المهمّشون في الرواية المصرية... من الحارة الشعبية إلى ضواحي المدن

25 يناير 2026   |  آخر تحديث: 10:06 (توقيت القدس)
تعتمد منهج تحليل الخطاب السردي (تصميم: العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يُعدّ علم اجتماع الأدب مجالاً يدرس العلاقة بين الأدب والمجتمع، حيث يُنظر إلى العمل الأدبي كنتاج اجتماعي يعكس تحولات الواقع ويؤثر فيه، مما يثير إشكاليات بين السوسيولوجيين ونقاد الأدب حول تحليل النصوص الأدبية.

- يبرز كتاب "المهمشون في الرواية العربية" للباحثة مرام محمود كامل كدراسة تحليلية لظاهرة التهميش الاجتماعي في الرواية المصرية، مسلطاً الضوء على تأثير العولمة والليبرالية الجديدة على المجتمع العربي.

- تعتمد الدراسة منهج تحليل الخطاب السردي لفهم التهميش في الرواية المصرية، وتبرز دور الأدب في فضح التفاوتات الطبقية والدفاع عن العدالة والكرامة الإنسانية.

يُعدّ علم اجتماع الأدب أحد الفروع البينية المنبثقة عن علم الاجتماع، ويُعنى بدراسة العلاقة الجدلية بين الأدب والمجتمع، من خلال النظر إلى العمل الأدبي بوصفه نتاجاً اجتماعياً يعكس تحولات الواقع، ويؤثّر فيه في الوقت نفسه. وقد أثار هذا الحقل المعرفي منذ نشأته إشكاليات منهجية ومعرفية، نتيجة التوتر القائم بين السوسيولوجيين ونقاد الأدب؛ إذ يحرص الأولون على إبقاء التحليل الأدبي ضمن أفق القضايا الاجتماعية، بينما يخشى بعض النقاد من اختزال النص الأدبي في بعده الاجتماعي وإغفال جمالياته وبنيته الفنية.

في هذا السياق، يبرز كتاب "المهمشون في الرواية العربية: نموذج الرواية المصرية" للباحثة مرام محمود كامل، الصادر حديثاً عن مركز دراسات الوحدة العربية، بوصفه دراسة بينية تسعى إلى تحليل ظاهرة التهميش الاجتماعي في الرواية المصرية المعاصرة، وربطها بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع العربي في ظل العولمة والليبرالية الجديدة.

ظاهرة صوّرها السرد بمشاهد انتشار العشوائيات والبطالة والهجرة

تشير الدراسة إلى أن حضور المهمشين في الرواية العربية ليس ظاهرة طارئة، إنما يمتدّ إلى بدايات الرواية الحديثة، كما في رواية "زينب" (1913) لمحمد حسين هيكل، التي نقلت الريف من الهامش إلى مركز السرد. كما تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في أعمال نجيب محفوظ، مثل "زقاق المدق" و"ميرامار"، حيث تتحوّل الحارة الشعبية إلى فضاء دلالي يعكس صراعات الطبقات، وتحولات القيم، وتناقضات المجتمع المديني.

وتؤكد الباحثة أن تصاعد ظاهرة التهميش في الواقع العربي، من خلال انتشار العشوائيات، وتزايد معدلات الفقر والبطالة، وارتفاع أعداد اللاجئين، انعكس بوضوح في المتن الروائي العربي. وقد أسهم عدد كبير من الروائيين والروائيات في تناول هذه القضايا، مثل محمد شكري، وصنع الله إبراهيم، وإبراهيم أصلان، وخيري شلبي، إلى جانب أصوات نسائية بارزة كزينب فواز ونوال السعداوي، مما يدل على اتساع أفق الكتابة عن الهامش وتنوع زوايا النظر إليه.

تعتمد الدراسة منهج تحليل الخطاب السردي وفق تصور الناقدة الهولندية ميك بال، الذي يقوم على ثلاثة مستويات متداخلة: مستوى القص، المعني بالأحداث والحبكة؛ ومستوى الخطاب، الذي يدرس طرائق السرد وبناء الرؤية؛ ومستوى الدلالة، الذي يكشف المعاني الاجتماعية والفكرية الكامنة في النص. ومن خلال هذا المنهج، تحلّل الباحثة ثلاث روايات مصرية تمثل أجيالاً سردية مختلفة، مبرزة تنوع أشكال التهميش واختلاف تمثلاته من الحارة الشعبية التقليدية إلى ضواحي المدن الكبرى. وتخلص الدراسة إلى أن الرواية المصرية نجحت في أن تكون مساحة فنية لفضح التفاوتات الطبقية، ومساءلة أنماط الإقصاء الاجتماعي والسياسي، والدفاع عن قيم العدالة والكرامة الإنسانية. كما تؤكد أن أدب المهمشين لا يقتصر على توثيق المعاناة، بقدر ما يسهم في إنتاج وعي نقدي قادر على إعادة التفكير في بنية المجتمع ومصيره.

المساهمون