"المرأة المكسورة".. جراح أنثوية على المسرح

08 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:15 (توقيت القدس)
من العرض (تصوير أنطونيو كاسترو)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- "المرأة المكسورة" تعود إلى المسرح الإسباني بجرأة جديدة، مستعرضةً صراع المرأة الحديثة بين الداخل والخارج، من خلال أداء لافت ومونولوج يمزج بين السخرية والدموع.

- المسرحية تسلط الضوء على قضايا الحب، العمر، الوحدة، والهوية، حيث تعيش مورييل ليلة رأس السنة وحيدة، محاطة بأصوات احتفالات الآخرين، بينما تعكس الغرفة حالتها النفسية المنكسرة.

- العمل يستحضر شعور الاختناق الناتج عن الخضوع لمعايير المجتمع، ويطرح تساؤلات حول الحرية والأنوثة، مع ديكور يعكس الأحوال الداخلية للشخصية، مما يجعل العرض تجربة فلسفية عميقة.

"كل معنى الإنسان وكل دراما وجوده تكمن في داخله"، لو كان تشيخوف الذي قال هذه العبارة موجوداً بيننا اليوم، ربما كان سيعدّل عبارته ليقول: "كل دراما المرأة الحديثة تكمن في الصراع بين داخلها وخارجها". هذا تحديداً ما تتناوله مسرحية "المرأة المكسورة" التي تعرض حالياً على مسرح إنفاني إيزابيل في مدريد حتى الثامن عشر من الجاري. 

بعد أكثر من نصف قرن على صدور نص "المرأة المكسورة" لسيمون دو بوفوار، يعود العمل إلى الخشبة الإسبانية بجرأة جديدة، وأداء لافتٍ، تمثيلاً وإخراجاً، ليعيد طرح أسئلة ما زالت تلاحق المرأة حتى اليوم: الحب، والعمر، والوحدة، والذنب، والهوية.

تبدأ المسرحية بمشهد بسيط: مورييل وحيدة في شقتها بينما العالم يحتفل في الخارج. لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، تنفتح هاوية من الذكريات والخيبات: زواج فاشل، ابن بعيد، ماضٍ يطفو على السطح، ووحدة خانقة تجعل الكلام وسيلتها الوحيدة للبقاء. تتحول الغرفة إلى مرآة لداخلها المنكسر، وتغدو الإضاءة الخافتة والألوان الباردة جزءاً من البناء النفسي للشخصية. إنها امرأة في منتصف العمر تقضي ليلة رأس السنة وحيدة، بعدما تخلّى عنها زوجها وأبناؤها، لتجد نفسها محاطة بأصوات احتفالات الآخرين وداخلها خراب عميق.

من خلال مونولوغ طويل، بلا نقاط أو فواصل كما كتبته بوفوار عام 1967، تنفتح جراح الذات الأنثوية على المسرح في عرض يستحضر شعور الاختناق الذي ينتج عن الخضوع الاجتماعي لمعايير النجاح، والأسرة، والأنوثة "المثالية". لا يتعلق الأمر برؤية امرأة مهزومة أو وحيدة أو خائبة بقدر ما نرى مرآة لمجتمع جعل من فشلها مادة لتأنيبها، ومن ألمها إثباتاً لعجزها.

عرض يستحضر شعور الاختناق الذي ينتج عن الخضوع الاجتماعي

على الرغم من مرور أكثر من خمسين عاماً على نص بوفوار، إلّا أن كلماتها كما تبدو في العمل المسرحي لم تفقد شيئاً من حدتها. على العكس، ربما اكتسبت طبقة جديدة من المعنى في زمن ما بعد النسوية، إذ لا تزال المرأة تنتزع مكانها في فضاء عام يطالبها دوماً بالتبرير.

بطلة العمل تقدم مونولوجاً يمزج بين السخرية والدمع، الكبرياء والانكسار، لتمنح الشخصية عمقاً إنسانياً لا يقع في فخ الشكوى. إنها مساحة التأمل الفلسفي التي أرادتها بوفوار: هل الحرية ممكنة دون ألم؟ وهل يمكن للمرأة أن تكون ذاتها دون أن تُتهم بالأنانية؟

كل شيء في ديكور المسرح ساعد على ذلك: بدءاً من خيار المخرج في أن يجعل الغرفة التي تدور فيها الأحداث شبيهة بالخلية العقلية لمورييل. الجدران الرمادية، الضوء المتذبذب، وإيقاع الأصوات الخارجية، كلّها تعمل بوصفها عناصر نفسية. إنها محاولة من المخرج لنقل الأحوال الداخلية التي تعيشها بطلة العمل إلى الفضاء الخارجي. ربما لهذا السبب كانت خشبة المسرح مكتظة، إذ بدت هناك رغبة بعدم ترك مجال للفراغ: كل زاوية تنبض بتوتر داخلي، وكل لحظة صمت تحمل في طياتها ما لا يُقال.

ينتمي عرض "المرأة المكسورة" إلى سلسلة من الأعمال المسرحية المعاصرة التي تتناول أزمة منتصف العمر عند النساء. بينما يختار بعض المخرجين مواجهة الأزمة بالهروب أو السخرية، قرّر مخرج هذا العمل أن يعكس نص بوفوار تماماً كما هو، عبر المواجهة المباشرة.
 

المساهمون