بينو أبريلي... الغباء آلية للحفاظ على استمرارية الأنظمة
استمع إلى الملخص
- يستعرض الكتاب مفهوم "الانتقاء الثقافي" الذي يهمش الذكاء النقدي لصالح الامتثال، مشيراً إلى أن التفكير السطحي أصبح يُكافأ في العصر الرقمي.
- يدعو الكتاب إلى إعادة التفكير في دور الثقافة المكتوبة كفعل مقاوم، مشدداً على أهمية التوازن بين الاستقرار والتجديد.
منذ الصفحات الأولى من كتاب "في مديح جديد للغباء" الذي صدرت نسخته الإسبانية بترجمة خوان مانويل سالميرون (منشورات غاتوباردو 2025)، يقدّم الصحافي والكاتب الإيطالي بينو أبريلي مفارقة أساسية: الذكاء الذي شيّد الحضارة لم يعد ضرورياً لاستمرارها. فالمجتمعات الحديثة محكومة بهياكل بيروقراطية وإدارية واقتصادية تعمل بذاتها تقريباً، ولا تحتاج إلى تدخّل العقل النقدي أو الابتكاري. على العكس من ذلك تماماً، لقد صار الذكي مشكلة، لأنه يطرح أسئلة مُزعجة ويهدّد استقرار المنظومة الثقافية والسياسية والاجتماعية. بينما "الأبله" ـ أو بسيط العقل والمُمتثِل والغبي ـ يضمن سلاسة الأداء ويحافظ على استقرار النظام.
هكذا ينقل أبريلي النقاش من المستوى الفردي إلى البنيوي: لسنا أمام غباء أشخاص بعينهم. إننا أمام منظومات سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية كاملة تبني نجاحها على مكافأة الامتثال ومعاقبة الإبداع.
الانتقاء الثقافي
يستعير صاحب كتاب "في مديح الخطأ" (2003) مفهوماً داروينياً ليشرح فكرته. يقول: "كما فقد الإنسان عبر تطوره أعضاء لم تعد لازمة للبقاء، يمكن للمجتمعات الحديثة أن تفقد تدريجياً حاجتها إلى الذكاء النقدي".
هنا لا يتحدث الكاتب عن "انتقاء طبيعي" قائم على البيولوجيا، إنما عن "انتقاء ثقافي" يحدد أي الصفات تُكافأ وأيها تُهمّش.
وبحسب هذه الرؤية، لم يعد الذكاء مزية ضرورية كما كان في الماضي لمواجهة أخطار الطبيعة والعدو. فالمجتمع الصناعي والرقمي قائم على أنظمة تعمل تلقائياً: من البنوك إلى الشركات الكبرى إلى الأجهزة الإدارية. في هذا السياق، لا يُكافأ من يفكر خارج الصندوق، بل من يلتزم بالإجراءات ويطيع القواعد.
كذلك، يستشهد الكاتب بأفكار عالم السلوك الحيواني النمساوي كونراد لورنز، الذي رأى أن الذكاء البشري، بعدما أوجد الحلول الكبرى، جعل نفسه فائضاً عن الحاجة. فالبشر لم يعودوا بحاجة إلى التفكير المستمر ما داموا يكتفون بتكرار ما اكتشفه العباقرة من قبلهم. ومع غياب التحفيز، تذبل القدرات العقلية شيئاً فشيئاً. يقول: "الإنسان حيوان يشبه كثيراً القردة العليا. نحن نتاج عملية تطورية طويلة جداً تحكمها القوانين نفسها التي تحدد مسار جميع الأنواع (بما في ذلك النباتات). ما يميزنا عن الحيوانات الأخرى، حتى الأقرب منها، هو كمية وجودة ذكائنا. لا يوجد حيوان آخر على كوكب الأرض يمتلك مثل هذا. كنت مفتوناً بفكرة أن الآلية نفسها التي منحتنا هذه القوة الدماغية قد حرمتها من الآخرين. أي بمعنى آخر، لماذا نحن؟ ولماذا يُستخدم هذا العطاء الجميل بشكل قليل؟".
قوة اجتماعية
من أبرز ما يثيره أبريلي هو ما يسميه "الحرب على الذكاء". فالتاريخ الحديث يقدم أمثلة على مجتمعات قامت بتهميش الأذكياء وتصفيتهم: من كمبوديا إلى الثورة الثقافية في الصين، حيث عُدّت المعرفة والاختصاص خطراً على النظام.
تكشف قوانين العالم أن الغباء لم يعد هامشياً، بل مركز كل شيء
الذكاء هنا لا يُنظر إليه نعمة. إنه عدو يهدد الاستقرار. ضمن هذا السياق، لا يشيطن مؤلف العمل الغباء. فهو لا يقدمه عدواً للإنسانية. إنه قوة تكيفية ضمنت عبر التاريخ استمرار النوع. فالبشر لا يستطيعون العيش جميعاً على درجة عالية من الذكاء النقدي. والمجتمعات تحتاج إلى قدر من السذاجة والامتثال لتضمن التماسك والاستقرار. ومن هنا، فإن الغباء، وإن بدا سلبياً، يؤدي وظيفة إيجابية: امتصاص الصدمات، وتخفيف حدة التوترات، وتسهيل استمرار المؤسسات.
يصوغ أبريلي مجموعة القوانين التي تنظّم هذا العالَم الجديد: الغباء ليس مجرد عجز عن الفهم. إنه قوة فعّالة لها آثار عميقة: الشخص الغبي أو الأبله قد يتخذ قرارات تضر بالآخرين وبنفسه في آن واحد، ومع ذلك يجد مكانه في النظام لأنه لا يشكل خطراً على بنيته.
في المقابل، يواجه الذكي صعوبة في التقدّم، إذ يشكك ويعترض ويقترح بدائل تهدد استقرار المنظومة. وهكذا يتضح أن الذكاء، بقدرته على المعارضة والابتكار، يصبح عنصراً مزعزعاً، بينما الغباء يحمي نفسه بالامتثال ويجد مكاناً آمناً في الهياكل الاجتماعية. هذه القوانين تكشف أن الغباء لم يعد هامشياً. إنه في مركز كل شيء، لأنه يحقق شرطاً واحداً أساسياً: الحفاظ على استمرارية النظام القائم مهما كان الثمن.
لكن هذا الثناء ليس خالياً من التحذير. فحين يصبح الغباء مهيمناً، قد يتحول إلى قوة معيقة، يكرّس الرداءة ويمنع التغيير الضروري. إنه أشبه بآلية دفاعية نافعة في البداية، لكنها تصبح خطراً إذا تحولت إلى قاعدة وحيدة.
الغباء والرقمنة
يربط مؤلف الكتاب بين هذه الفرضية وبين التحولات الرقمية. فالثقافة الرقمية، القائمة على السرعة والاختزال والتواصل الفوري، تكافئ الرسائل السطحية والشعارات المبسّطة على حساب التفكير العميق. وفي بيئة تتحكم فيها الخوارزميات، يصبح الغباء متوافقاً مع الإيقاع السريع، بينما يحتاج الذكاء إلى وقت ومسافة وتأمل، وهي كلها عناصر لا توفّرها المنصات الرقمية. بهذا المعنى، ينظر إلى الغباء استجابة طبيعية لآليات إنتاج المعرفة في العصر الرقمي، لا بوصفه تراجعاً معرفياً فردياً.
الغباء بصفته استجابة طبيعية لآليات إنتاج المعرفة في العصر الرقمي
ويناقش أبريلي في هذا الإطار آفة التضخم الاتصالي الحديث: الجميع يتحدث، والجميع يظن أن لديه ما يقوله. ومع ذلك، كلما كثرت كمية الكلام، بدت السخافة أكثر وضوحاً.
الإنترنت يعجّ بالتفاهات والمهاترات والإهانات التي تتضاعف باستمرار وتبقى مؤرشفة إلى ما لا نهاية. وكأن الصمت، في هذا السياق، هو الدليل الوحيد على الذكاء.
الكتابة فعلاً مقاوماً
يتحوّل كتاب بينو أبريلي في جوهره إلى دعوة لإعادة التفكير في دور الثقافة المكتوبة نفسها. ففي زمن تفرض فيه المنصات الرقمية إيقاعاً سريعاً، وتحوّل المعنى إلى ومضات عابرة تفتقر إلى العمق، تبرز الكتابة التحليلية ـ مثل الكتاب نفسه ـ بوصفها فعلاً مقاوماً. إنها تستعيد قيمة البطء والتأمل، وتمنح القارئ فرصة لاستعادة المسافة النقدية التي تُهملها الخوارزميات. بهذا المعنى، يقدّم أبريلي الكتابة نفسها نوعاً من المقاومة الثقافية ضد التفاهة المعمّمة.
ومن بين أعمق أفكاره النظر إلى الإنسان كائناً متناقضاً بطبيعته: لسنا أذكياء بشكل مطلق ولا أغبياء على نحو دائم. قد يتصرف الفرد بذكاء في مجال، بينما يظهر ساذجاً في مجال آخر.
هذه النسبية تخرج النقاش من ثنائية "الأذكياء في مواجهة الأغبياء" نحو رؤية أكثر تعقيداً ترى الغباء بوصفه حالة اجتماعية متغيرة، وليس صفة ثابتة. عندها يغدو "الذكاء" غير كافٍ وحده لضمان البقاء، بينما "الغباء" لا يعود مرادفاً للانقراض. إنهما وجهان لعملة واحدة: الأول يبتكر ويغيّر، والآخر يحافظ ويثبّت. يقول: "التفكير الذكي مثل عود الثقاب: يشتعل مرة واحدة ويدوم قليلاً. بينما النار (الغباء) قد تستمر أياماً كاملة. فما فائدة الغبي؟ النسخ، والحفظ، والتكرار، والدعم. العبقري يخلق؛ الغبي يحافظ ويكرر. الغباء هو البطارية والمحفوظات للعبقرية البشرية".
ليس هدف كتاب "في مديح جديد للغباء" التبشير بالتفاهة، إنه محاولة لفهم الآليات التي تتحكّم في مجتمعات عصر ما بعد الحداثة، وكيف يمكن للثقافة أن تبحث عن توازن دقيق بين الحاجة إلى الاستقرار من جهة، والتجديد والإبداع من جهة أخرى.