استمع إلى الملخص
- يبرز الكتاب السمات الفريدة لجيل الزاي، مثل اعتمادهم على الوسائط البصرية ورفضهم للسلطة التقليدية، مع التأكيد على قدراتهم التكنولوجية المتقدمة وأهمية فهم تطلعاتهم.
- يدعو الكتاب لإعادة النظر في دور المدرسة والبيت، مشددًا على بيداغوجيا تشاركية تعزز الثقة، وتطوير التعليم الذاتي والعمل الجماعي، وتجديد العلاقة بين المدرسة والعائلة.
كرّست بريجيت بروت Brigittte Prot كتابها "جيل Z. لنحرّر الرغبة في التعلم" (منشورات أوديل جاكوب، 2023) لجانب مهم يستأثر باهتمام "جيل زومر" (Génération Zoomer) وآبائهم وأساتذتهم، وهو المتعلّق بالتربية التي أضحت لا تؤدي وظيفتها على الوجه الأحسن في المدارس، بسبب اتساع الهوة بين الأجيال المتعاقبة، وعدم فعالية الطرائق البيداغوجية وتجديدها، وانشغال الشباب - الذين يُنعتون بالسكان الرقميين الأصليين - بما تتناقله الهواتف الذكية التي كرّست في طويتهم الذهنية العمودية (تبادل الخبرات والمعلومات مع أندادهم)، وأبعدتهم عن الطريقة الأفقية التي يؤدي فيها الراشدون دوراً أساسياً بترسيخ القيم التربوية والمبادئ الإنسانية في الناشئة.
ما يميز جيل "الزاي" عن الأجيال السابقة
ينطلق الكتاب من الخلفيات البيداغوجية التي تبنت المقاربة النشيطة (التوليد، المشاركة، البناء، التفاعل) بالقطع مع الأساليب التقليدية (الحفظ، الاستظهار، الشحن، الإلقاء)، والاستناد إلى الخلفيات المعرفية المعاصرة لكل من إدغار موران الذي راهن على معالجة الفكر النسقي المعقد باعتماد المقاربة الشاملة، وكارل روجرز الذي أرسى قواعد التعليم المتمركز على المتعلم لحفزه على تطوير قدراته الشخصية والتصرف من تلقاء ذاته، وإمانويل مونييه الذي راهن على المقاربة الشخْصانيَّة لتوعية المتعلم بمسؤولياته ومهماته داخل الجماعة.
قدم وديد باتا Widded Batat في كتابه "فهمُ جيل "الزاي" وجذبُ اهتمامه 2017" مقارنةً بين الأجيال الثلاثة (جيل X، وجيل Y، وجيل Z)، بالنظر إلى العوامل الآتية: المعتقدات والقيم، والحوافز، واتخاذ القرار، والإنفاق، والتوفير، وأنماط التعلم، والتسويق، والتواصل، والتربية المدرسية، والتدبير والقيادة. ما يميز الجيل الجديد عن الأجيال السالفة هو الميل إلى مباهج الحياة ومتعها، واكتشاف الذات، واعتماد الوسائط البصرية ومتعددة الحواس، والمشاركة والتفاعل مع الأصدقاء. إنه جيل تفاعلي وتوافقي وإبداعي رغم أنه غير مُؤطَّرٍ سياسياً وثقافياً.
يرفض أن يمتثل ويخضع لسلطة وصية كما اعتادت الأجيال السابقة
من السمات التي تميّز الجيل الجديد، في نظر بريجيت بروت، نزوعُه أكثر إلى الصبغة العمودية، لأنه مشغول أكثر بما تروّجه الهواتف الذكية، ومتفاعل مع محتوياتها بانتظام. ولهذا يرفض أن يمتثل ويخضع لسلطة وصيّة كما اعتادت الأجيال السابقة بحرصها على الاستفادة من خبرات الآباء والأساتذة والأسلاف، واستشارتهم في كل شاذة وفاذة لحل مشاكلهم وتوسيع رؤياتهم للعالم. وإن كانت هذه العمودية تتسم في نظر الراشدين بسلبيات لانزياح أبنائهم عن النظم التربوية والقيميَّة السائدة، فهم يقرّون مع ذلك بإيجابياتها لأنهم يستفيدون من خبرات الجيل الجديد لتمكنهم من الخدمات التكنولوجية عن بعد (ما يُصطلح عليه بالعمودية المعكوسة).
فهم حوافز جيل الزاي وتطلعاته
ينبغي - في نظر المؤلفة - فهم حوافز "المواطنين الرقميين الأصليين" ووضعهم، سعياً إلى "تحديد ما يستجيب لمطالبهم الحالية وتطلعاتهم؛ وفي هذا الصدد حرصت المؤلفة في مشروعها على الانطلاق من أسئلة ملائمة، من قبيل: كيف يُمكن أن نساعد التلاميذ على شغل المواقع المناسبة، وتحقيق إمكاناتهم ومؤهلاتهم؟ كيف يمكن تشييد الصرح التربوي لحفزهم على التعلم؟ إن أي مشروع بيداغوجي يراهن على التغيير ينطلق من الحوافز التي اختزلتها المؤلفة في ثلاثة؛ وهي: كل طفل يتوفر على مؤهلات، وقادر على تحمل المسؤولية، ومُهيَّأ لأداء عمل ما. إن الحوافز تعد من العوامل الأساسية في التربية لتفادي إحباط المتعلم ونكوصه من جهة، والسعي إلى تطوير قدراته، وتعزيز ثقته بنفسه، وإعطاء معنى لتعلُّماته، وإعداده لتحمل المسؤوليات في الحياة العامة أو المهنية من جهة ثانية.
تحتاج هذه الحوافز إلى تدبيرها بالطرائق البيداغوجية والتربوية الفعالة بالاعتراف بمؤهلات التلميذ، ومواكبته حتى يخرج من "الكهف ويتحمل حياته بنفسه"، وتشجيعه على التفاعل مع المعرفة بفهمها وتحليلها، واتخاذ موقف منها دون ارتياب أو تَجِلَّة.إعادة النظر في وظيفة المدرسة والبيت بعد انهيار القيم التقليدية.
إعادة النظر في وظيفة المدرسة والبيت بعد انهيار القيم التقليدية
لكل جيل لغته الخاصة التي يتواصل بها محملاً مفرداتها معاني خاصة. وهذا ما فطنت إليه بريجيت بروت عندما كانت تطلب من تلامذتها الاحتفاظ بمفهوم ما وتخزينه. كانت توحي بالاحتفاظ به في ذاكرتهم على غرار مُجايلها، في حين كانوا يقرنون الاحتفاظ بالذاكرة الخارجية؛ الأمر الذي يقتضي فهم لغتهم وطريقتهم في التفكير والعيش بالنظر إلى تغير الإبدال المعرفي من جيل إلى آخر.
مكانة "الرقمي" في حياة الشباب
إن جيل "الزاي" أو "ألفا" هم من مواليد 2010 أو ما قبلها بعقد. "ولدوا في الرقمي وليس معه. الفرق واضح: إن الرقمي مُنِدغمٌ في حياتهم وجزء من كيانهم" (ص 41). ومن ثم يتدخل عنصر جديد في تنشئتهم الاجتماعية بتوجيههم إلى قيم جديدة، وتربيتهم على الخروج عن طاعة الراشدين؛ وهذا ما أدى إلى تغيير جذري في مكانة الراشدين (أكانوا آباء أم مدرسين) داخل المجتمع، وإرباك الأدوار المنوطة بهم، وإلى إعادة النظر في وظيفة المدرسة والبيت بعد انهيار القيم التقليدية، والاحتكام إلى منطق التقلبات: "كل شيء يتقلب، لا شيء مستقر" (ص 44)؛ وفي هذا الصدد بلور عالم الاجتماع زيغمونت باومان Zygmunt Bauman مفهوم "المجتمع السائل" الذي يقصد به مجتمعاتنا الراهنة التي لا تمتثل لضوابط أو قيودٍ محددة، لأنها تعيش تحولات عميقة بسبب انزياحها عن القواعد والمعايير المعتمدة، وانسياقها مع رياح الأزمات التي أدت إلى تفكك الروابط الاجتماعية، وإلى تفاقم مشاعر التوتر وعدم الطمأنينة والأمان، وإلى المطالبة بالحرية اللامحدودة. أصبح الجيل الجديد - وفق ذلك - يعيش في جماعة منحلة استقوت فيها الفردانية والطائفية: كل فرد يراهن أساساً على تحقيق استيهاماته وأحلامه وطموحاته بمعزل عن "المصلحة العامة" و"الحس المشترك"؛ ما التقطه وحلله عالم الاجتماع والمؤرخ بيير روزانفالون Pierre Rosanvallon في كتابه "إعادة بناء المجتمع" بالسعي إلى تنظيم المجتمع (السياسي بالمعنى الإغريقي للكلمة) وفق تصورات جديدة، والبحث عن المعنى المشترك لإعادة بناء الوعي والحس الجماعيين.
مواطن ضعف جيل "الزاي" وقوته
ما يميز الجيل الجديد عن سابقيه هو أنه اتكالي في التعليم بإصراره على المساعدة الفائقة (Surassistance). يعتمد على الراشدين في إعداد التمارين المدرسية، وفي اقتراح المواضيع، وتصحيح التكاليف والواجبات الشخصية. "يعتمد على المساعدة الخارجية للتقدم في عمله.. لا ينجز العمل لوحده، لا يعرف ما يسعفه على النجاح لوحده، يعيش حالة صعبة" (ص 141)؛ لذا تقترح المؤلفة تعزيز قدراته بالتعليم الذاتي (تعلم التعلم) سعياً إلى اكتساب معارف جديدة، وتطوير قدراته، وتنظيم زمنه، وحسن التموقع في الأمكنة التي يوجد فيها.
ما يميزه أيضاً هو حرصه على العمل الجماعي في الفضاءات الخارجية (المقاهي، الحدائق العمومية، المكتبات)، وتطلعه إلى العيش والعمل المشتركين. أضحت المشاركة بالنسبة له (ما يقترن بالسابقة Co) نموذجاً للتعاون وتبادل المعلومات والخبرات. عانى الأمرّين من جائحة كورونا بسبب الحجر الذي فُرض عليه. وبعد انفراج الوضع الصحي وجد في المشاركة بلسماً للتعافي من الاضطرابات والقلاقل النفسية التي ألمّت به، ووسيلة لتعزيز العمل في إطار الفريق. "إن منطق الفريق هو من اختصاص هذا الجيل" (ص 147) لأنه ميّال بطبعه إلى كل ما يعزز العمل الجماعي والتكتل حرصاً على تبادل المعلومات بين الأنداد، وتطوير قدراتهم ومؤهلاتهم الشخصية، وتفجير مواهبهم في الخلق والإبداعية. "هذا الجيل مدعوّ إلى المشاركة في حركة مجددة" (هذه العبارة مأخوذة من كتاب "لنَحُلَّ في مكانه" لكلير ماران Claire Marin للاستفادة من الثقافة العامة، وأداء المهمات المختلفة في الوقت نفسه (Multitâches).
يشعر المتعلم بأن عبارة "المتعلم في قلب التعليم" هي مجرد شعار وخرافة لا يمتّان إلى الحقيقة بأي صلة؛ ما دام المدرس متحكماً في العملية التعليمية، ومديراً رحاها بإملاء الدروس، وتلقين المعلومات، غير عابئ بردود فعل تلامذته، أكانت إيجابية أم سلبية. وهم - وفق ذلك - يُهمَّشون، ولا يُؤخذ برأيهم. "أقترح بأن يصبحوا قوة اقتراحيَّة بالإصغاء إليهم، عوض شحن أدمغتهم بمعلومات قد تكون متقادمة أو غير مفيدة بالنسبة لهم" (ص 148).
بيداغوجيا ذات أهداف إنسانية وتشاركية
تدافع الكاتبة عن بيداغوجيا تشارُكيّة حيّة ومعززة للثقة تراعي ما يلي: يحتاج تلاميذ الجيل الحالي أكثر من أي جيل سابق إلى المواكبة حرصاً على فهم حاجاتهم ومتطلباتهم وتوقعاتهم، وتصحيح الاختلالات التي عانوا وما فتئوا يعانون منها جراء منغصات الحجر الصحي، واستعمال طرائق التوجيه الفعالة لتلبية رغباتهم وميولهم، وحفزهم على استعادة ثقتهم في أنفسهم بالتوقف مليّاً عند تردادهم لهذه العبارة المقلقة. "ما نتعلّمه لا يصلح إلى أي شيء".
تقتضي المواكبة مساعدتهم على القطع مع ماضيهم التعليمي، وتطوير قدراتهم في الحاضر، واستشراف المستقبل، واستعمال طريقة مكيفة ومخصصة تساير نموهم عبر المراحل أو بالتدريج (درج بعد درج) لتعرُّف مكامن تعثرهم وقوتهم، وتشجيعهم على الاستعانة بقدراتهم ومؤهلاتهم لاكتساب مهارات جديدة في الحياة. إن بيداغوجيا "الخطوات الصغيرة" مفيدة لهم لانتقاء المعلومات المناسبة وتركيبها قصد الوصول إلى الجوهري والأساسي. ومع ذلك، يجدون أنفسهم مضطرين - بحكم نظام التقويم المتبع - إلى استنفار جهودهم كلها للمراقبة المستمرة والامتحانات سعياً إلى الحصول على علامات ومعدلات جيدة.
من مفاتيح البيداغوجيا التشاركية تجديدُ العلاقة بين المدرسة والعائلة، وبثّ الروح فيها من جديد. يشعر التلاميذ أحياناً باتساع الهوة بين مواقع آبائهم ومواقع أساتذتهم. ويشعرون بالخوف من أساتذتهم لانعدام التواصل والحوار بينهم، ولعدم ثقة الراشدين في مؤهلاتهم. ما يعمق الهوة بين الطرفين هو أن الإعلام يروّج صوراً مثالية عن الآباء (الأب المثالي) والأساتذة (الأستاذ الممتاز)، ويدعم سوء التواصل بينهما (يشتكي الآباء والمدرسون من ضعف أداء المتعلمين، وهؤلاء بدورهم يشتكون من توقع الراشدين المستحيل من أدائهم)، واضطرار بعض المدرسين إلى خلط الأدوار والأوراق لصعوبة الرهان (دور المدرسة هو التعليم وليس التربية)، وتحميل المجتمع مسؤوليات جساماً للمدرسة (المجتمع ينتظر أشياء كثيرة من المدرسة، وأي إخفاق يحدث مرده ضعف أداء المدرسة). إن هذه الوضع الزَّريّ يحتاج إلى تعاقد ثلاثي (الآباء، والمدرسون، والتلاميذ) لتقويم النتائج، وحل المشاكل المعقّدة، واقتراح حلول ناجعة لملء الفراغ المهول. وتكتب: "بعيداً عن المخاوف والأحكام المتسرعة التي تلوث العلاقة المعقدة أصلاً بين المدرسة والأسرة، ننشد أخيراً تربية تشاركية فعلية، وحية، ومعززة للثقة" (ص 250).
إن الوضع الحالي يقتضي قلب المعادلة بين العمودية الإبلاغية (Verticalité transmissive) والأفقية التفاوضية (Horizontalité)، حرصاً على ملء الفراغ التربوي المهول، وتفادي شحن أفئدة الشباب وأدمغتهم بمعلومات تؤثر سلباً في هويتهم وشخصياتهم وأصولهم وانتماءاتهم، وسعياً إلى تعزيز قدراتهم التفاوضية على حل مشاكلهم وتنمية قدراتهم، وعلى ربط الخلف بالسلف. ما يحز في نفس المؤلفة أن التفاوض يقترن لدى الشباب بـ"تحدي قواعد التراتبية، والتوجه مباشرة إلى رئيس الشركة أو مديرها لإثارة قضايا معه لا تعنيهم، مثل استعمال الزمن. عندما يريدون شيئاً ما، لا يُغمض لهم جفنٌ إلا بعد إحرازه" (ص 109).
* ناقد مغربي