جدلية التنميط وحرّية الإبداع: تهمة جاهزة اسمها الظلامية

23 ديسمبر 2024   |  آخر تحديث: 07:09 (توقيت القدس)
فرقة شعبية من وهران ترحّب بضيوف "الألعاب المتوسطية" التي احتضنتها المدينة عام 2022 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- التنميط الثقافي في الأدب: يرفض المجتمع الغربي الأعمال الأدبية التي تكرّس صورًا نمطية سلبية، بينما في الجزائر تم تكريم رواية تسيء إلى وهران، مما أثار جدلاً حول حرية التعبير.

- ردود الفعل الثقافية والاجتماعية: يبرز النص التناقض بين الجزائر والغرب في التعامل مع الأعمال المثيرة للجدل، حيث وُصفت الاحتجاجات في الجزائر بأنها "ظلامية"، بينما تُعتبر في الغرب جزءًا من النضال الثقافي.

- الفجوة بين الأجيال والحساسيات الثقافية: يشير النص إلى الفجوة بين الأجيال في الجزائر، داعيًا لاحترام الحساسيات الثقافية والابتعاد عن الصور النمطية والإبداع غير المسؤول.

هل يمكن لكاتب عالمي اليوم أن يضع رواية يصف فيها اليهود بالمُرابين والمتآمرين، ثم يُعنونها بـ"مردخاي" أو "سارا"؟ وهل يمكن أن نقرأ روايةً لكاتب أوروبي يصف فيها المهاجرين المغاربيّين في أوروبا بالإرهابيّين واللصوص ويعنونها "السلام عليكم"؟ وهل يمكن لأيّ مثقّف عاقل أن يدافع عن أعمال من هذا النوع ويطالب بتشجعيها من باب حرية الإبداع؟ طبعاً، لا. وحريّ أن تقوم الدنيا ولا تقعد في وجه كلّ من يجرؤ على تنميط مجموعة بشرية بأكملها وتقديم تمثّلات مسيئة عنها في المخيال الجمعي وتكريسها في المدوّنة الأدبية.

ولكن، هل يمكن أن نقرأ في الجزائر عملاً يُصوّر مدينة بعينها على أنّها ماخور مفتوح، ويضع نساءها في خانة العاهرات، ثم يختار لها عنواناً هو اسم نموذجي لبنات المنطقة، أمّا غلافها فصورة بانورامية لخليج المدينة، وبعد كلّ هذا تُمنح الرواية جائزة حكومية ترعاها وزارة الاتصال، وزيادة على ذلك، يدافع عنها "كبار" المثقّفين والروائيّين، بل يعتبرون أهل المدينة المستائين من الصورة النمطية التي قُدّمت عنهم وعن مدينتهم "ظلاميّين" و"إنكشاريّين جدداً"؟

هذا المشهد السريالي الذي صنعته نخبةٌ ثقافية تدّعي "التنوير" في الجزائر هذه السنة، أثبتت أنّها بعيدةٌ كلّ البعد عن الحساسيات الثقافية لعالمنا المُعاصر وأبعد ما يكون عن الخطاب الحداثي الذي يزعمون الدفاع عنه، وذلك مع استدعائهم كلّ مرّة لاستعارة القرون الوسطى في هجومهم على معارضيهم، تدليلاً على انغلاق خصومهم في حقبات مظلمة وانفتاحهم هُم على التاريخ والجغرافيا والشعوب الأوروبية التي عانت محاكم التفتيش في حقبة ما من تاريخها، ساعين بذلك لتمرير أنفسهم حرّاساً للأنوار والحرّية والجمال، يضيئون وحدهم بثقافتهم "العالمية" و"المنفتحة على الآخر".

تكريس صور نمطية عن فئة بعينها يمكن أن يشكّل جريمة ثقافية

والحقيقة هي أنّ الثقافة الغربية، كما اتضح، لم تُسعف هؤلاء لإدراك أنّ الإشكالية الحقيقية في "الرواية" المعنية بهذا اللغط هو أنّها تُكرّس صوراً نمطية عن فئة بعينها في المجتمع، وهو ما يُعتبر جريمة ثقافية مكتملة الأركان في سلّم قيم الحداثة في العالم الغربي المُعاصر. فمن ذا الكاتب الأميركي الذي قد يجرؤ اليوم على وصف السود في رواية ما على أنّهم مجتمع كامل من الخارجين عن القانون، ويخرج بعدها روائيون (زملاء في القبح) للدفاع عن حقّه في حشو كتابه بما يشاء من صور نمطية، من دون أن يتوقّع أن تُرفع عليه الآلاف من الدعاوى القضائية في كلّ ولاية أميركية، دع عنك ما قد يتعرّض له من حملات على مواقع التواصل ووسائل إعلام يقودها نشطاء ثقافيون واجتماعيون لدفعه إلى الاعتذار، بل تقديم تعويضات للمجتمع (community) المتضرّر من عمله المسيء.

هذه التحرّكات، بل أقلّ منها بكثير، هي ما صُنّف في الجزائر هذا العام من طرف المثقّفين "المتنوّرين" على أنّها تحرّكات "ظلامية" و"إنكشارية"، مع أنّها تُعدّ في الغرب جزءاً لا يتجزّأ من النضال الاجتماعي والثقافي تحديداً ضمن الأوساط التقدّمية واليسارية.

فلماذا اختار المثقّفون الجزائريون "المتنوّرون" أن ينفوا عن أهل وهران ونسائها حقّهم في الاحتجاج؟ وبدل أن يُستخدم مصلح "نشطاء" لوصفهم، بات يُستخدم ضدّهم اسم "الميليشات"، وتهكّماً أيضاً اسم "حرّاس الفضيلة"؟ وماذا عن وصف "الإنكشاريّين الجدد"، هذا الذي خرج به أحد "حرّاس الجمال"؟ والحقيقة أنّ إطلاق وصف "حرّاس الجمال" على مثقّفين مترهّلين "ينتعون" أمامهم كرشاً من عشرين كيلوغراماً من الدهون لا يمكن أن يكون سوى نكتة!

ممارسة بعيدة عن الحساسيات الثقافية لعالمنا المعاصر

وقد يخرج علينا في هذا السياق أحدهم ليخبرنا أنّه علينا ألّا نُجرّح في الكروش، ليأتي السؤال المشروع: ولماذا على القارئ الوهراني أن يبتلع تجريحاً في نفسه وتبتلع القارئة الوهرانية تجريحاً في كرامتها، باسم "حرّية الأدب" و"الجمال"؟ بل حتى نوغل في العبث، وللإمعان في امتهان كرامة البشر، نشنّ حملات على هؤلاء في وسائل الإعلام العربية لأنّهم تجرّؤوا وعبّروا عن استيائهم، ونخبرهم أنّهم ظلاميون وسحالي خرجوا من عالم القرون الوسطى... بل إنّهم أيضاً "إنكشاريون جدد"!

وبمناسبة "الإنكشاريّين الجدد" هذه، تحضرني رواية إيطالية تاريخية بديعة عنوانها "الذئب والقمر" (2001)، أتى فيها وصف لإنكشاري حقيقي: "كان فصيحاً في كلامه، ماهراً في أُسلوبه، متأنّقاً حتى في نغمة حديثه... تعلّم الفارسية والعربية وقرْض الشِّعر... ولُقّن الآداب، والمراسم وكلّ العلوم التي حصّلها في البلاط... أمّا الصمت، والذي كان أوّل درس تعلّمه، مقترناً بالتواضع والخشوع، فقد ذكّره بالعقيدة التي وُلد وعُمّد عليها. عندما كان يتناهى صوت الأذان إلى نوافذ المعسكر كانت أصوات الأجراس تختلط أيضاً به. وعندما كانت تُلامس الأجراس سمعه كانت تستثير الذكريات في نفسه، وبمزيد من الصمت ومزيد من التواضع والخشوع كان يطيع قلبه ويرتّل: 'أبانا الذي في السماوات' و'السلام عليك يا مريم'".

هكذا وصف بييترانجيلو بوتافووكو، أحد أبرز كتّاب إيطاليا المعاصرين، إنكشارياً حقيقياً من أصل إيطالي، اسمه شيبيوني تشيكالا... والحقيقة أنّني كنت خلال الصيف الماضي أستجمّ، وأقرأ الروايات، وأشاهد الأولمبياد وأتأمّل في جمال الخلق، وتحديداً تلك البطلة الجزائرية البهية، إيمان خليف، التي تبدأ بـ"الحمد لله على هذا الفوز" في تصريحاتها بعد كلّ انتصار، وذلك السبّاح الإيطالي الوسيم، توماس تشيكيتون الذي يشبه تمثال "دافيدي" لـميكيلانجيلو بمحجر عينيه وعضلاته، ليقابلني بعد كلّ هذا الجمال غبار مزعج أثارته رواية قبيحة، وما هو أقبح منها وصف "الإنكشاريّين الجدد" الذي أطلقه أحد "حرّاس الرقّة والجمال والهشاشة" في الجزائر للدفاع عنها، وكدت أصاب بالسكتة الكتابية بعد أن تحالفت البشاعة بعضها مع بعض في جزائرنا... وفكّرت أن أدعو كلّ شبابنا للتشبّه بالإنكشاري "شيبيوني" حتى يتضاعف الجمال في العالم ويقلّ الترهل، فالإنكشاريون كانوا على الأقل أصحاب أجسام منحوتة تشبه تماثيل أبولو بحكم التدريبات الشاقّة لأشخاص يحترمون متطلّبات مهنتهم، بينما من يعطون دروساً في الجمال عندنا كتّاب مترهّلون على كلّ الأصعدة.

والواقع أنّني، وأنا أتابع جدل تلك الرواية المعتلّة، ذات الأدوات الأدبية المحدودة، تذكّرت حديثاً مع شارون هيكر، وهي ناقدة فنّ أميركية اتّصلت بي قبل أربع سنوات رفقة كاثرين رامسي بورتولانو، عندما كانتا تعتزمان كتابة عمل عن النتاج الثقافي الإيطالي للنساء في العصر الحديث ودعتاني إلى المشاركة فيه، فأسرّت لي شارون في أوّل لقاء لنا إنّهما قبل هذا الكتاب كانتا ترغبان في الكتابة عن عالم العاهرات في إيطاليا، ثمّ ضحكت وأضافت: "حاولنا جمع المادّة ثم قلنا لبعضنا ماذا نعرف نحن عن عالم العاهرات؟". تذكّرت هذا وأنا أقرأ مدى استياء أهل وهران من كاتبة سرقت صوت مدينتهم دون إتقان لهجتهم، حتى كما ظهر جلياً في حوارات الرواية. لكن الوهارنة فوق ما لحق بهم من إساءة كان عليهم أن يصفّقوا لانعدام الحرفية الأدبية وعدم التحكّم في أدوات السرد ضمن عمل أدبي مريض يكرّس عنهم كلّ التمثّلات السقيمة، فكان عليهم أن يصمتوا حتى ينفوا عن أنفسهم صفة الظلامية ويكرّسوا لحرية الإبداع عند كتّاب محدودين فنّياً ومهنياً.

والواقع أنّه وبالنظر إلى الفئة العمرية لهؤلاء، يتّضح أنّ كلّ اللغط الأدبي الدائر مردّه اختلاف الحساسيات الثقافية بين جيل يعرف أنّه يعيش زمناً من غير المسموح فيه لأحد أن يكرّس عنه أي صور نمطية، وجيل مثقّفين في عمر متقدّم لم ينتبهوا إلى تراكم الدهون والسموم في أجسادهم وأفكارهم. وكذلك هُم القرّاء الذين لهم كلّ الحق في رفض عمل أدبي كتب عنهم، ليس لأنهم ظلاميون، ولكن لأنّهم واعون بلعبة التمثّلات الثقافية والصور النمطية التي يبدو أنّها بعيدة جدّاً عن حساسية جيل "البومرز" Boomers من الكتّاب وحتى البعض من "جيل الألفية". وقد يكون بعد كلّ هذا أجمل ما يمكن أن يقدّمه هؤلاء للقارئ بعد بلوغهم مرحلة الخرف والخرف المبكر، هو إتحافنا بصمتهم، والتوجّه من اليوم فصاعداً إلى ممارسة الرياضات الخفيفة بعيداً عن "حراسة الجمال" أو ممارسة فعل الإبداع الشاقّ، وذلك حتى لا تتأثّر عضلة القلب عندهم، وعندنا.


* روائية جزائرية مقيمة في إيطاليا