في رسالة كتبها في أواخر أيام حياته، يوجّه ليف تولستوي خطابه إلى مهاتما غاندي، الشاب الذي كان يخوض حينها محاولاته الأولى في تنظيم العمال الهنود جنوب أفريقيا. شكَّلت هذه المراسلات نقطة التماس الحاسمة بين أفكار اللّاعنف النظرية المكتوبة على الورق وتطبيقاتها الميدانية الحية التي ستغير جغرافية العالم لاحقاً.
عززت أطروحات تولستوي لدى غاندي رؤيته للمفهوم الهندوسي والجايني القديم "الأهيمسا" (اللّاعنف)، فعمل على إعادة تأويله سياسياً ونقله من النطاق الروحي الفردي إلى ساحة المواجهة الشاملة. حوّل غاندي هذه الرؤية الأخلاقية التي صاغها صاحب "الحرب والسلام" إلى برنامج عمل سياسي منظم يُعرف بـ"الساتياغراها" (مقاومة الحقيقة)، ليصبح العصيان المدني ومسيرات الملح أسلحة قادرة على تفكيك أركان إمبراطورية كاملة دون اللجوء إلى السلاح. يتجلى الأثر العميق لتولستوي في إصرار غاندي على أن الوسائل تشكل طبيعة الغايات، وأن التمسك بالعنف ينتج في النهاية مجتمعاً قائماً على العنف، بصرف النظر عن النيات النبيلة للثوار.
الأزمة الروحية وتفكيك مفاهيم الحياة
في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، اكتمل في نفس ليف تولستوي تحول روحي حاد جرفه بعيداً عن أوهام طبقيته ومؤسسات عصره. نجد صدى هذا المخاض العميق في كتابي "قانون العنف وقانون المحبة... مختارات من كتاباته الفكرية والفلسفية" و"ملكوت الله في داخلكم" (ترجمة هفال يوسف، دار آفاق للنشر، القاهرة، 2026)، وتتبدى مواجهته الشاملة مع هيئات الحكم وأشكال التدين السائد، ويتبلور يقينه بقسوة النظم التي تصوغ شقاء البشر.
ترك تولستوي أثراً عميقاً في دعوة غاندي إلى العصيان المدني
ويتأمل تولستوي مسار الوعي البشري عبر التاريخ، فيراه يتدرج عبر ثلاث درجات لمعنى الوجود؛ يمثل المفهوم الشخصي (أو البهيمي) أولى هذه الدرجات؛ إذ ينحصر المعنى داخل حدود الذات المباشرة، وتغدو الغاية المشتهاة تحصيل اللذة وتلبية الرغبات الفردية. تأتي بعده خطوة أوسع في المفهوم المجتمعي (أو الوثني)، وفيه يتنازل الفرد عن مسرّاته الذاتية ليذوب في كيان أكبر مثل القبيلة أو الأسرة أو الدولة، متحولاً إلى حارس للحدود وممجدٍ للرؤساء. أما ذروة هذا التطور فتتكثف في المفهوم الإلهي (أو الكوني)، حيث يتجاوز الإنسان أسياد الأرض ومصالحه الضيقة، ليربط وجوده بمبدأ أخلاقي شامل، وبمحبة مجردة تجعل من الحياة غاية بحد ذاتها.
يتتبع تولستوي شقاء العالم الحديث، فيرى أن أزمة المجتمعات تنبع من خضوعها اليومي لآليات المفهوم الوثني القائم على تقديس الدولة واستخدام القوة، بالتوازي مع التمسك الصوري بشعارات الإخاء. في هذا المناخ، يبدو العامل المعاصر أكثر شقاءً من العبد في العصور القديمة؛ فالعبد القديم عاش عبوديته بوصفها قدراً طبيعياً لا يتخيل غيره، بينما يدرك العامل اليوم حق مساواته بالآخرين، ثم يجد نفسه مقسوراً بقوة السلاح وقوانين السوق على خدمة رفاهية القلة.
تفتح العودة إلى هذين النصين المترجمين نافذة لقراءة التحولات التاريخية التي تشكل موقع الفرد أمام هيكل السلطة، وتكشف كيف رأى تولستوي في القبول الضمني بالبطش العائق الأول أمام بناء مجتمع أخلاقي حقيقي.
التطور التدريجي لفكرة اللّاعنف
لا تظهر فلسفة اللّاعنف عند تولستوي مفهوماً ناجزاً ومكتملاً منذ البداية، بل تتتبَّعُ يومياته (ترجمة يوسف نبيل، دار آفاق، القاهرة، 2019) المخاض الفكري العسير الذي مرت به هذه الفكرة. ففي أجزائها الأولى تُجيب اليوميات ببراعة عن صمت البدايات؛ لتتفتح تدريجياً على إدراك موسّع لمفهوم القهر، حيث لم يرَ تولستوي العنف حصراً في آلات السلطة وجيوشها، بل تُشخّصه في "عنف القناعات" الممارس عبر الفن، والكنيسة، والمعايير الأخلاقية، وطقوس الحياة اليومية.
ومع اطلاعه على الفلسفة الصينية (الطاوية) وأدبيات الأناركيين، بدأ يتشكل لديه ذلك التميز الفكري الحاسم؛ فقد اتفق مع الأناركيين في نقدهم استبداد السلطة، لكنه اعترض جذرياً على وسائلهم، رافضاً موازاة العنف بالعنف لأن ذلك ليس إلا تأسيساً لعنف جديد. دفعته هذه الرؤية إلى العودة لجوهر المسيحية، معتبراً أن نبذ العنف يُشكِّل سمتها الرئيسة، مشككاً في الدعوات اللاهوتية التي تحث على الخضوع المطلق لبطش السلطات، إذ كيف يُذعِن العقل الحر، بحسب تعبيره، "لمجنون ثمل عنيف؟".
القبول الضمني بالبطش عائق أمام بناء مجتمع أخلاقي حقيقي
انخرط تولستوي في بحثه عن جذر الشر في العالم؛ فبعدما عزاه أولاً إلى الأشرار، ثم إلى بنية المجتمع الشرير، انتهى إلى أن العنف المتسلسل هو المحرك الأساسي للظلم، وأن مواجهته لا تكون بالانضمام إلى الحكومات الفاسدة أو بالتغيير الثوري المسلح الذي يورث أنظمة أكثر رجعية، بل بأسلحة الفكر والكلمة والتربية الدينية الحقيقية. وهذا ما تجسد عملياً في اهتمامه المباشر بتأسيس مدرسته الخاصة لأطفال الفلاحين في مسقط رأسه، بلدة ياسنايا بوليانا الروسية.
نقد آليات القوة
يشرح تولستوي كيف وجدت أفظع المآسي التاريخية، من عقوبات الإعدام والتعذيب إلى السجون والحروب الشاملة، تبريراً لها بالمنطق نفسه؛ حيث الاحتراس من الشر المتوقع. وبدلاً من أن تؤدي الدولة وظيفة حماية المجتمع، أدى تقدم التقنيات إلى مضاعفة وسائل القتل والإخضاع مئات المرات مقارنة بالأزمنة القديمة. أما خطورة المؤسسة السياسية فيرى تولستوي أنها تكمن في تجريد الأفراد من مسؤوليتهم الأخلاقية المباشرة. يعلم المجند الذي ينساق إلى الجندية أنه قد يُكره على قتل إنسان آخر لا يكنّ له عداء، ومع ذلك يخضع لضغط الفكرة المجتمعية التي تعتبر طاعة الأوامر فضيلة والتمرد عليها جريمة.
إن تشريح تولستوي هياكل القسر يتجاوز حدود نقد الحكومة القيصرية ليشمل البنية التشريعية والدينية التي تمنح العنف غطاءً مشروعاً. يرى أن الكنيسة الرسمية وقتها قد تحالفت مع السلطة لتحويل تعاليم المحبة إلى أداة تضمن خضوع المحرومين، مشيراً إلى أن تحرير الفرد يستوجب استعادة ضميره الأخلاقي المستقل بعيداً عن إملاءات المؤسسة.