بمنجاةٍ في الحديقة

02 أكتوبر 2020
الصورة
أنطونيو غالا في أيار/مايو 2007 (Getty)
+ الخط -

"ها أنت واسمي بمنجاةٍ في الحديقة
خارج الزمن لا يطالكما شرُّه"

أبو عبد الله الصغير

 

مِن القليل الذي تعلّمتُه في المدرسة، التي أسّسها سلفي الأوّل، ومِن شيوخي الشيّب الباردين والمزدرين للشباب، شيءٌ واحد هو قاعدة لكلِّ ما عداه: لسنا أحراراً. قدرنا يُقرَن بنا منذ ولادتنا، يُسلَّم لنا، كما يُسلَّم اللوحُ الذي ندرس عليه، في طفولتنا، الحروفَ الأولى وتركيباتها. يُمكن أن يُمحى ما نكتبه عليه، لكنّ اللوح يبقى ثابتاً، ثمّ عندما نتعلّم الكتابة والقراءة، يُهدى إلينا كذكرى فنحتفظ به بحنو وخيلاء طوال الحياة. نصُّ قدرنا مكتوب منذ البداية، الشيء الوحيد الذي نستطيع أن نفعله إذا امتلكنا جرأةً كافية هو أن ننسخه بيدنا وخطّنا، بمعنى أن نؤدّي الخط الذي علّمنا إياه أحدٌ ما.

مِن جهتي أستطيع أن أقسم أنّني ما اخترتُ قطُّ إلّا ما هو ثانوي أو عرضي: طعام، لون، طريقة قضاء أمسية. الحرية غير موجودة. نُمثّل دوراً مبتدَعاً ومحدَّداً، لا يضيف أيَّ شيء مفاجئ، وخاصّةً بالنسبة لبقية الممثّلين. لم أكن لألفت انتباه أحد لو لم أكن الابن البكر لأبي الحسن، ملك غرناطة. وأوّلُ ما يتعلّمه الأمير، وليُّ العرش هنا - حتى قبل "أب" أو "أم" - هو: "لن أتنازل عن العرش"، كي يُتقن تكراره بطبيعية منذ اليوم الأوّل لتتويجه. ورغم ذلك، فإنه ليس أكيداً أنَّ التنازل لن يحدُث، حتى في حال أنَّ التتويج يحدث فعلاً.

 ما مِن أحدٍ يتجاوز حيّاً المهمّة التي وُلد من أجلها

نحنُ مختلفون بعضنا عن بعض، وهذا ما يحمل على الاعتقاد بأنّنا أحرار، لكنّنا مصوَّرون مسبقاً، وقراراتنا تنبع من عصارتنا الهضمية وتفكيرنا، أي من معدتنا ودماغنا، غيرِ القابلَين للنقل. يبدو لنا، مثلاً، أنّنا نختار الشخص الذي نحبُّ، ليس صحيحاً، لأنّ الإمكانيات المقدّمة لنا هي - وبصعوبة - اثنتان أو ثلاث. نحن لا نختاره: نُذعن له، فجنسنا، الذي يُحدّد صورتنا إلى جانب المعدة والرأس، هو ناطق آخر. القدرُ هو الذي يحكم، لذلك تراني أحترم وأفهم الذين يمتثلون له دون تمرُّد. هُم الأقرب إلى إدراك السعادة، إذا وُجدت، فأنا لا أعتقد بوجودها: الذين يتحرّكون وينتهون في المكان والاتجاه الذي وُلدوا فيه. لكنّني لا أفهم ولا أحترم الذين يتمرّدون.

أفكّر بالمنصور، الذي حلّ محلّ الأمويّين بالعنف - بطموح من يريد أن يحكم دون أن يكون وُلد على درجات العرش، بطموح المحامي الثرثار المدمّر الذي لا يقف أمام حاجزٍ - الذي قلب صفحات كتاب حياته حين برهن لرعاياه أنه يمكن للازدراء أن يقف في وجه القوّة. القدر مكتوبٌ: والصعوبة تكمن في معرفة قراءته.

هناك مَن - وبينما هم يتطلّعون إلى أن يتجاوزوا قدرهم - يُصبحون مجرَّد سلاحٍ لقدر الآخرين: يَنتصبون سادةَ المصادفة وبقوّة الصراع بدءاً من قدرهم الدهمائي، يتحوّلون إلى منتصبين لما ليس لهم ويلعبون بالشطرنج باسم التاريخ، مطيحين بكل شيء، قطعةً قطعةً حتى يُغرقوا الرقع بالدم. يا للذعر الذي لا رجعة منه حين يتأكّد الإنسان أخيراً، في مدخل مدينة سالمة، ويكتشف، وهو يتصرّف على أنه حرٌّ، أنه مستخدَم! لأنه ما مِن أحدٍ يتجاوز حيّاً المهمّة التي وُلد من أجلها: كل شيء مُسوّىً ومُقاسٌ مسبقاً. وما إن تنتهي مهمّته، حتى يصرعه القوي الوحيد الموجود على الرقعة، التي كان قد أخلاها القدر - قدرُه هو هذه المرّة - بالضربة القاضية. إنَّ الحياة مباراةٌ غير قابلة للاستئناف، ينتهي فيها جميع اللاعبين إلى الخسارة.


* مِن رواية "المخطوط القرمزي: يوميات أبي عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس"، ترجمة: رفعت عطفة، "دار ورد"، 1998

آداب وفنون
التحديثات الحية

المساهمون