بانوراما المشهد البصري في القاهرة... جولة في المعارض

13 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 19:06 (توقيت القدس)
الفنان مصطفى سليم أمام أحد أعماله (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد القاهرة نشاطاً فنياً مكثفاً من خلال معارض تستكشف الهشاشة اليومية، وتستعيد الحداثة المصرية، وتقدم تأملات في الحياة اليومية، مما يعكس حيوية المشهد الفني رغم التحديات.
- في غاليري مشربية، يعرض عمرو هيبة لوحات تركز على الهشاشة اليومية باللون الأزرق، بينما يعيد غاليري سفر خان إحياء ذكرى صلاح عبد الكريم وأسلوبه في "النحت من الفراغ" باستخدام الخردة المعدنية.
- في غاليري بيكاسو، يحتفي فريد فاضل بالاجتماعات اليومية بأسلوب دافئ، وتعرض أسماء سامي لوحات تعكس الفوضى الداخلية، بينما يركز مصطفى سليم في فيلا آزاد على الإنسان العادي في لحظاته اليومية.

لا تبدو القاهرة في هذه الأسابيع مدينة تُقارب نهايات العام بفتور، بل كأنها مدينة تعيد تنظيم نبضها الفني عبر سلسلة معارض تتوزع على مساحات العرض بها، مقدّمة بانوراما واسعة للمشهد البصري، وللانشغالات التي تحكم مخيّلة الفنانين اليوم، من الهشاشة اليومية التي تتكثف في غرف شبه فارغة، إلى استعادة الحداثة المصرية عبر أحد رموزها الأكثر فرادة، مروراً بلحظات الاجتماع الإنساني البسيطة، وتأملات الداخل، وانتهاءً بمشاهد الحياة التي تُعيد تعريف معنى البقاء. جولة سريعة بين مساحات العرض في هذه المدينة تُظهر كيفَ يتجاور الفنانون عبر مسارات تكشف اختلاف التصوّرات وطرائق النظر، وتمنح القارئ صورة بانورامية لحيوية المشهد رغم كل ما يمرّ به.

عمرو هيبة

في معرضه المقام حالياً في غاليري مشربية بوسط القاهرة، يواصل عمرو هيبة بناء عالمه البصري القائم على التقاط الهشاشة اليومية وتحويلها إلى مشاهد مُكثّفة بالمشاعر والرموز. لا يقدّم الفنان لوحات تُحاكي الواقع بقدر ما يستدعي أثره، في مساحات داخلية يغلب عليها الأزرق، ذلك اللون الذي يتحوّل في لوحاته إلى حالة مزاجية أكثر منه خلفية لونية.

في هذا المعرض الذي يحمل عنوان "عندما تتنفس الجدران اللون الأزرق" تظهر الغرف شبه الفارغة كفضاءات مُعلّقة بين الداخل واللامكان، غرف بلا امتلاء لكنها ليست خالية تماماً؛ فهي تحتفظ ببقايا حضور إنساني يتردّد في الجدران والظلال. وسط هذا الهدوء المشوب بالقلق، يقدّم هيبة جسداً ملفوفاً بضمادات أشبه بمومياء؛ ليس بوصفه رمزاً للموت، بل بصفته وجوداً معلّقاً بين ظهور واكتمال، وكائناً يبدو مؤجلاً؛ لأن حياته نفسها تبدو معلّقة في طور غير محسوم، يقاوم الزوال ويبحث عن زمن يناسب حضوره.

من أعمال الفنان عمرو هيبة (العربي الجديد)
من أعمال الفنان عمرو هيبة (العربي الجديد)

إلى جوار الجسد، يظهر القطّ عنصراً بصرياً لا يقل أهمية؛ ليس بوصفه كائناً منزلياً بريئاً، بل بصفته شاهداً صامتاً يراقب المشهد من زاوية اللوحة، كأنه الحارس العارف بأسرار المكان. اختيار القط ليس اعتباطياً؛ فهذا الكائن يعود كثيراً في أعمال هيبة، بوصفه عيناً بديلة ترصد ما يتخفّى وراء الصمت، كما يحمل في الثقافة البصرية دور المراقب الذي يتحرك بين العوالم بلا ضجيج.

أسلوب هيبة، بخطوطه المرتعشة ومساحاته المفتوحة، يمنح اللوحات طابعاً يشبه المذكرات البصرية؛ ضربات سريعة تحتفظ بطزاجة اللحظة، لكنها مشبعة بذاكرة بعيدة. الإسكندرية، حتّى وإن غابت عن المشهد المباشر، تحضر في الأزرق، وفي الضوء، وفي المزاج الذي يُذكّر بهوائها الرطب. إنّ ما يقدّمه عمرو هيبة هنا هو محاولة لالتقاط العلاقات الخفية بين العزلة والحنين، بين المشهد العابر والرمز العالق، في صياغة فنية تزداد صفاءً مع كل محاولة جديدة للنظر.

صلاح عبد الكريم

إذا ما توغلنا غرب المدينة نحو حي الزمالك، يطالعنا غاليري سفر خان الذي يعيد عبر معرض مئوية صلاح عبد الكريم تسليط الضوء على واحد من أبرز الفنانين الحداثيين في مصر. المعرض الذي انتهى في العاشر من الشهر الجاري، ضم أعمالاً أصلية، ومقتنيات شخصية، وصوراً وموادّ أرشيفية تُعرض للمرة الأولى. هذه الأعمال لا تقدّم الفنان تاريخاً مكتملاً، بل بوصفه حواراً ممتداً مع الحداثة نفسها، باعتباره أحد الفنانين القلائل الذين جمعوا بين الرسم والنحت والخزف والموزاييك والسينوغرافيا والكاريكاتير.

في تجربة صلاح عبد الكريم كان النحت يمثّل الذروة الحقيقية لإبداعه، وهنا يبرز أسلوبه الفريد الذي سماه "النحت من الفراغ"، وهو اتجاه يقوم على التعامل مع الهواء والمسافات الخالية جزءاً من التكوين نفسه؛ فكأن الفنان يشكّل الكتلة عبر ما يحيط بها لا عبر امتلائها. يستخدم عبد الكريم الخردة المعدنية ليعيد ترتيبها في بنى مفتوحة تتيح للضوء والهواء أن يصبحا عنصرَين بنائيَين داخل العمل، بحيث يتحول الفراغ من مساحة محايدة إلى حضور فاعل يشبه الروح داخل الجسد المعدني.

كان هذا الاتجاه في زمن عبد الكريم صادماً؛ فقد كان النحت المصري، مثل غيره في المنطقة، ينحاز إلى الامتلاء والكتلة الثقيلة. بينما يقدّم عبد الكريم رؤية تستثمر النقصان لا بوصفه عيباً، بل قيمةٌ جمالية. وهو بذلك يقدّم انعطافة مهمة في تاريخ الحداثة المصرية، تتحرر من الأكاديمية، لكنها لا تقطع صلتها بالتراث القديم. بالعكس، علاقة عبد الكريم بالفن المصري القديم كانت علاقة تأمل في الإنسان لا استعادة شكلية؛ فإذا كان الفن الفرعوني احتفى بالكمال والكتلة المكتملة، فإن عبد الكريم ينحاز إلى ما ينقص ويتآكل ويتحوّل، بوصفه امتداداً لرؤية ترى التاريخ مادة حيّة قابلة لإعادة الفهم والتشكيل، لا نموذجاً مغلقاً يجب تكراره.

مشاهد الاجتماع والملاذات الشخصية

على بُعد خطوات من سفر خان، يعود الفنان فريد فاضل بمعرض جديد في غاليري بيكاسو تحت عنوان "لَمّة حلوة"، وهو عنوان يستعيد كلمة شديدة المحلية، لكنها قادرة على حمل دلالة وجدانية واسعة. في هذا المعرض المستمر حتى الثالث من الشهر الجاري، يقدم فاضل مشاهد من الاجتماع اليومي للناس في أماكن مختلفة، لقاءات على مصطبة، تحيات صباحية، زيارات عائلية، جلسات بين أصدقاء، أطفال ينظرون ببراءة، ورجال يحملون ملامح التعب الخفيف الذي يرافق يومهم الطويل. كل ذلك يُصاغ عبر أسلوب فاضل الواقعي الذي يعتمد على دقة الملاحظة ودفء اللون، وهو أسلوب بات جزءاً أساسياً من شعبيته على مدى عقود.

الفنان فريد فاضل (العربي الجديد)
الفنان فريد فاضل (العربي الجديد)

السيرة الطويلة لفاضل، التي تضمّ أكثر من سبعين معرضاً في مصر والخارج، تترك أثرها في كل لوحة. هناك خبرة تشبه دقّة الطبيب في التقاط ما وراء الملامح؛ فالفنان، كطبيب عيون سابق، يمتلك حساسية عالية تجاه النظرة البشرية، تجاه ما تقوله العين، وتجاه ما يحرّض الذاكرة، كما يضيف حضوره في الموسيقى والغناء والكتابة طبقة أخرى إلى تجربته؛ إذ تُشعر المشاهد بأن اللوحات ليست مجرّد تسجيل بصري، بل هي جزء من مشروع حياتي متعدد الوسائط. في "لَمّة حلوة"، يتجاوز المعرض مجرد الاحتفاء بالاجتماع، ليصبح دفاعاً بصرياً عن القيم التي تمنح العلاقات معناها الحقيقي، في زمن يزداد فيه الشعور بالعزلة رغم كل مظاهر التواصل.

في غاليري بيكاسو أيضاً، تحتضن مساحة العرض الأخرى معرضاً للفنانة أسماء سامي تحت عنوان "ظل الأخضر"، والذي ينحاز كما يبدو من عنوانه إلى منطقة شعرية. فليس المقصود هنا الاحتفاء بالطبيعة، بل اللجوء إلى اللون باعتباره مساحة آمنة؛ إذ يتحول الأخضر في هذه الأعمال إلى ملاذ بصري يُخفّف من قلق الشخصيات ويمنحها شيئاً من السكون. يظهر اللون كظل أو أثر باهت لذكرى قريبة، غلالة رقيقة تحيط بالنساء في لحظات تفكير أو عبور، وتربط بين حضورهنّ وبين المكان كأنها طبقة حماية رمزية تولد من داخل التجربة نفسها.

من أعمال الفنانة أسماء سامي (العربي الجديد)
من أعمال الفنانة أسماء سامي (العربي الجديد)

أكثر ما يميز المعرض هو هذا الشعور بأن الفنانة تحاول ترتيب الفوضى الداخلية، لا عبر محوها، بل عبر منحها شكلاً بصرياً قابلاً للتأمل. تظهر هذه الفوضى في الطبقات اللونية المتراكبة التي تبني العمل تدريجياً، وفي اللمسات الشفيفة التي تترك آثارها على السطح من دون أن تُخفي ما تحتها. تتجاور ضربات اللون الهادئة مع مناطق أكثر اضطراباً، ما يجعل اللوحة تبدو كعملية فرز بصري للمشاعر، تحاول فيها الفنانة تهدئة ما يتصاعد من الداخل عبر إعادة توزيعه داخل التكوين.

معارض عن اللحظات الإنسانية وتأملات الداخل ومشاهد الحياة

تُختتم الجولة بمعرض "الباقون" للفنان مصطفى سليم الذي احتضنته فيلا آزاد في حي الزمالك. هنا لا وجود للرموز الثقيلة؛ بل عودة إلى الإنسان العادي في يومه البسيط. تزخر الأعمال بالعديد من العلاقات البصرية والشخصيات، صيادون على الشاطئ، ورجال في مقهى شعبي، ونساء يمارسن أعمالهنّ المنزلية، أو عمال يسيرون في طرقات مألوفة.

من أعمال الفنان مصطفي سليم (العربي الجديد)
من أعمال الفنان مصطفى سليم (العربي الجديد)

 

يعتمد سليم على ألوان ترابية تمنح اللوحات دفئها وصدقها، أما ضربات فرشاته الكثيفة فتخلق حركة داخلية، بينما الوجوه تبقى بلا ملامح دقيقة، لكنها تملك حضوراً قوياً يكفي لخلق علاقة مع المشاهد. هناك رغبة واضحة في هذه الأعمال في التقاط معنى الاستمرار؛ فالبقاء هنا ليس حدثاً، بل هو فعل يومي متكرر، لكنّه ضروري. المعرض يقدّم الإنسان كما هو، بلا بطولات، وبلا دراما زائدة، وبلا أي رغبة في تجميل الواقع. هذه الصراحة البسيطة تمنح الأعمال قوة إضافية، وتضعها في سياق اجتماعي وفني معاً.

المساهمون