بثينة العيسى في "حديث الألف": التفكير الداجن أخطر من الرقابة

09 يناير 2026   |  آخر تحديث: 09:18 (توقيت القدس)
الروائية بثينة العيسى في الندوة (حسين بيضون/ العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بثينة العيسى تدعو لإعادة اختراع اللغة والكتابة بعد السابع من أكتوبر، مؤكدة على ضرورة أن تكون الكتابة مشروعًا طويل الأمد وليس مجرد رد فعل، مع التركيز على التفكير النقدي ورفض الأفكار المتواترة.

- تستكشف العيسى في رواياتها العلاقة المعقدة مع الوطن والهوية، مشيرة إلى أن الانتماء يجب أن يكون مشروطًا بالكرامة، وتنتقد السرديات الوطنية الجاهزة التي لا تعبر عن المواطنة الحقيقية.

- تنتقد العيسى كتب "تطوير الذات" وتعتبرها خادمة للنظام، مشددة على أهمية النصوص التي تفتح باب التأويل، كما في "السندباد الأعمى"، وتعبّر عن دهشتها من قدرة الرقيب على قراءة الكتب دون تأثر.

في لحظة يبدو فيها العالم وقد فقد المعايير التي تختبر المعاني البسيطة لقيم الإنسان الحقوقية والجمالية، تعود الكتابة إلى سؤالها الأول: ماذا يعني أن نُسمّي الأشياء، وأن نتحمل تبعات هذا؟ بعد السابع من أكتوبر، كما تقول الروائية الكويتية بثينة العيسى، لم يعد ممكناً الاتكاء على اللغة القديمة، ولا على يقينيات أخلاقية جاهزة. دائماً هناك ما لا يجوز السماح به وفق ما تنافح عنه الكاتبة دائماً، ألا وهو التفكير الداجن.

في اللقاء الشهري من ندوة "حديث الألف" الذي أقيم أول أمس الأربعاء في الدوحة برعاية فضاءات ميديا، وعلى مدار ساعتين بدت فيهما الضيفة جاهزة في كل لحظة لطرح ما تسميها "أسئلة غير مريحة"، في إجابتها عن أسئلة محاورتها الكاتبة هالة كوثراني.

نص منطوق

ربما يحالف التوفيق بعض النصوص كيما تصبح منطوقة، ومثل هذا الحظ متوافر في المقاطع التي سمعناها. لماذا يميز هذا المنحى نصوصها؟ لأن الكاتبة لا تطمئن إلى العبارة إن لم تكن مؤدية غرضاً إيقاعياً مكتفياً بذاته ومشتبكاً بخيط السيرورة السردية. كما تعبّر في هذين الاستهلالين بأداء الفنان المسرحي والمذيع في تلفزيون العربي رشيد ملحس، الأول من رواية "دار خولة" (2024)، "الأمر الذي تكرهه خولة أكثر من الشيخوخة هو التّصابي، والأمر الذي تكرهه أكثر من التصابي هو أميركا".

من رواية "السندباد الأعمى" (2023) "في ذلك اليوم، عندما كان جيش الاحتلال يتوغل في ضواحي البلاد معلناً امتلاكه البحر والأرض والسماء (..) فوجئ نزلاء السجن المركزي وحدهم بالحرية".

الأسماء الأولى

واللغة بما هي أسماء تضع التسمية في لحظة التأسيس الأولى للإنسان قبل أن تفتح آفاقاً جديدة للتعبير، فإن أبسط ما تدافع عنه بثينة العيسى هو الفكرة الفلسطينية، لا بوصفها تخصّ فقط شعباً وأرضاً، بل لأنها أصبحت امتحاناً كونياً للعدالة والحرية، يمكن ترجمته إلى أي لغة في العالم بسهولة.

قالت إن كل شيء "فرغ بالكامل" بعد السابع من أكتوبر، وإننا مطالبون بإعادة اختراع اللغة نفسها. تساءلت عما يعنيه أن نكون كُتّاباً بعد هذه اللحظة، مؤكدة أن الإبادة يجب أن تترك أثرها العميق في مشروع الكتابة، كما ترك الهولوكوست أثره في الثقافة الغربية، لا عبر استعجال انفعالي، وإنما مشروع كتابة طويل النفس.

بعد السابع من أكتوبر، مطالبون بإعادة اختراع اللغة نفسها

الإبادة تفرض أثرها، كما مضت، والكاتب مطالب بأن يعيد اختراع أدواته، لا أن يكتب انفعالاً سريعاً ولا خطاباً صاخباً.

بـ"الشغف" ذاته في "البوح" بالأفكار وتحويلها إلى مجال عصف نقاشي انتقلت العيسى إلى علاقتها بالكتابة، رافضة الأفكار المتواترة التي تكتسي ثباتها ومن ثم قدسيتها أحياناً بسبب تقادمها، مثل "الوطن" الذي نضعه هنا بين مزدوجين، كما نضع كلمتي "الشغف والبوح"، اللتين لا تطيقهما الكاتبة.

إحدى رواياتها صدرت في طبعات كثيرة، لكن العيسى تتحفظ على ازدهارها ونجاحها الجماهيري مقابل الأعمال الأخرى التي بدأت تدرك فيها الأرض التي تقف عليها وتتأمل السرد بوصفه بنياناً يعج بالأفكار الصغرى والكبرى من دون ضجيج.

تجري محدقة في عالم "نيو ليبرالي عنصري، يحتمي بشعارات الصوابية السياسية" ثم يسمح بالاتجار بالبشر وبالأعضاء البشرية، لا بل يتغاضى عن شواهد واضحة عن نهب أعضاء الشهداء والأسرى الفلسطينيين.

العلاقة مع الوطن

في حديثها عن رواية "كل الأشياء" (2016)، رأت أنها محاولتها الشخصية لتسمية ما يصعب تسميته. تساءلت عما جرى في بلدها عام 2011: هل كان تحرراً أم انتحاراً جماعياً؟

قالت إن حظ الكتابة أن الأشياء تحتمل أكثر من اسم. توقفت عند الصراع بين جيلين، مُمثلَين باللون البرتقالي لجيل يريد التغيير، والأزرق لجيل يرى هذا الاندفاع سذاجة. رأت أن التحول القسري قد يجعل الابن نسخة عن أبيه، في علاقة معقدة لا تُختزل في موقف سياسي واحد.

استعادت العيسى علاقتها بمفهوم الوطن، قائلة إن فهمها له تغير جذرياً بعد عام 1990، أي بعد الغزو العراقي لبلادها. كانت في التاسعة من عمرها حين رأت الدبابات، وعاشت الشهور السبعة من الاحتلال، في مدينة الخُبر السعودية، ثم أربعة شهور إضافية بانتظار انضباط الأوضاع وإمكانية العيش بعد التحرير.

فجأة وجدت نفسها في عقد التسعينيات مشبعة بسرديات وطنية جاهزة، مشيرة إلى الكثير من الكتابات التي كُتبت بعد الغزو كانت مستعجلة وتقوم على شيطنة الآخر، وتعلي من العبارات الإنشائية التي تحكي عن وطن مجرد لا عن مواطنة.

الكتب التي تتحدث عن "تطوير الذات" ووصفات السعادة تخدم النظام

ما بات جزءاً صلباً من وعيها ربط الانتماء بشرط الكرامة، فصارت المواطنة فعل حب مسؤول لا مجرد هوية. وعليه فإن البنت التي كبرت وغدت كاتبة تتحدث عن ميلها إلى الرواية المركبة التي تترك مساحة للتأويل. في أعمالها اللاحقة، ومنها "حارس سطح العالم" (2019) و"السندباد الأعمى"، توقفت عند قمع الخيال، وعند خوف السلطة من التأويل.

قالت في واحدة من مزحاتها إن الكتب التي تتحدث عن "تطوير الذات" ووصفات السعادة، تخدم النظام، أي نظام عربي، وإن الخوف الحقيقي يأتي من النص الذي يفتح باب القراءة على احتمالات متعددة.

في السياق، تحدثت عن دهشتها الشخصية من قدرة الرقيب على قراءة كل هذه الكتب من دون أن تتصدع مناعته، وهو سؤال دفعها إلى كتابة "حارس سطح العالم" بوصفها تحية لمتون بعينها، واشتباكاً مع عالم يشبه نصوصاً كتبت تصاعدياً، وبالمصادفة كانت هذه المتون أجنبية غالباً.

المساهمون