تشانغ هوان: رمادٌ لاستذكار ضحايا الجائحة

22 أكتوبر 2020
الصورة
(من المعرض)
+ الخط -

لا ينفصل الفنان الصيني تشانغ هوان (1965) عن تاريخ بلاده في التقاطه عناصر عديدة مستوحاة من التقاليد البوذية التي لا تزال حاضرة بقوّة في الثفافة والمجتمع، والتي يدمجها بقصص تنتمي إلى ثقافات أُخرى، وإلى اللحظة الراهنة، وآخرها جائحة كورونا.

في معرضه الجديد "في رماد التاريخ"، الذي افتُتح في "متحف الإرميتاج الروسي" بمدينة سانت بطرسبرغ بداية الشهر الماضي، ويتواصل حتى الثاني عشر من الشهر المقبل، يقدّم هوان سلسلة أعمال أتت كردّ فعل على العديد من القصص الشخصية لأناس تأثّروا بفيروس "كوفيد-19"، ومنها امرأة حامل من بلد الفنان ماتت نتيجة الإصابة به.

يضمّ المعرض أكثر من ثلاثين عملاً مصنوعة من رماد البخور المستخدَم في المعابد البوذية، أحدها عبارة عن صورة جماعية طولها أربعون متراً للحزب الشيوعي الصيني، عُرضت على طول "قاعة نيكولاس" في المتحف.

كذلك مزج هوان في أعمال أُخرى بين الصور الفوتوغرافية والمنحوتات الخشبية التي ضمّنها نقوشاً على هيئة زخارف، منها سلسلة تحمل عنوان "التناسخ" وتحتوي على ثماني لوحات مختارة تمثّل خلاصة تجربته الشخصية مع الجائحة التي اجتاحت العالم انطلاقاً من بلده، ووسيلة لحفظ ذكرى من قضوا بسبب الوباء.

يشتغل على قضايا الدين والعائلة والسياسة والفقر والمجاعة

غالباً ما تستهويه قضايا الدين والعائلة والسياسة والتعدّد الثقافي والفقر والمجاعة، في محاولته لتجريد رموز الهوية الصينية ضمن تقنيات حديثة، وتجريبه عبر استخدام مجموعة كبيرة من المواد والأدوات في إنشاء عمله، والتي يتمكّن دوماً من توفير تجانس وتآلف بينها، لتُحفَظ بروح شرقية لا تتنافر مع الحداثة.

بدأ الفنّان المقيم بين الصين والولايات المتحدة تجربته فنّاناً أدائياً، قبل أن يتحوّل عام 2005 إلى أعمال الرسم والنحت والطباعة، ثم انتقل لاحقاً إلى الأعمال التركيبية، متكئاً على بحث معمّق في الأثر الثقافي والرمزي، في إطار محاولته لتفسير التحوّلات الكبرى التي عاشتها الصين خلال العقود الثلاثة الأخيرة فنياً.

عاد هوان إلى رماد معبد لونغهوا بشنغهاي في معظم أعماله، ليعيد اكتشاف طقس حرق البحور وجمالياته المتمثّلة بالجمر الذي يشير إلى الاحتراق المادي تعبيراً عن فكر روحاني لا مادي، والإيماءات التي يؤدّيها الصينيون بأجسادهم المتمايلة في إشارة إلى ما هو وراء الطبيعة.

وتذكّر أعماله بتجربة الفنان الألماني أنسليم كيفر، التي تمثّل تفاعلاً نقدياً معقّداً مع التاريخ، فبينما اختار كيفر ثيمة ما بعد الحرب، توجّه هوان إلى فقدان الوضوح في ما يتعلّق بانتقاء الحقائق التاريخية والذاكرة المجزّأة، حيث تركيبات الرماد تتجاوز أسئلة التاريخ أو الذاكرة نحو مقاربة مفهوم الإيمان، من خلال بلوغ حالة من الهدوء الذهني المختلط بمشاعر السعادة والذهول وتسامي الماديات إلى معادلها الروحي.

بمعنى آخر، يسعى الفنان إلى استخراج الجثث من تحت الرماد التي تحيل إلى حيوات شخصية تُشكّل التاريخ الاجتماعي، حيث تطفو الذاكرة الجماعية على السطح، وتصبح وظيفة الفن استحضار التجارب الفردية لتكوّن عملاً يهمّ جيلاً أو مجموعة أو أمّة عاشت حدثاً معيَّناً.