورية، فقد كانت العلاقة بينهما "مزيجاً من الانجذاب والإعجاب الفني، والصراع الشخصي، والتقلبات والغياب والفراق المؤقت".

حافظت على صوتها الفريد بين الأغنية والشعر والموقف الإنساني

تقدم لنا مسيرة بايز، على امتداد ستة عقود، سجلاً يضعها ضمن قائمة الشعراء الحقيقيين الملتزمين بقضايا حقوق الإنسان، فشعرها يجمع بين التجربة الحياتية والحس الأدبي والموقف الأخلاقي، كما أنها حولت كلماتها إلى فضاء متكامل للتعبير عن الذات، محافظة على صوتها الفريد بين الأغنية والشعر والموقف الإنساني.

ضد العنصرية وحرب فيتنام

ولدت جوان بايز في 9 يناير/كانون الثاني 1941 في مدينة نيويورك، ونشأت في أسرة مثقفة تهتم بالعلم والسلام، فوالدها كان عالم فيزياء من أصل مكسيكي، ووالدتها من أصول اسكتلندية. بدأت انطلاقتها الفنية سنة 1959، حين شاركت في مهرجان نيوبورت للموسيقى الشعبية، إذ لفتت الأنظار بصوتها النقي وأسلوبها البسيط الصادق، إلى أن أصبحت، في الستينيات، رمزاً لجيل كامل، بخاصة بعد انخراطها في حركة الحقوق المدنية، وشاركت في المسيرات التي قادها مارتن لوثر كينغ، وغنت في المظاهرات دفاعاً عن السود وضد التمييز العنصري. كما كانت من أبرز المعارضين لحرب فيتنام. وقد ارتبط اسمها في تلك المرحلة ببوب ديلان الذي دعمته في بداياته، وشاركت معه في حفلات وجولات فنية، قبل أن يفترقا فنياً وعاطفياً. 

خلال السبعينيات والثمانينيات، واصلت جوان بايز مسيرتها الفنية، ووسعت اهتمامها بالقضايا العالمية، فدعمت حقوق الإنسان في أميركا اللاتينية، وساندت ضحايا الدكتاتوريات، وناهضت التعذيب والقمع السياسي. أما في العقود الأخيرة، فقد واصلت الغناء والكتابة، وأصدرت عدة ألبومات وديوان شعر، كما أعلنت تقاعدها من الجولات الفنية سنة 2018، بعد مسيرة امتدت أكثر من ستين عاماً.

آداب
التحديثات الحية