بوعلام صنصال ورواية الذاكرة المضادّة

24 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 29 ديسمبر 2025 - 15:32 (توقيت القدس)
بوعلام صنصال، 9 سبتمبر/أيلول 2005 في باريس، فرنسا (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يتميز بوعلام صنصال بقدرته على إشراك القارئ في قراءة نقدية تتجاوز السطح الظاهر للنصوص، مع التركيز على الميتا-سرد لفهم تشكل الرواية وأسباب كتابتها بأسلوب معين، كما يظهر في أعماله مثل "قسم البرابرة" و"قطار إرلينغن".

- تتناول رواياته مواضيع المحو والاختفاء، كما في "الحرّاكة" و"زنقة داروين"، حيث يتقاطع السرد الذاتي مع التاريخي، مما يعكس تعقيدات الهوية والذاكرة، ويستخدم السرد المركب في "قرية الألماني" للكشف عن إرث ثقيل.

- في "2084: نهاية العالم"، يستكشف صنصال تحول السلطة إلى خطاب مطلق، مستلهماً من جورج أورويل، ويخلق عالماً مغلقاً يعكس مشروعه الروائي الذي يتقاطع فيه الذات والخوف والذاكرة، ويعتبر النقاد أعماله مرافعة لتحرير الخيال من رقابة المقدس السياسي.

مع صدور روايته الأولى، لم ينقطع الجدل حول مضامين أعمال الكاتب الجزائري بوعلام صنصال، التي يرى كثيرون أنها تسيء للثورة الجزائرية، وتنحاز لرؤية غربية في قراءته لتاريخ بلاده، وينسحب الأمر أيضاً على مواقفه السياسية التي اعتقل بسببها في الجزائر قبل الإفراج عنه الشهر الماضي، ويهاجم فيها الجيش الجزائري، وصولاً إلى زيارته إسرائيل ودفاعه عن "ديمقراطية" الاحتلال. هنا محاولة لقراءة محايدة لتجربته السردية.

دخل صنصال عالم الكتابة الروائية بعد حياة مهنية طويلة وخبرات واسعة خارج الحقل الأدبي، وهو ما جعله بمنأى عمّا تسميه الباحثة الفرنسية المختصّة في تحليل الخطاب الروائي وتاريخ اللغات، ليزا رومان، "الشفاه الروائية"، أي ذلك العجز أو التخوّف من قول ما يجب قوله. وترى ليزا رومان في رسالتها "اختبار الخطاب المرجعي في أعمال بوعلام صنصال" (2018) أن كتاباته تشرك القارئ، وتحفّزه على اليقظة وتدفعه إلى التفكير النقدي والانخراط في عملية قراءة لا تكتفي بما يظهر على السطح، ولعلّ هذا ما يؤكده اشتغاله الكبير على الميتا-سرد، أي على اللحظات السردية التي تقف فيها الرواية أمام المرايا لتتأمل طبيعتها الخاصة، كاشفة للقارئ كيف تتشكل، أو لماذا تُكتب بهذه الطريقة أو تلك.

لقد ظلت السمة الأبرز في روايات بوعلام صنصال، منذ روايته الأولى "قسم البرابرة" (1999)، إلى أعماله اللاحقة مثل "الطفل المجنون للشجرة الجوفاء" (2000) و"الحراكة" (2005) و"قرية الألماني" (2008) و"زنقة داروين" (2011) و"2084: نهاية العالم" (2015) و"قطار إرلينغن" (2018)، هي الوقوف عند تخوم عالم منكفئ على هشاشته، ومراقبة التصدعات الكبرى التي تعتري الذاكرة، من خلال التفاصيل البسيطة لشخصيات تبدو عادية في ظاهرها، لكنها محملة، في العمق، بالقلق الوجودي الذي يمنح كتابته طاقة تخريبية وتمردية هادئة. 

فشخصياته، من "آتي" أو "كوم" في "2084" إلى أبناء الحيّ في "زنقة داروين"، ومن الشقيقَين في "قرية الألماني" إلى المرأة التي تختفي في "الحراكة"، هي شخصيات تبحث، عموماً، عن معنى وجودها داخل سحائب كثيفة من الغموض الذي تفرضه السلطة بكل تمظهراتها. فمثلاً، تشتغل روايته "قسم البرابرة" على بنية بوليسية (جريمة قتل) تُخفي في عمقها تشريحاً لمجتمع يختنق ببطء، إذ يقود التحقيق الذي يباشره المحقق العربي بن محمود في جريمة قتل الشاب نور الدين إلى انكشاف طبقات من الأسرار والمخاوف والشكوك وانهيار الثقة (واقعة صغيرة تفتح الباب على عبارات أعمق). هنا تتجلّى إحدى خصائص كتابته: القدرة على الانتقال من اليومي إلى الشامل دون أن يفقد السرد طبيعته الواقعية.

امتداد تخييلي لأعمال جورج أورويل ويفغيني زامياتين

أما في رواية "الحرّاكة"، فيوجه الكاتب نظره إلى ذلك الجرح المفتوح الذي يسمّيه "الهروب الكبير"، إذ تكتشف (لمياء)، طبيبة النساء، امرأة مغربية حامل تختبئ في بيتها (شريفة)، فيبدأ السرد في بناء متواليات من الاحتمالات الهشة حول مصيرها قبل اختفائها الغامض، كأنّ "الهروب" يتحوّل إلى شخصية غير مرئية، وكأنّ شريفة استعارة كبرى لجيل يحاول الهرب من الخراب بأي وسيلة ممكنة. 

هذا الاهتمام بالمحو والاختفاء يحضر، أيضاً، في "زنقة داروين" عبر تتبع السارد (يزيد) لطفولة مغلفة بطبقات من الإبهام والسرية، إذ يتكسر النسب، وتنشطر الهوية، وتتعمق الجراح، وتتشظى الذاكرة، في تقاطع بين السرد الذاتي والسرد التاريخي (الحكايات المدفونة تحت صمت حرب التحرير والاستقلال). أما رواية "قرية الألماني"، فتشكّل منعطفاً مختلفاً، لأنها تبني سرداً مركباً على شكل رسائل ويوميات، يعيد فيه شقيقان (راشيل ومالريش) النظر في إرث أبيهما (هانس شيلر) الذي اعتنق الإسلام واندمج في المجتمع المحلي باسم (الحاج عبد الرحمن)، إذ يكتشفان أنّه يختزن حقيقة لم يكن لهما توقُّعها (الأب يخفي ماضياً ثقيلاً مرتبطاً بجرائم النازية). ليست الرواية عن الماضي بقدر ما هي عن اللحظة التي يسقط فيها اليقين، وعن التمزّق الذي يحدث عندما تجد الذات نفسها أمام تاريخ لا يستطيع أن يتصالح مع صورته. 

يخلق عالماً مغلقاً يقوم على يقينٍ لا يسمح بالشكّ

وفي رواية "قطار إرلينغن"، يذهب صنصال نحو كتابة تعتمد على تعدّد الأصوات، إذ تتناوب المدونات السردية (الرسائل، والشهادات، واليوميات، والسجلّات المكتوبة...) على بناء عالم يتجاذبه الواقعي والفانتازي، من خلال أوتي فون إلبرت (المرأة القروية) التي ترسل رسائل إلى ابنتها في لندن حول "الخدم" الذين يحاولون فرض "إيمانهم" قانوناً للعيش، ومن خلال ليا بوتيي، التي تراسل والدتها الميتة حول الرعب الذي انتاب المدينة. 

وإذا كانت هذه الأعمال كلها تمهّد الطريق نحو "2084: نهاية العالم"، فذلك لأنّ صنصال بلغ فيها ذروة انشغاله بالسؤال: ماذا يحدث عندما تتحول السلطة إلى خطاب مطلق؟ في هذه الرواية الديستوبيا، التي يرى فيها كثير من النقاد امتداداً تخييلياً لأعمال البريطاني جورج أورويل والروسي يفغيني زامياتين، يخلق الكاتب عالماً مغلقاً يقوم على يقين لا يسمح بالشكّ؛ إذ يختبر من خلال شخصية "آتي" الخيط الرفيع الذي ينفصل فيه الفرد عن الجماعة.

بهذا تتضح ملامح مشروع روائي يشبه خريطة واسعة تتقاطع فيها المحاور الكبرى (الذات، والخوف، والذاكرة، والحقيقة، واللغة). فرغم أن رواياته غير متشابهة في البناء، لكنها تشترك في حرارة داخلية تجعلها تتقدم نحو القارئ ببطء، كأنها تريد أن تفتح أمامه مجالاً للتأمل. بل إنّ تتبّع التلقي النقدي لأعماله يشبه الدخول إلى خريطة ذات طبقات متعدّدة، إذ يعتبر الناقد الفرنسي جان بول كولا رواية "قرية الألماني" عملاً "يفجر المسكوت عنه في الذاكرة الأوروبية والجزائرية معاً"، ويرى في لغة صنصال قدرة على "تحريك الرواية من الداخل كما يُحرّك المؤرخ حجراً في مقبرة قديمة فينكشف صدى لم يكن متوقعاً". 

أما الناقدة ناتالي كروازييه، فتميل إلى النظر إلى صنصال بوصفه روائياً "يكتب الفكرة التي تصبح وطناً حين يفشل الوطن". بينما يذهب الناقد ألكسندر فوتران إلى أن صنصال "كاتب يكتب بالمشرط لا بالريشة"، مشيراً إلى أن تشريحه للمجتمع الجزائري لا يأتي من رغبة في الصدام بقدر ما يأتي من إدراك لعمق التشوهات التي ورثتها البلاد منذ الاستقلال. وذهبت دراسة للباحث آلان جوليفيي إلى أنّ صنصال "كاتب ذاكرة مضادة"، لا يثق بالذاكرة الرسمية، ويُدخل التاريخ في منطقة الشك، ويترك القارئ دائماً أمام حقيقة معلّقة. أما الأب لوي بلين، فكتب قراءة لافتة حول "2084: نهاية العالم"، اعتبر فيها أن الرواية ليست استعادة لأورويل بقدر ما هي "مرافعة روائية عن ضرورة تحرير الخيال من رقابة المقدس السياسي".

المساهمون