جداريات مكسيكية على جدران بيروت من إنجاز باولا دلفين
- بدأت دلفين مسيرتها في الفن الجداري عام 2012، ونفذت جداريات في دول متعددة، مؤكدة على أهمية التعاون مع الجهات الداعمة مع الحفاظ على استقلاليتها الفنية، حيث ترى أن الفن الجداري أداة قوية للتأثير الاجتماعي والسياسي.
- ترتبط جداريات دلفين في لبنان بالتبادل الثقافي بين لبنان والمكسيك، وتعكس ثيمة الهجرة بلغة معاصرة، مؤكدة أن الفن الجداري يحتفظ بقدرته على التغيير والتأثير في الواقع.
انتهت الفنانة المكسيكية المقيمة في بيروت باولا دلفين، الأربعاء الماضي، من إنجاز جدارية جديدة لها، بالقرب من المركز الثقافي الإسباني وعند حافة جسر الرينغ، لتُضاف بذلك إلى مشهد الجداريات الآخذ بالتنامي في العاصمة اللبنانية، بوصفها تعبيرات تنتمي إلى الفضاء العام، ومستقلّة عن شروط مشهد الفن في الغاليريات ذات الجدران المغلقة.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
من الشارع المحاذي، تتجلّى ضخامة التكوين الرأسي المُصمّم بأسلوب أُحادي اللون، وهو يمتد على كامل الواجهة الإسمنتية متداخلاً مع هندسة المبنى وسياقه الحضري. غير أن هذا الامتداد العمراني يحمل في جوهره إرثاً مكسيكياً أصيلاً؛ تشرح عنه دلفين لـ "العربي الجديد" بالقول إن معرفتها بحركة الفن الجداري المكسيكي جَعلتها تعي أن رسم الجداريات في الفضاء العام هو صناعة لأثر دائم ومحاورة ثقافية مع مجتمعات مختلفة.
وعند الدنوّ من قاعدة العمل الفني، تبدأ التفاصيل الدقيقة بالظهور؛ إذ تعتمد دلفين على تباين الضوء والظل لإبراز ملامح الشخصيات والخطوط المتشابكة، وتبرز في الجزء السفلي وجوه امرأة وطفل إلى جانب طائر الهدهد ومجسّم مصغّر لبيت حجري تقليدي، بينما تتصاعد المستويات الأعلى بوجوه نسائية تحيط بها رموز فلكية وأشكال هندسية.
نفّذت جداريات في الصين وأوكرانيا وألمانيا وبيرو وأميركا
تستكمل الجدارية الجديدة مساراً فنياً ممتداً للفنانة المكسيكية (1989)، التي صقلت موهبتها بدراسة التصميم الغرافيكي والرسم في "أكاديمية سان كارلوس" بمكسيكو سيتي.
وتعود بداياتها الميدانية في الفن الجداري إلى عام 2012، حين نفّذت أولى جدارياتها في "المتحف المكسيكي للُّعب القديمة" (MUJAM)، لتنطلق من بعدها في تجربة تركت خلفها أعمالاً فنية على جدران عدة دول، منها الصين، وأوكرانيا، وألمانيا، وإسبانيا، وبولندا، وبيرو، والولايات المتحدة الأميركية. وتتجلى معالم هذه التجربة في المشاريع الضخمة ذات الأبعاد الاجتماعية التي أنجزتها دلفين، ففي عام 2016، شيّدت جدارية "الملجأ" في العاصمة الأوكرانية كييف على واجهة مبنى شاهق بارتفاع 40 متراً.
لا يمكن عزل هذه الجدارية عن سياق حضور دلفين في لبنان وتجربتها السابقة في مدينة جونيه (20 كم شمال بيروت) والتي أنجزتها العام الماضي؛ حيث يمتد عملها هناك عرضياً على واجهتين لامرأة بزيّ لاتيني تقليدي تحمل تمثالاً لمريم العذراء وأخرى تحمل أداة رمزية. وعن التوازن بين هذه الرموز واستقلاليتها الفنية أمام توجّهات الجهات الداعمة، تؤكد دلفين لـ "العربي الجديد" أنها تؤمن بالتعاون سبيلاً للوصول إلى هدف أسمى مع المحافظة على الاستقلالية، شريطة ألا يكون ذلك على حساب حقيقتها الفنية أو التنازل عن انسجام العمل مع ما تشعر وتفكر فيه.
ترتبط جدارية جونيه بسياق التبادل الثقافي والتاريخي بين لبنان والمكسيك، مستحضرةً ثيمة الهجرة بلغة معاصرة تعتمد التكثيف والتفاعل مع المكان، ورغم أن العملين لا يخلوان من رموز مباشرة يُقرأ بعضها في إطار المتوقّع البصري -مقارنة بجداريات بيروتية أخرى ذات طابع احتجاجي أو تأويلي- إلا أن هذا الخيار المباشر يتسق مع طبيعة الفن العام الموجه للجمهور العريض.
وحول مدى قدرة الفن الجداري على إحداث تأثير اجتماعي أو سياسي اليوم، تؤكد دلفين لـ"العربي الجديد" أن هذا النوع من الفن ما زال يحتفظ بهيبته وقدرته على التغيير، بل إن العولمة ضاعفت من سرعة وصول رسالته إلى الناس، مشيرةً إلى أن طرح الموضوعات الحساسة والسياسية، رغم ما قد يثيره من مواقف متباينة أو ضغوط، يمثل نعمة ونقمة في آن؛ إذ ينبغي للفنان ألا يخشى مشاركة رسائله ما دامت تتوافق مع جوهر رؤيته للعالم، فالفن يظل أداة حقيقية للتأثير في الواقع.