الملعب مختبراً ثقافياً... الخطاب الرياضي وسلوك الجماهير
استمع إلى الملخص
- يستعرض الكتاب تأثير الخطاب في أحداث رياضية مثل كأس أفريقيا للأمم 2026، حيث يمكن أن يؤدي الانفعال غير المؤطر إلى الإساءة الرمزية، كما حدث في واقعة صفير على النشيد الوطني المصري.
- يبرز الكتاب دور الفضاء الرقمي والإعلام في تضخيم أو تهدئة الانفعال الجماهيري، مشيراً إلى أن الملعب يعد مختبراً اجتماعياً لاختبار قوة الخطاب.
يقارب كتاب "جماهير الرياضة: علم النفس والتأثير الاجتماعي للتشجيع"، للمؤلفين دانيال ل. وان وجيفري د. جيمس (الطبعة الثالثة، 2026، دار روتليدج)، الجماهير باعتبارها فاعلاً اجتماعياً يتشكّل سلوكه داخل شبكة معقّدة من الخطابات، إذ يجري إنتاج التفاعل الجماهيري عبر اللغة المتداولة في التصريحات الرسمية، والوسائط الإعلامية، والفضاءات الرقمية، وليس في لحظة المباراة فحسب. في هذا الإطار، يتحوّل الخطاب الرياضي إلى عنصر محدِّد في توجيه الانفعال الجماعي، وضبطه أو إطلاقه.
ضمن هذا المنظور، تظهر أحداث كأس أفريقيا للأمم 2026 كيف يعمل الخطاب بتحديده وسيطاً بين الأداء الرياضي والسلوك الجماهيري، فالكتاب يبيّن أن المشجعين يميلون إلى إعادة إنتاج اللغة الصادرة عن القيادات الرمزية، خاصة المدربين، باعتبارهم مرجعيات تفسيرية للهزيمة أو الفوز، وعندما يصاغ الخطاب خارج التحليل التقني ويتجه إلى التبرير أو الإيحاء الرمزي، ينتقل الانفعال من مستوى التقييم الرياضي إلى مستوى الدفاع الهويّاتي.
هذا ما يمكن رصده في تصريحات مدرب المنتخب المصري حسام حسن، عقب الخسارة أمام السنغال، إذ انصبّ حديثه على التحكيم وفارق الراحة واستدعاء أمجاد الماضي، مع مقارنات ضمنية مع المغرب بسياقات غير رياضية. ووفق ما توضحه فصول الكتاب الخاصة بالاستجابات الوجدانية للمشجعين، فإنّ هذا النمط من الخطاب يغذّي ما يسميه الباحثان الاستجابة الدفاعية للجماهير، إذ يتحوّل الإحباط إلى شعورٍ بالاستهداف الرمزي، وتُبحث له قنوات تعبير خارج منطق المنافسة.
المشجعون يميلون إلى إعادة إنتاج اللغة الصادرة عن القيادات الرمزية
ضمن هذا المناخ المشحون، تبرز واقعة صفير وتشويش على النشيد الوطني المصري في ملعب محمد الخامس بمدينة الدار البيضاء، خلال مباراة تحديد المركز الثالث أمام منتخب نيجيريا. هذه الواقعة لا يمكن فهمها باعتبارها سلوكاً معزولاً أو عفوياً، لأنّها ذروة مسارٍ تراكميٍّ من الشحن الخطابي. يشير الكتاب، في فصوله حول العواقب الاجتماعية للتشجيع، إلى أنّ الانفعال غير المؤطَّر قد ينزلق من التشجيع إلى الإساءة الرمزية، خاصّة عندما تمسّ الرموز السيادية التي تتجاوز المجال الرياضي.
النشيد الوطني، وفق الأدبيات السوسيولوجية، يمثل ذاكرة جمعية ورمزاً للكرامة والهوية، والمساس به يكشف انتقال الجماهير من موقع التفاعل الرياضي إلى موقع الصراع الرمزي. هذا التحوّل بهذا الشكل وإلى هذا المنحى، يعتبر، بحسب التحليل الذي يقدمه الكتاب، مؤشراً على اختلال العلاقة بين الرياضة والقيم الاجتماعية، لا على حدة المنافسة وحدها.
في المسار نفسه، يلفت الكتاب الانتباه إلى دور الفضاء الرقمي في تضخيم الانفعال، إذ تتحول العبارات العابرة الصادرة عن شخصيات مؤثرة إلى إشارات سلوكية واسعة الانتشار. في هذا السياق، يقرأ تعليق الكوميدية المغربية مريم القدميري على خاصية القصص في فيسبوك عقب فوز المغرب على نيجيريا، حين استخدمت تعبيرات شعبية ذات حمولة تتجاوز سياقها الكوميدي، مثل قولها "كليناهم"/ أكلناهم و"الديناصورات قوسو عليهم"، وهي عبارات يجري فيها استدعاء صورٍ رمزيةٍ للإخضاع والتفوّق، ووفق ما يوضحه الكتاب، خطورة الخطاب لا نقيسها هنا بنيّة قائله، وإنما بأثره التداولي، إذ تُظهر الدراسات أن الجمهور الرقمي يعيد تأويل الرسائل بما يخدم المزاج الجماعي السائد، كما يحوّل التعليق الفردي إلى إشارة جماهيرية مشتركة.
في مقابل هذا المسار، يقدّم الكتاب نماذج لما يسميه الخطاب المنظِّم للانفعال، إذ يسهم الاعتراف بتفوق الخصم وتحليل الأداء بوضوحٍ في احتواء الإحباط الجماهيري. يندرج ضمن هذا النموذج تصريح مدرب منتخب نيجيريا إريك شيل عقب الخسارة، إذ التزم تشخيصاً تقنياً للأداء دون إسقاطات خارج الملعب. ويبيّن الكتاب أن هذا النوع من الخطاب يمنح الجماهير إطاراً عقلانياً لتقبّل النتيجة، ويحد من انتقال الانفعال إلى المجال الرمزي.
في السياق نفسه، الإعلام الكلاسيكي يلعب دوره في إعادة توجيه النقاش العام. وهنا تندرج مداخلة الإعلامي عمرو أديب على قناة إم بي سي مصر، حين انتقد خطاب المدرب المصري، محذراً من خلط الرياضة بالسياسة. هذا التدخل الإعلامي ينسجم مع ما يشير إليه الكتاب من أنّ وسائل الإعلام قادرة على إعادة ضبط المزاج الجماهيري، إما عبر التهدئة وإعادة التركيز على التحليل، أو عبر تأجيج السجال.
تظهر هذه الوقائع مجتمعةً أنّ الملعب، كما يقدّمه كتاب "جماهير الرياضة: علم النفس والتأثير الاجتماعي للتشجيع"، ليس فضاءً محايداً، بقدر ما يمثل مختبراً اجتماعياً تختبر فيه قوة الخطاب وحدود المسؤولية، وقدرة الفاعلين الرياضيين والإعلاميين على إدارة الانفعال الجماعي، أخذاً بعين الاعتبار أن الخطاب أداةٌ مركزية في تشكيل السلوك الجماهيري داخل المجال الرياضي وخارجه.