استمع إلى الملخص
- أعمال معلوف تتسم بالهدوء والتأمل، حيث تتماهى البيوت اللبنانية مع الطبيعة، بينما تبرز الأجساد الأنثوية متصلة بتضاريس الأرض، مما يخلق فضاءً للتوازن والسلام الداخلي.
- حدّاد تقدم لوحات بتكوينات متشظّية وزوايا حادة، تعكس هشاشة المجتمعات، مستخدمة ألواناً زاهية تكشف عن طبقات من التهميش وآثار الحروب، مما يتطلب جهداً إضافياً لفهم التفاصيل.
تلتقي الفنّانتان اللبنانيتان لونا معلوف وجنيفر حدّاد في حوار بصري هادئ، في معرضهما المشترك "بين الأرض والشاهد" الذي افتُتح الجمعة الماضي في غاليري Art on 56th في بيروت، ويتواصل حتى الحادي والعشرين من الشهر الجاري. تحضر بيروت بوصفها مادة تتقاطع فيها الظلال منذ النظرة الأولى، ومن خلال تجربتين متوازيتين، تُقدّم الفنّانتان قراءتين مختلفتين للمدينة بكلّ تعقيداتها وهي تذوب في متاهة من الألوان والأشكال.
تبدأ الجولة مع أعمال لونا معلوف، إذ يشعر الزائر بأنه يبتعد تدريجياً عن صخب الإسمنت ويدخل منطقة وسيطة من العمارة. تظهر البيوت اللبنانية القديمة وهي تتماهى مع الطبيعة، في مشهد يوحي بأن الأرض تستعيد ما فُقد منها. تعتمد معلوف على تقنيات دقيقة تمزج بين الفوتوغراف والرسومات التمهيدية (Croquis)، لتعيد تركيب ذاكرة طفولية آمنة استعادتها خلال زمن العزلة وما بعد الحرب، فتغدو اللوحة محاولة شخصية لترميم ما خسرناه.
ورغم هذا الانسجام اللوني الواضح، تستقرّ بعض الأعمال في منطقة بصرية مألوفة، إذ يغلب التأمل على عنصر المفاجأة، وهو خيار يمنح اللوحات تماسكها بقدر ما يؤطّرها. كذلك تظهر الأجساد الأنثوية في أعمال معلوف، على محدوديتها، متّصلة بتضاريس الأرض ومفتوحة على إمكانيات التشافي. وبين الضربات الزيتية الناعمة والضوء المتسرّب من ثنايا اللوحة، يتحول المكان من نقطة جغرافية ضيّقة إلى فضاء أوسع للتوازن والسلام الداخلي، حيث تقود التجربة الذاتية إلى مادة بصرية شفافة، تميل إلى الرمزية أكثر من الاحتكاك المباشر مع اليومي.
مع الانتقال إلى أعمال جنيفر حدّاد، تتبدل الوتيرة البصرية بوضوح. تنطلق حدّاد من خلفيتها السينمائية ومن تجربتها الطويلة في الاحتكاك بحيوات المجتمعات المهمّشة والمخيمات، لتقدّم لوحات ذات تكوينات متشظّية وزوايا حادة تصوّر هشاشة عميقة وشعوراً دائماً بعدم الاستقرار. تظهر البيوت في هذا العالم ككتل مضطربة، ومبانٍ مهدّدة بالانهيار أو تحاول الصمود بصعوبة تحت ثقل الصدمات الاجتماعية والسياسية.
كذلك تعتمد حدّاد على مفارقة لونية لافتة؛ ألوانٌ زاهية تشدّ النظر في البداية، قبل أن تكشف عند الاقتراب عن طبقات من التهميش وعمالة الأطفال وآثار الحروب المتواصلة من بيروت إلى غزة. في بعض الأعمال، تؤدّي كثافة التكوين والضربات العريضة إلى فيض بصري يتطلّب من المتلقي جهداً إضافياً لالتقاط التفاصيل الأكثر هشاشة، وكأن هذه المدينة المنساحة والذائبة يُعاد بناؤها فوق سطح القماش، بكلّ ثقلها وتصدّعاتها.
بين جذور لونا معلوف الباحثة عن السكينة، أو تأويلها لونياً، وخطوط جنيفر حدّاد الشاهدة بواقعية على مجتمعات الهامش، يجد المتلقّي نفسه في مساحة عبور مفتوحة. ورغم اختلاف الأدوات - ولا ننسى الجيل أيضاً - تتعامل كلتا الفنّانتين مع اللوحة انطلاقاً من التجربة الذاتية. باختصار، "بين الأرض والشاهد"، في جوهره، تأمّلٌ في تشظيات الوجود الحضري كما هو، ولكنه قادر في الوقت نفسه على الاستمرار وإعادة إنتاج المعنى.