جدل النشيد الوطني ومعجم السلطة الجديدة

08 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:58 (توقيت القدس)
من فعالية لإحياء الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام الأسد، حلب، 5 ديسمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- هناك جهود لتغيير أسماء المدارس المرتبطة بالنظام السابق في سوريا، مثل مدرسة نزار قباني وسعد الله ونوس، مما أثار جدلاً واسعاً. كما يُدرس استبدال النشيد الوطني الحالي بنشيد جديد ظهر في مناسبات عديدة.
- تعرض النشيد الوطني الحالي لانتقادات من شخصيات أدبية، ورغم ذلك لم تتأثر مكانته بشكل كبير. النشيد المقترح أيضاً واجه انتقادات تتعلق ببعض عباراته.
- الاتحاد السوري لكرة القدم أبلغ "فيفا" باعتماد النشيد الجديد في كأس العرب 2025، مما يعكس نقص التنسيق بين الجهات الرسمية في اتخاذ القرارات.

يبدو أن إطاحة ما يمكن تسميته "معجم النظام السابق"، تحتاج إلى أناة وتوحيد للنهج بين الوزارات أكثر مما يجري الآن. فقد سبق لوزير الثقافة محمد ياسين صالح أن تدخل شخصياً لدى وزارة التربية، لمنع إزالة اسم نزار قباني عن إحدى مدارس حلب، بعد أن اتخذت مديرية التربية قراراً بتسمية مدرسة قباني باسم "حذيفة بن اليمان". وكان السؤال حينها: هل اسم الشاعر قباني، مدرج ضمن معجم نظام الأسد؟

الأمر نفسه كاد أن يحصل مع مدرسة تحمل اسم سعد الله ونوس بدمشق، لكن الضجة والجدل اللذين أثيرا على صفحات السوشيال ميديا، أوقفا المشروع، وقالت وزارة التربية إن تغيير أسماء بعض المدارس، "سيكون وفق آلية عمل موحدة، تنسجم مع توجهات الدولة في تجاوز آثار المرحلة السابقة، وحذف الأسماء المتعلقة برموز النظام البائد".

إذن، نحن أمام إشكالية فصل المعجم السياسي، عن الأدبي والعلمي والوطني بشكل عام، خاصة ما يتعلق بالرموز والأسماء التي لا علاقة لها بالنظام السابق، بل هي موجودة قبل عام 1963، عندما استولى البعث على السلطة. ومثالها الشاغل الآن، هو استبدال النشيد الوطني "حماة الديار عليكم سلام" الذي كتبه خليل مردم بك، ولحّنه الأخوان فليفل، واعتمد عام 1938 نشيداً وطنياً، بنشيد عمر أبو ريشة "في سبيل المجد والأوطان نحيا ونبيد"، وهو من ألحان الأخوين فليفل أيضاً.

ورغم أنه لم يصدر قرار رسمي بعد، باستبدال النشيد الوطني السوري الحالي، إلا أن قصيدة "في سبيل المجد والأوطان نحيا ونبيد"، أطل في عدة مناسبات نشيداً وطنياً، كان آخرها حفل افتتاح بطولة كأس العرب 2025 بالدوحة، كما قامت وزارة السياحة قبل ذلك بنشر فيديو للنشيد، ما أكد الانطباع بأنه النشيد المعتمد، لكنه ينتظر صدور القرار رسمياً.

انتقادات أدبية... ولكن!

وبغض النظر عن الجانب السياسي والظروف التاريخية لاعتماد نشيد "حماة الديار عليكم سلام"، فقد تعرضت هذه القصيدة لانتقادات كان أبرزها ما كتبه الشيخ علي الطنطاوي في مجلة "الرسالة" القاهرية عام 1945، عندما قال إن "السلام" في هذا النشيد "منكر" ولا يليق بنشيد وطني، ثم تساءل من هو المخاطب بهذا الكلام ومن القائل؟ مضيفاً أن النشيد الوطني يفترض أن يقوله الشعب، كما انتقد عبارة "عرش الشموس" وقال ما هذا "العرش" ونحن نتحدث عن جمهورية؟ وأضاف: "هل نظمه الشاعر ليكون النشيد الرسمي لبني أمية؟".

أطلّت قصيدة "في سبيل المجد والأوطان" في عدة مناسبات نشيداً وطنياً

ولم يسلم نشيد "حماة الديار" أيضاً من انتقادات الشاعر إيليا أبو ماضي، فقد وصفه في مقال نشرته مجلة "القيثارة" عام 1946، بالركاكة والضعف، وقال: "إن هذا الكلام الركيك المعلوك لا يصلح لأن يكون نشيداً لأي وطن"، وطالب الحكومة السورية بإعادة النظر باعتماده.

لكن انتقادات الطنطاوي وأبي ماضي، لم تكن لتنسف قصيدة جميل مردم بك، رغم صوابية رأي الطنطاوي بضعف عبارة "عليكم سلام" القريبة للهجة الدارجة، في نشيد وطني، أما انتقادات أبي ماضي فدارت في العموميات وأخذت طابع السخرية التي حملها انطباعه الشخصي.

ربما لا يسلم نص أدبي من العثرات، فنشيد عمر أبو ريشة نفسه، ليس منزلاً أو عصيّاً على الانتقاد. ألا تبدو كلمة "الإرهاق" في عبارة "إن عيش الذل والإرهاق أولى بالعبيد"، في غير مكانها هنا؟ ولو قال الشاعر: "إن عيش الذل والإرهاب أولى بالعبيد" ألم تكن أكثر بلاغة، باعتبار أن معاناة العبيد الأساسية هي "إرهاب" الأسياد وليس "إرهاقهم"؟ ثم ألا يشكل هذا البيت إقراراً بوجود العبيد ومعنى العبودية، وإنه لا مشكلة إن عانى العبيد الإرهاق والذل؟ أما عبارة "كم قتيلٍ شهيد" أفلا تبدو أنها قد كَرّرت لفظتين بهذا النحو لاتمام الوزن؟ فالمفهوم الوطني لا يستخدم لفظة "قتيل" بل شهيد، ومن ثم هي زائدة وليست في مكانها.

اتحاد كرة القدم يغير النشيد الوطني!

ما تناقلته وسائل الإعلام، يفيد بأنه في يناير/كانون الأول 2025، أبلغ الاتحاد السوري لكرة القدم، الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، اعتماد "في سبيل المجد" نشيداً وطنياً يقدم في حفل افتتاح كأس العرب. مع أن الأناشيد الوطنية للبلدان، تغيرها عادة البرلمانات، ويسبقها لجان تقييم في الأدب والموسيقا، مع مسابقات تتيح لأصحاب النصوص التقدم ضمن مسابقة تُعْلَن. فهل يمكن أن نفاجأ لاحقاً باعتماد نشيد مختلف غير متوقع، يصدر بقرار عن السلطة التنفيذية، ليكون ذلك مثالاً عن عدم التنسيق بين الوزارات والجهات الرسمية في الحكومة، مثلما حدث في تغيير أسماء المدارس.

المساهمون