الوافد الجديد

01 مارس 2025   |  آخر تحديث: 02:39 (توقيت القدس)
فتى يحمل روايات مُنعت في عهد النظام البائد، دمشق، 26 كانون الأول/ ديسمبر 2024 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في السياق السوري، تُعتبر الحرية موضوعًا جديدًا ومثيرًا للجدل، حيث يُعاد اكتشافها كضرورة حتمية، لكن المشكلة تكمن في عدم الالتصاق بالواقع المحلي، مما يؤدي إلى إنتاج روايات بعيدة عن الحياة الفعلية للسوريين.

- النظام السابق ساهم في فصل الثقافة عن الناس وتنميط المثقف، مما أدى إلى محو الخصوصيات المحلية، وجعل الأدب أداة لتغريب البشر. ومع ذلك، فإن الحديث المبالغ فيه عن الحرية قد يخفي جهلًا بالسردية السورية الشجاعة.

- حرية القول السياسي جديدة نسبيًا، لكن الكتابة السورية دائمًا عرفت طريقها إلى حرية التعبير. التحدي الحالي هو مكاشفة الذات وفهم موقع الكتابة ضمن النسيج السوري.

تَردُ الكثير من الأفكار المرتبطة بـ الكتابة في هذه الفترة غير المسبوقة من الحياة السوريّة، ومن أكثر الموضوعات التي يُشار إليها الحرية الطارئة، أو الحديث عن الحرية باعتبارها وافداً جديداً على الكتابة بالتحديد. بداهةٌ يعيدُ بعض السوريّين اختراعها أسوةً بشؤون عديدة، خاصَّة مع الهوس بإعادة اختراع العجلات، وكأنَّهم الشعب الأول، والنسل المباشر لآدم عليه السلام. لكنّي أخشى أنَّ إعادة تلك البداهة عن حتميّة الحرية في عملية الكتابة قولٌ يُخفي وراءه قصوراً فعليّاً أصاب الكتابة السورية. وهو فصامٌ أصاب الثقافة كلّها، وجعلها متغرّبة عن الحياة الفعلية لمجموعِ البشر في المكان.

بخصوص الكتابة السورية، أزعم أنَّ ما ينقصها بصورة رئيسة، ليسَ الحرية، إنما الالتصاق بالموضوع. أي، معرفته. أقصد الكتابة من الأرض، والكتابة من الواقع، لا رسم صور ذهنية عن واقع في أحيانٍ كثيرة يَعدُّ الكاتب نفسه أعلى منه. وأخالُ أن المسافة بين الكتابة وموضوعها الواقعي هي آفة الكتابة السورية، إذ كثيراً ما نقرأ روايات ذهنية -هذا نوع- إلا أنّه قد يكون الأكثر حضوراً في ما أُنْجِزَ قبل أن تتمّ التحولات الاجتماعية للحرب بصورة نهائية.

ضرورة الوعي إلى موقع الكتابة ضمن النسيج السوريّ كله

ومردّ ذلك أنَّ إحدى آليات النظام السابق كانت فصل الثقافة عن الناس وتنميط المثقف. إلى جانب شموليّته التي ساهمت بقدر كبير بمحو الخصوصيّات المحليَّة أو إخفائها. أمرٌ أصبحت معه الكتابة عن الخصوصية الثقافية التي قد تميّز بيئة من الأخرى، تحريكاً لـ "نعرات"، وتنميطاً سياسيّاً يخدم النظام واستحواذه على الحياة. وعوض أن يكون الأدب سبيلاً لمعرفة البشر بعضهم بعضاً، صار في عهد الشمولية سبيلاً لتغريبهم وتعميق جهلهم.

مع ذلك، أحياناً صارت تدفعني المبالغة في الحديث عن الحرية إلى التساؤل عن وجودها حقاً. وإن كانت قد وفدت بالفعل إلينا، أم ما زالت تنتظر اللحظة الدوليّة. وأزعم أنَّ المبالغة في استعراض دور الحرية في تحقيق الكتابة المعجزة ينمّ عن أمرين؛ أولهما جهل بالسردية السورية التي كانت سردية شجاعة عرفت أسماءً لا سبيل أمام أيٍّ كان، إلا الاعتراف لها بالشجاعة والجرأة والمكاشفة الفعلية للنظام. وجهل بالمفردات التي يتحرّك ضمنها الفنّ الروائي. صحيح، إنّ للحرية دوراً كبيراً في إمكانية القول، وفي حدوده واتّساقه مع الطبيعة الحرّة. وهي إحدى ضرورات النّص الجيد، لكنها ليست كلَّ ضروراته. وكثيراً ما يصوّر دعاة القول بالحرية الوافدة، أنَّهم قادرون بيسر وسهولة على الحديث عن التابو الاجتماعي والديني، أو حتى السياسيّ الجديد. وكأنما اقتصرت الحرية في أعراف العديد على شتم عائلة الأسد. 

بلا شك القول بالحرية، قول مبدئي. والمقال لا يفاوض حوله. لكن أخشى أنّ هذا القول العام يضلّل عن أزمة رئيسية للكتابة السورية، وهي أزمة مسافة عن الموضوع، مسافةٌ حدثت لأسباب عديدة. حتى على صعيد القراءة، فالكتب الممنوعة التي اهتمَّ أصحاب المكتبات بإخراجها إلى العلن كانت الكتب الدينيّة. وأخشى أنَّ القول بالأفكار العامة، وكأنّها اكتشاف، يغفل تفاصيل من داخل عملية السرد، ليست أزمة عموميّات، إنما أزمة معرفة تفصيليَّة بطيف الحياة اليوميَّة. 

حرية القول السياسي أمرٌ جديد، مع أنه نسبيّ اليوم. أما ما يخص الكتابة السورية فقد عرفت طريقها لحرية القول دائماً، لا للاعتبارات السوريَّة للأسف، وإنّما لاعتبارات الكتابة نفسها! فالكتابة فنّ لا تعوزه سبل استحقاق الحرية. إلا أنَّ ما ينتظره المرء اليوم، هي إمكانية مكاشفة الذات بعد سقوط الإسفين الغاشم الذي أرهق البشر، وأثقل الثقافة. وإمكانية الوعي بالضبط إلى موقع الكتابة ضمن نسيج هذا البلد كله. ويمكن قبول القول باعتبار الحرية وافداً جديداً على الكتابة، فقط لدى من يريد اختراع الكتابة من جديد. 


* روائي من سورية

موقف
التحديثات الحية
المساهمون