باسم خندقجي (5): الأسرى... أجسادٌ في الباحة وأرواحٌ في البيوت
استمع إلى الملخص
- يحاول الأسرى التكيف مع ظروفهم القاسية من خلال التقارب الجسدي والهمس، متحدين أوامر السجان، مما يعزز من آمالهم في التحرر ويحافظ على روابطهم الإنسانية.
- الخيال يمثل ملاذ الأسرى، حيث يتخيلون أنفسهم في مواقف دافئة، مما يمنحهم القوة لمواجهة واقعهم المرير ويُبقي شعلة الأمل والحرية متقدة.
في القرن الحادي والعشرين ونيف من الذكاء الصناعي، وفي شتاء الإبادة الجماعية بحق غزّة، وفي فجوة زمنية ومكانية ابتلعت كافة القيم الإنسانية، هذا ما حدث ويحدث وسيحدث. إنه السجن، وهذه هي الباحة الضيقة التي تُحشر بها أجساد الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاستعمار الصهيوني، والآن في هذه اللحظة التي أمتلك أنا فيها زمام الفعل المضارع، يتجول الأسرى في أوج البرد الاستعماري القارس رغماً عنهم ويدورون في الباحة مع عقارب الساعة التي تلدغهم وتسلب منهم إرادتهم الساعية نحو الانسلال رجوعاً إلى زنازينهم للبحث عن قليل من الدفء، قد توفره لهم الأغطية المهترئة البالية، إلا أن السجان المنهمك داخل غرفة التحكم المطلّة على الباحة في ممارسة كل ما يكفل له تعزيز سطوته وسيطرته على هذه الأجساد، يرفض توجيه الأمر القاضي بانتهاء وقت التجول وعودة الأسرى إلى زنازينهم. إذ يراهم الآن من وراء زجاج المرآة العاكس، يراهم ولا يرونه هم... يراقب حركتهم البطيئة المثقلة بالبرد والجوع والتعب والإعياء، وإذا ما توقف أسير ما عن الحركة، يزعق عبر مكبر الصوت المعدني لنهرِه، وتهديده بعقوبة قاسية إذا لم يستأنف السير والدوران داخل الفجوة الزمنية والمكانية.
ماذا يرى السجان المستغرق في دفئه وطمأنينته وطعامه وشرابه، وكاميرات وشاشات المراقبة وأدوات القمع ومكبر الصوت؟ إنه لا يراهم، ليس ثمة عيب أو خلل معين في عينيه، بل في رؤية محددة ترعرع عليها، ألا وهي أن هؤلاء الذين يتجولون في الباحة الآن ليسوا من بني الإنسان، بل حيوانات بشرية لا تستحق أدنى شكل من أشكال الرحمة والتعاطف، وبالتالي ليس هناك أي مانع أو رادع أخلاقي يحدّ من إرادة السجان الرامية إلى مزيد من التنكيل والتعذيب الصقيعي بحقهم. فما الذي يرونه؟
يتجول الأسرى في أوج البرد الاستعماري القارس رغماً عنهم
هؤلاء الهائمون في آلامهم، ومعاناتهم، يحثّون الخطى في الباحة حيناً وفي حين آخر يبطئون من حراكهم، تائهين ما بين برد يلسعهم ويجلدهم ليُسرعوا في خطاهم بحثاً عن الدفء، وجوعٍ يتشبث بهم ويتعربشهم مطالباً بحزم بضرورة المشي البطيء، لأنه ما من طاقة في الأجساد الخاوية أمعاؤها على التجول والمشي السريع، ومنهم من ينظر ناحية زجاج وباب غرفة التحكم لعل السجان ينطق أو ينبعث منها ليأمرهم بالعودة إلى زنازينهم، ومنهم أيضاً من يرفض النظر ناحية غرفة التحكّم، مفضلاً التحديق أثناء مشيه في سماء رمادية ملبدة بغيم وأسلاك وجسور حديدية شائكة، لعل التحديق يُسهم في انتزاعه من تنكيل البرد بجسده، ويمنحه التخيل المحبّذ في هذه اللحظة شيئاً من الدفء.
ولكن الدفء بات هو الآخر خصماً عنيداً وماكراً لهذه الأجساد، ويرفض مسّهم بشيء منه. يشرع الأسرى بالتقارب من بعضهم البعض، ويتراصون، لعل الأجساد بتلاصقها تتشارك القليل من الدفء، فيصرخ السجان بكل ما أوتي من صوت معدني بارد:
- ابتعدوا عن بعضكم البعض أيها الملاعين ولا تتجولوا جماعاتٍ بل فرادى. هيّا...
يبدأ الأسرى بالتململ والاستجابة ببطء لأمر السجان. يتجولون مرة أخرى فرادى، ولكنهم قريبون من بعضهم البعض رغم أنف السجان. لأن الباحة ضيقة، والدوران ما يزال مستمراً بإيقاعه البطيء، ومن خلاله يعزم الأسرى على التواصل في ما بينهم بالهمس والإشارات الخفية متحايلين على السجان وكاميرات مراقبته الفاشية، ليطلقوا تعليقاتهم وأحاديثهم وتنهيداتهم المثقلة بآمال التحرر، وهذا ما سيسمح للأحاديث الهامسة بمنح شيءٍ من الحميمية الدافئة للأسرى، واستعادتهم لإنسانيتهم رغم السعي المخيف للسجان نحو تفكيك ومحو هذه الإنسانية.
ما من عيب أو خلل معين في عينيه بل في رؤية محددة ترعرع عليها
وحده الكلام يمنحهم الدفء وإن كان دفئاً متخيلاً، فالكلمات والحكايات ما هي إلا رقص هادئ ما بين الواقع والخيال، غير أن الأسرى في هذه اللحظات لا يفضلون سوى الخيال على الواقع، فمنهم من يتخيل نفسه يتجول في شارع مُعدّ من الأشجار الوارفة وطقوس الحب، يتجول مع حبيبته مستمداً منها الدفء والأمل والحياة، ومنهم من يتخيل أنه يوقظ الآن طفلته وطفله لكي يستعدا للذهاب إلى المدرسة وقد يصل الإمعان بالتخيل لدرجة معاتبة الأسير لزوجته معاتبة صباحية مفادها "سيتأخر الطفلان على مدرستهما لأنك سهوت عن إيقاظهما باكراً". ومنهم أيضاً من يتخيّل نفسه وهو جالس في بيت أسرته برفقة أبيه وأمه وإخوته إما لتناول طعام الغداء، أو شرب كوب شاي دافئ أو قليل من القهوة، وهكذا إلى أن يشرع الدفء بالتسلل إلى أوصالهم، وتبدأ الباحة بالتحول من مساحة للدوران، إلى ركن مُعد من الأمل والإرادة والخيال، والأهم من هذا هو فشل السجان رغم كل سياسات القمع والتعذيب الصقيعية في الاستحواذ على خيال الأسرى، إذ إنه قادر على احتجاز أجسادهم وتحطيمها، ولكنه عاجز عن اختراق وعيهم والحدّ من قدرتهم على التخيل، تخيل الحياة والحرية والحب والدفء... المزيد من الدفء.
* روائي فلسطيني