تشيماماندا أديتشي في أحلام نساء نيجيريات

25 مايو 2025   |  آخر تحديث: 07:51 (توقيت القدس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تُعتبر تشيماماندا نجوزي أديتشي من أبرز الكاتبات العالميات، حيث تُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثلاثين لغة، وتتناول قضايا النسوية والهوية، مما يعزز التواصل الثقافي.
- في روايتها "عدد الأحلام" (2025)، تستعرض حياة أربع نساء يواجهن تحديات شخصية واجتماعية، وتناقش قضايا مثل الإجهاض والهجرة والعنف المنزلي بأسلوب سردي غني.
- تبرز أديتشي في رسم شخصياتها بعمق، مسلطة الضوء على التباين الطبقي وحلم الهجرة، وتناقش قضايا الهوية والتضامن النسوي، مما يجعل الرواية تنبض بالحياة والتعقيد.

إذا ما نالت الكاتبة النيجيرية تشيماماندا نجوزي أديتشي (مواليد 1977) جائزة نوبل للآداب في السنوات المقبلة، فإن القارئ العربي سيكون من بين المستفيدين الأوفر حظاً. فإلى جانب ترجمة رواياتها، باتت مقالاتها وقصصها القصيرة، خاصة تلك التي تتناول قضايا النسوية والهوية، متوفرة باللغة العربية، ما يتيح تواصلاً أدبياً ومعرفياً نادراً.

أديتشي، المقيمة في الولايات المتحدة منذ عام 1996، تُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية العالمية المعاصرة. تُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثلاثين لغة، وأصبح كل إصدار جديد لها، سواء أكان رواية أم مجموعة قصصية أم نصاً نقدياً، بمثابة حدث أدبي تتفاعل معه الأوساط الثقافية في أميركا وأوروبا وأفريقيا، قبل أن تُنقل تلك الأعمال إلى لغات متعددة، منها العربية.

في العالم العربي، وصلت إلى القارئ ثلاث من رواياتها، إضافة إلى مجموعة قصصية وعدد من الكتب المقالية. روايتها الثانية "نصف شمس صفراء" صدرت أولاً بترجمة فاطمة ناعوت عام 2009 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ثم أُعيد إصدارها عام 2022 بترجمة جديدة أنجزها باسل المسالمة. أما روايتها الأولى "زهرة الكركديه الأرجوانية" فقد ظهرت مترجمة عام 2012 بجهد أحمد هويدي.

صدرت روايتها الثالثة "أمريكانا: عالم يتأمرك" بترجمة بثينة الإبراهيم عن دار روايات عام 2019، وتبعتها مجموعة "ذلك الشيء حول عنقك" التي نقلها إلى العربية عابد إسماعيل عام 2020 عن دار المدى. في المقابل، لا تزال مجموعتاها القصصيتان "أنت في أمريكا" (2001) و"غداً بعيد جداً" (2006) بانتظار الترجمة.

مقارنة لقضايا اجتماعية شائكة، مثل: الإجهاض، والهجرة

أما أعمالها المقالية، فقد حظيت بدورها باهتمام لافت. تُرجم لها كتاب "علينا جميعاً أن نصبح نسويين" و"عزيزتي هاجر: مانيفستو نسوي في 15 اقتراحاً" عام 2018، وكلاهما نُقلا إلى العربية بترجمة لميس بن حافظ عن دار روايات. كما صدر لها لاحقاً "تدوينات عن الحزن"، الذي ترجمه فهد الطاسان عام 2021 عن دار كلمات.

في أحدث أعمالها الروائية "عدد الأحلام" (2025)، تعود أديتشي إلى الساحة برواية ضخمة من 528 صفحة، ترسم من خلالها ملامح أربع نساء يُشكّلن نواة سردية تتشعّب منها حكايات أخرى تمنح النص عمقاً وتشويقاً.

تفتتح الرواية بعبارة مؤثرة على لسان "تشيماكا" (أو "تشيا" كما تُختصر): "لطالما تاق قلبي إلى أن يتم الاعتراف بي، أن يُعترف بي حقاً، من الآخر". تشيا، التي تنتمي إلى عائلة نيجيرية ميسورة وتعيش في الولايات المتحدة، تعمل كاتبة رحلات من دون أن تترك أثراً إعلامياً يُذكر. بعد تفشي جائحة كورونا، تدخل في حالة من العزلة، فتبدأ بإعادة تقييم حياتها العاطفية، وتنبش ذكرياتها مع رجل إنكليزي متزوج، ومع "تشوكا"، الرجل المثالي الذي أحبها من دون أن تبادله الشعور ذاته. تبدأ رحلة افتراضية للبحث عنهم، مدفوعة بوحدة متفاقمة وشعور بالتجاهل.

من خلال تشيا، تنفتح الرواية على ثلاث شخصيات نسائية أخرى: زيكورا، صديقتها المقرّبة، محامية ناجحة تعاني في حياتها الشخصية بعد تخلي شريكها عنها أثناء حملها. وكادياتو، مديرة منزلها، لاجئة من غينيا في أميركا، يتبدد حلمها بحياة مستقرة بعد تعرضها لاعتداء جنسي. وأوميلوجور، ابنة عمها، تعيش في نيجيريا وتعمل مصرفية ناجحة، اختارت العزوبية ورفض الإنجاب قبل أن تستيقظ داخلها رغبة مفاجئة في الأمومة تربك قراراتها السابقة.

تشيماماندا نجوزي أديتشي مع روايتها الجديدة، 2025 (فيسبوك الكاتبة)
تشيماماندا نجوزي أديتشي مع روايتها الجديدة، 2025 (فيسبوك الكاتبة)

تُحاكي الحكايات في الرواية أجواء منزل واحد، حيث تتقاطع مصائر الشخصيات الأربع رغم تباعد الجغرافيا، ما يتيح مساحة مقارنة أعمق لقضايا اجتماعية وإنسانية شائكة، مثل الإجهاض، والهجرة، والهجر، والعنف المنزلي، وتشويه الأعضاء التناسلية. ورغم عدم تناول أديتشي لهذه الموضوعات بشكل مباشر، فإنها تطرحها بسرد لغوي وتحليلي من دون توجيه اتهامات صريحة.

تبرع أديتشي في رسم ملامح شخصياتها، جسدياً ونفسياً، وتُعنى بالتفاصيل الدقيقة، من الحوارات إلى دوافع الأفعال، والانتماء أو الاغتراب، والخسارة والتوق إلى بداية جديدة. وكما في أعمالها السابقة، تُقدّم صورة بديلة لأفريقيا، تتجاوز ما تعرضه وسائل الإعلام، وتُظهر التباين الطبقي من الثراء الفاحش إلى الفقر المدقع. كما تسلط الضوء على حلم الهجرة إلى أميركا، الذي يراود كل الطبقات، ليجد من يحققه نفسه أمام تحديات جديدة، وغالباً ما يسعى للتأمرك وقطع صلته بالماضي.

"عدد الأحلام" رواية عن الهوية والانتماء، والتضامن النسوي، والتمييز والعدالة الاجتماعية. عن نساء يخضن تجاربهن لا كرموز مثالية، بل كبطلات في عالم يعصف بالمشاعر الفردية والأنثوية. رواية تنبض بالحياة والتعقيد، بشخصياتها الواقعية، وتناقضاتها، وإنسانيتها. وهي تبرهن مجدداً على قدرة تشيماماندا أديتشي على المزج بين ما هو شخصي وما هو سياسي، بين اليومي والعام، في عمل يُتوقع له أن يثير الكثير من النقاش، ويمنح القرّاء تجربة أدبية مميزة.


* كاتب سوري مقيم في ألمانيا