جان بيار فيليو.. هل "الشرق الأوسط" مركز العالَم؟

جان بيار فيليو.. هل "الشرق الأوسط" مركز العالَم؟

16 نوفمبر 2021
جان بيار فيليو في "جامعة كولومبيا" بنيويورك (Getty)
+ الخط -

ما تزال منطقة "الشّرق الأوسط" تثير تساؤلاتٍ حارقة عن مُكوّناتها العرقيّة والطائفيّة واللغويّة التي تتنافس فيها، وعن الأسباب العميقة التي تُعلّل تواصل هذه الفُسيفساء التي تُعدّ تارةً مصدرَ ثراء وتنوّع، وتارة أخرى بؤرَة نزاعاتٍ تكاد لا تنتهي. وما تزال الكتب العِلميّة تصف هذه الضّدية الثنائية وتعمل على تفكيكها وتحليل مظاهرها العميقة، حفرًا في السحر الذي يمارسه هذا الشرق، سحرٍ ممزوجٍ بإخافة ورهبَةٍ لا تَعليلَ عقلانيّ لهما.

ومن آخر ما صدر في هذا المضمار، كتابٌ للباحث الفرنسي جان بيار فيليو (1961) بعنوان "وسط العوالم" (منشورات "سوي"، باريس)، وهو، كسائر كُتبه السابقة، مُوجَّه إلى جُمهور عريض، لا إلى فئة المختصّين، بالاتّكاء على تقليدٍ ثريّ في اللغة الفرنسية انصبّ على الدراسة الجيوسياسيّة لهذه المنطقة، بَعضه يعود إلى الإرث الاستشراقي وبعضه إلى الدراسات القطاعيّة الحديثة التي تخصّصت في دراسة مسائل دقيقة في سيرورة المجتمعات العربيّة. صَدرَ الكتاب في أيلول/سبتمبر الماضي، حاملًا عنوانًا فرعيًّا يثير الانتباه: "تاريخٌ علمانيٌّ للشرق الأوسط منذ سنة 395 إلى يومنا هذا". وتجدر الملاحظة أنّ هذا التأليفَ مُهدًى إلى الباحثة الفرنسيّة ذات الأصل الإيراني، فَريبا عادلخاه، التي تقضي مَحكوميتها في بيتها بطهران، وهي زميلةٌ للكاتب في "معهد الدراسات السياسيّة" بباريس.

وعليه، تكمن أصالة هذه المقاربة في الاعتماد على رؤية "علمانية" للتاريخ، تقطع مع التصوّر الديني للأحداث التأسيسيّة التي تَجعل من هذه المنطقة فضاءً مقدّسًا أسطوريًّا، لا يمكن أن يُفهم بمنطق العقل ولا بآليات التحليل التاريخي التي تطوّرت ضمن المدارس التاريخية المعاصرة، كمدرسة "الحوليات" الشهيرة، وذلك بالتركيز مثلًا على كون الشرق مَهبط الرسائل السماويّة الثلاث، أو مَحجّ طالبي الحقائق وغيرها من الدعاوى التي تحول دون الفَهم الرصين للصراعات الآنية والماضية التي هزت تلك المنطقة وما تزال تهزّها، تغذّيها أيدولوجياتُ "الأرض المختارة" أو "الموعودة".

استعادة رصينة لأحداث الشرق الأوسط وما بينها من روابط

يَنقسم هذا الكتاب إلى عشرة فصول، خُصّص كل واحد منها لفترة من الفترات التي حَكمت تطور الأحداث خلالها، وقد اختار الباحث الفرنسيّ لقصّة كتابه أن تبتدئ سنة 395 بعد الميلاد، وهو تاريخ يُصادف ظهور الإمبراطورية الرومانيّة بالشرق، ممّا جعل منه، تبعًا لهذا الظهور، رُقعةً ترابيةً مُحدّدة، ازدهرت فيها الديانة المسيحية الناشئة وباتت تنظر تلقاءَ القسطنطينيّة وليس روما.

وبالنظر إلى الخلفيّة التربوية الراسخة للباحث، فإنه اجتهد في دَعم كتابه هذا بسلسلة من الخرائط التوضيحية (عشرون في الجُملة) وعشرة جداول تاريخيّة تضمّ أهم الحوادث والانعطافات الكبرى، إلى جانب مُلحقَيْن بأسماء الأعلام والمفاهيم الرئيسة التي اعتمد عليها في إجراء تحليلاته. وجاءت الخلاصةُ أقرب ما تكون إلى التحليل الجيو - سياسي، حيث خصّصها لإبراز المكانة التي تحتلّها منطقة الشرق الأوسط في العالم المعاصر، وكذلك لتحليل الطموحات التي تسعى إلى تحقيقها هناك في ذات الوقت القُوى الإقليميّة والأجنبيّة، وكلّها تَتنازع السيادة على ذلكَ الجُزء السّاحر من العالَم، حيث يعتقد الباحث أنّ تاريخه جزءٌ لا يتجزّأ من تاريخ فرنسا. وما يجري في ساحته البعيدة تلك من شأنه أن يؤثّر في مُجريات الأحداث في أوروبا، ولعلّ ما عرفته سورية في السنوات الأخيرة أكبر آية على ذلك، حيث هاجر إليها أكثر من ألفي شاب فرنسيّ، ولعلّ بعضهم أحسّ بأنه مَعنيٌّ بما يحصل هناك أكثر ممّا يعنيه ما يدور حوله في باريس وضواحيها.

الصورة
وسط العالم - القسم الثقافي

ويسْعى الكتاب إلى ضَرب فكرة تصادم الحضارات، التي طالما روّجت لها في الأدبيات الحديثة، مثل مؤلَّف صامويل هنتنغتون (1927 ــ 2008) "صدام الحضارات"، كما يُفنّد في الآن ذاته تعليلَ النزاعات بالتعارض الديني والطائفي، مثل التضاد الإسلامي - المسيحي أو السنّي - الشيعي، بالنظر إلى تعقّد مكونات هذا التعارض وتوزّعها بين المعطيات الرمزية ذات الطبيعة الدينية، والدنيوية المتجذّرة في السياقات السياسية - الاقتصادية المتغيّرة. وخلال فصول الكتاب، حاول تفكيك هذه التكتّلات عبر الوقوف على التواريخ والشخصيّات، وحتى المظاهر التي يُراد لها أن تكون رمزية، مع تقديم تفاصيل عديدة عن التنظيمات والتشكيلات السياسيّة للكيانات المتعاقبة في المنطقة.

ولهذا، عاد الكتاب إلى قُرابة ألف سنة من التاريخ القديم والحديث، حيث بدأت ملامح هذه المنطقة تتشكّل على ضوء الحروب الصليبية ثم الصراعات بين الإمبراطورية البيزنطية والدولة العبّاسية، قبل أن تَصل إلى مرحلة الحكم العثماني، حيث اعتُبرت مناطق الشرق الأوسط بمثابة ولاية تابعة للسلطنة، بكلّ رمزيتها الدينية (دولة الخلافة) وما خلقته هذه التبعيّة من توتّرات بسبب وجود ما بات يُعرف بالأقلّيات التي لا تَدين بولائها للخليفة، وأخيرًا مرحلة الانتداب الفرنسيّ، الذي هو في الحقيقة استعمارٌ، وهو ما أجّج سائر توتّرات المنطقة، ولا سيما بعد إنشاء الكيان الصهيوني سنة 1948 على أرض فلسطين، على إثر "وَعد بلفور".

رغبة في القطع مع التفسيرات الدينية لما تمرّ به المنطقة

ويؤكّد الكاتب أنّ توجّهه في هذا الكتاب توجّهٌ "عِلماني مُواطنيّ"، بمعنى أنه لا يمارس كتابة التاريخ بقصد الإيغال في الحيثيات المجرّدة التي لا تهمّ إلّا ذوي الاختصاص، ولا بغرَض التمجيد الذي يقع ضحيّتَه غالبُ مَن يتطرّقون إليه، وإنّما بغرَض التحليل العلمي الذي يتوجّه إلى مواطنيه وقارئيه من كلّ مَشرب حتى تنحلّ أمامهم عُقدُ الشرق الأوسط وتنجلي أحاجيها، بعيدًا عن الأهواء والإسقاطات الراهنة. إذ ليس ثمة من تاريخ يثير من الحساسيات الدينيّة والنّزَغات السياسية أكثر ممّا تثيره هذه المنطقة التي تتالت فيها الديانات السّماوية والعقائد العرفانيّة، كما ارتَطمت بها أحلامٌ توسعيّة لحضارات متنافرة.

ويضيف صاحب كتاب "مرآة دمشق" (2017) أنّ الذي حرّكه لكتابة هذا التاريخ الجديد هو الردّ على المقاربات الكاريكاتورية، سواء تلك التي يرسمها القادة السياسيون، أكانوا مُنحدرينَ من البلاد العربيّة أو من الغرب، أو "الجهاديون المتطرّفون" من أجل تبرير أعمالهم والتسويغ لما يأتونه من الفظائع، حيث تكون العودة إلى الماضي مجرّد ذريعة لإضفاء الشرعيّة على ما يعتبرونه حقًّا، وقد يذهبون إلى تشويهه وتحريفه. ولذلك أراد فيليو أن تكون قراءته تصحيحًا هادئًا لهذه المسارات واستعادةً رصينة لتلك الأحداث وما بينها من روابط سَببيّة، من أجل تفكيك كلّ مرحلة على ضوء السوابق واللواحق.

المؤلِّف جان بيار فيليو أستاذ جامعيّ، بدأ تحصيله العلمي في "معهد العلوم السياسية" بباريس، ثم تخصّص في دراسة تاريخ الشرق الأوسط في "المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية"، حيث درس اللغتَيْن العربية والصينيّة. وقد ألّف العديد من الكتب التي تُرجم بعضها إلى أكثر من خمس عشرة لغةً حول العالم، ومن بينها "ميتران وفلسطين" (2005)، و"حدود الجهاد" (2006)، و"الثورة العربية: عشرة دروس من انتفاضة ديمقراطية" (2011)، و"تاريخ غزّة" (2012)، والروايتان المصوّرتان (بالاشتراك مع الرسّام سيريل بوميه) "ربيع العرب" (2013) و"سيّدة دمشق" (2015)، و"أكتب إليكم من عدن" (2013)، و"العرب: مصيرُهم ومصيرنا" (2015). ومن آخر أعماله: "الجزائر: الاستقلال الجديد" (2019). وهو يُدير مُدوّنة رقميّة تحمل عنوان: "ما أقرب الشرق الأوسط"، يحتضنها الموقع الإلكتروني لجريدة "لوموند". كما اشتُهر عمومًا بمواقفه الإيجابيّة من القضية الفلسطينيّة ومن حقّ السوريين في الحرّية.


* كاتب وأكاديمي تونسي مقيم في باريس

المساهمون