"تردّدات الأصوات الغائبة".. استعادات ثلاث للوجود الفلسطيني

09 مارس 2025   |  آخر تحديث: 14:59 (توقيت القدس)
اعتماد على المكوّن الشعبي وتفاعُل معه (جانب من المعرض/ ميلاد الصباغ)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- نظّمت مجموعة "حراك أوار" في حيفا سلسلة معارض فنية بعنوان "بين الصمت والصوت"، بدأت بمعرض "تردّدات الأصوات الغائبة" بمبادرة من الفنانة غيد الخطيب وقيّمة المعرض نسرين طحّان، بهدف تعزيز الثقة بين سكان المدينة وصناع الثقافة والفن.
- ضم المعرض اثني عشر عملاً فنياً لفنانين فلسطينيين، تناولت مواضيع مثل التضييق على الصوت الفلسطيني وتحديات الحفاظ على الهدوء وسط الدمار، باستخدام تقنيات بصرية مبتكرة.
- تأسس "حراك أوار" لتحرير الفنانين من إملاءات المؤسسات، ويهدف لاستعادة جوهر الحياة الفلسطينية، مع خطط لتنظيم نشاطات مستقبلية لتعزيز التعاون بين الفنانين.

تحت عنوان "بين الصمت والصوت"، نظّمت، مؤخّراً، مجموعة "حراك أوار" في مدينة حيفا المحتلّة سلسلة معارض وفعاليات فنّية، والبداية كانت بمعرض "تردّدات الأصوات الغائبة"، تلته مجموعة أنشطة وورشات عمل فنّية، بمبادرة من الفنّانة غيد الخطيب وقيّمة المعرض الفنّانة نسرين طحّان.

وأُقيمت الفعالية بمشاركة مشغل "صياغة" للحِرَف اليدوية في المساحة الخاصة بهم، وهي بيت عربي قديم في وادي النسناس، أحد أهمّ الأحياء العربية في مدينة حيفا، والذي يتعرّض لسياسة تهميش متعمّدة من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، حيث يتم تضييق وصول الزائرين إليه من الخارج، خصوصاً مع بداية حرب الإبادة على غزّة، إذ قلّت حركة الناس في سوقه. لذا جاء هذا النشاط كما صرّحت مُنسّقة الفعالية غيد الخطيب في حديثها مع "العربي الجديد": "لإعادة تشبيك سكّان المدينة ببعضهم والذين صار وجودهم فيها ممزَّقاً، يتوزَّع على بُقع شبه منفصلة عن بعضها، ومن ناحية أُخرى لإعادة ثقة أهل المنطقة بصُنّاع الثقافة والفنّ". من هنا جاءت الفكرة بعدم جعل الفعالية مجرّد مساحة لعرض الأعمال، بل استخدامها لتكون مساحة تشاركية وتجريبية بين فنّانين وحِرَفيّين من تخصّصات متنوّعة.

تعكس الأعمال الفنية تجارب للنجاة والصمود في واقع محتلّ

وضمّ المعرض اثني عشر عملاً فنّياً، وبمشاركة فنّانين من مختلف المناطق الفلسطينية، بما يعكس تفاعلهم مع الواقع المفروض عليهم خصوصاً أثناء العدوان الأخير الذي طاول الوجود الفلسطيني كلّه، حيث يجسّد المعرض، وفقاً للقائمين عليه، "الارتداد الجذري داخل سلسلة من الصوت والصمت التي تلمس أوتار واقعنا المشتعل. نحيا بين صرخة مكتومة في داخلنا وصمت ثقيل يفرضه علينا الخارج". ففي عمل "تحذير يومي"، وهو كولاج فنّي يجمع أدوات مختلفة، منها الموادّ المطرّزة، يتم تسليط الضوء على التضييق الذي يتعرّض له الصوت الفلسطيني، وملاحقته حتى في الفضاءات الافتراضية وتَتَبُّع ما يُتابع ويشاهد وبما يُسجّل إعجابه، إشارة إلى حالات كثيرة تعرّض لها فلسطينيّون، خصوصاً من المناطق المحتلّة عام 1948، للاعتقال والاستجواب بسبب نشاطهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

من معرض حيفا - القسم الثقافي
(من المعرض/ ميلاد الصباغ)

لكن كيف يُمكن للفلسطيني أن يُحافظ على "هدوئه" وهو يشاهد هذا الدمار والتقتيل؟ يطرح هذا السؤال عملان فنّيان: "كيف يُمكن للإنسان أن يخسر كلّ شيء ولا يفقد عقله؟"، و"المطر البشري"، وذلك بمساءلة معنى الحياد "حين يصبح تحلُّل أجساد شعبي، احتراقهم، تقطيع أوصالهم، وانهيار لحمهم عن العظم هو القاعدة وليس الاستثناء؟ حين تتناهش الكلاب الجثث، ويبتلع الركام الأطفال؟"، كما نقرأ في تعريف العمل.

وفي أعمال ترتكز على السرد البصري بطُرق مبتكَرة مثل "رسائل معلّقة"، و"خارج المكان" - وهو عنوان مستوحى من كتاب السيرة الذاتية لإدوارد سعيد - و"أنا ما زلت على قيد الحياة"، و"سرْب"، يعرض الفنّانون تجاربهم وقصصهم اليومية وأساليبهم للنجاة والبقاء والمواصلة. كما تحاول أعمال أُخرى مثل "خطوط من دم وروح"، و"حاجز حاجب"، استلهام الثقافة الشعبية لإيجاد رمزيات أصلانية للتشبُّث بالحياة والمقاومة والصمود، فبينما يستخدم العمل الأول تقنيات الدَّمج البصري والفنون الرقمية لجعل الموروث البصري حيّاً حيث "تتداخل الأشكال الهندسية الدالّة على الثبات مع الخطوط الحرّة المعبّرة عن الحرية والفوضى، وتتراقص بين الظلال الداكنة والنغمات الزاهية، لتعكس التناقضات العاطفية بين الألم والأمل، الخراب والحرية"، يستلهم العمل الثاني التمائمَ، حيث "يتحوّل الرمز التقليدي إلى مقاومة صامتة، إلى شهادة على الزمن، وإلى محاولة إضفاء الحماية على ما هو أكبر من الجسد- الذاكرة، والهوية، والوجود ذاته".

مبادرة لتحرير الفنّانين من التزامات المؤسسات وإملاءاتها

وتحت عنوان "بلِّط" يتم دمج عرض الفيديو وجزء من تمثال ساكن ترميزاً للتناقض الذي تعيشه الحياة الفلسطينية حالياً، وتداخل اندفاع الطاقة والانجبار على السكون، وكأنّ حين يحضر الموت بهذه الكثافة تنجلي المسافة الفاصلة بين الموت والعدم. وفي رغبة للتحليق فوق هذا الواقع، ولتجاوز كلّ المعوّقات والحواجز يُقدِّم عمل "متجر شاي سامي" لزوّار المعرض فرصة تجربة السكون الفوضوي في مقهى قديم داخل البلدة القديمة في بيت لحم، وذلك من خلال تسجيل صوتي محيطي يلتقط أجواء مقهى شاي صغير حيث "يغنّي سامي، صاحب المقهى، لزوّاره، مضيفاً لمسة من الدفء إلى أصوات الأكواب المتناغمة، والهمسات المتبادلة، وحركة الأعشاب التي تذوب في الماء الساخن"، هذه الأجواء المألوفة تصبح بفعل التشتُّت الجغرافي الذي يعيشه الفلسطيني بعيدة كأنها تنتمي لعالم آخَر.

من حيفا - القسم الثقافي
(من المعرض/ ميلاد الصباغ)

الجدير بالذكر أن "حراك أوار" قد تأسّس بوصفه تجمُّعا فنّيا وشعبيا نتيجة قلّة الفضاءات الثقافية، ومحاولةً لتحرير الفنّانين والنشطاء من التزامات المؤسسات والجمعيات وإملاءاتها، وبدأت المبادرة مع ثلاث فنّانات من الامتداد الجغرافي الفلسطيني، من القدس والناصرة وحيفا، إلى جانب العديد من المتطوّعين والنشطاء الذين يلتقون حسب النشاط.

وتتلخّص رؤية هذا الحراك، بحسب غيد الخطيب، في "استعادات ثلاث لما انسلخ من جوهر حياة الفلسطيني على امتداد وجوده، ابتداءً بالمشاع حيث يتعرّض ما تبقى من تجمّعات عربية فلسطينية إلى تغييب وتهميش وإلغاء لهويته الأصلانية، إضافة إلى التجاهل المتعمّد والحرمان من عمليات التطوير والترميم بحيث تصبح البُنى التحتية مهترئة ومتهاوية". وتُضيف: "تتمثّل الاستعادة الثانية في استعادة الموادّ، حيث يتم استعمال الموادّ الخامّ العضوية الموجودة في البيئية المُحيطة أثناء تنظيم الفعاليات والمعارض المختلفة، لتجاوز الحاجة إلى وجود مموِّلين يوفّرون موادّ باهظة الثمن، وللتواصل مع البيئة المحيطة وفهمها عن كثب، ويوفّر هذه الموادّ حرفيّون يُشاركون حسب الحاجة في الفعاليات، أما الاستعادة الثالثة وهي الأهم فهي استعادة الحقل الفنّي، وذلك لتخليصه ابتداءً من المؤسسات ومن الرقابة، الأمر الذي دفع الفنّانين أنفسهم ليأخذوا بزمام المبادرة ويصبحوا منسّقين إلى جانب نشاطهم في إنتاج الأعمال".

وإلى جانب معرض "تردُّدات الأصوات الغائبة" استضافت المساحة أثناء فترة العرض فعاليات تشاركية منها نشاط مع "أوبين مايك فلسطين"، بتوفير المنصة للزوّار مدّة ساعتين لإلقاء الأشعار والغناء وقراءة النصوص، بالإضافة إلى بازار وعرض أزياء والعديد من ورش العمل للأطفال والبالغين.

وختمت الخطيب حديثها مع "العربي الجديد" بالإشارة إلى كون هذه الفعالية بدايةً لمجموعة مختلفة من نشاطات لاحقة، مؤكّدة "ضرورة الاستدامة والتنقّل للوصول إلى أماكن مختلفة بحاجة إلى مثل هذه النشاطات، كمناطق في النقب والزوايا المهمّشة من سوق مدينة الناصرة وقرى مختلفة، إضافة إلى ضرورة التعاون بين الفنانين والالتزام في حراك تشاركي لمواجهة النزعة الفردانية التي تطغى في المجتمعات الحديثة، فبدل محاولة الوصول الفردي وما يرافقه من خضوع لرقابة وتضييقات، يقدّم الحراك بديلاً تعاونياً أكثر حرّيةً وأقرب إلى المكوّن الشعبي الذي ينطلق منه ويتفاعل معه".


* كاتب فلسطيني مقيم في ألمانيا