المحرقة الممتدة من أوشفيتز إلى غزّة

16 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 10:06 (توقيت القدس)
من تظاهرة طلابية تضامنية في روما مع الشعب الفلسطيني ضد حرب الإبادة، 2024 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يتبادل الشعراء والكتاب مشاعر الحزن والأسى عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول معاناة الشعب الفلسطيني في غزة، معبرين عن عجز الكلمات عن تخفيف الألم الناتج عن فقدان الأرواح.
- يستعرض فلوديك غولدكورن زيارته لمعسكرات الإبادة النازية، مسلطاً الضوء على تحول المحرقة إلى "كيتش" في المخيال الشعبي الغربي واستيائه من اللامبالاة تجاه المآسي الحالية.
- تناقش مارينا كورادي أهمية التعاطف مع الأطفال ضحايا النزاعات، معبرة عن استيائها من الفتور تجاه صور الرعب من غزة، ومؤكدة على فقدان الإنسانية.

"710 شهداء... منذ يوم الثلاثاء"، يرسل شاعرٌ فلسطيني تحديثاً بآخر إحصائيات الموت في غزّة على مجموعة واتساب تضمّ العشرات من "أصدقاء فلسطين" الإيطاليّين. فينزل على المنشور دمعتين، وجهين باكيين اثنين من إيموجي الواتساب الحزينين. "كم هو حزين أن نكون وحيدِين" يكتب غسان. "لم تعد الكلمات كافية لتخفيف هذه المعاناة"، يعقَّب شاعر إيطالي. "الكثير جداً من الموت... الكثير جداً من الأطفال المقتولين" تقول إليزابيتا. "انتهى الكلام"، تكتب جوليانا. وترسل كريستينا سيلاً من الدموع.

"عار عليك أيّها العالم" يعود غسان، ويعود إلى ذهني مقطع حواريٌّ لامرأة كانت تزور أحد معسكرات الإبادة النازية سَجّله الكاتب والصحافي الإيطالي من أصل بولندي يهودي فلوديك غولدكورن: "لا يُصدق. غير معقول كل ما حصل. لم يكونوا بشراً الرجال الذين ارتكبوا كلّ هذا. يا للعار...". 

كانت هذه كلمات سيّدة عجوز تزور معسكر بيلزك النازي للإبادة الواقع في بولندا. وكانت المرأة تخاطب زوجها وهي مصعوقة من هول ما ترى، والكاتب يلتقط كلماتها: "أفهم أنَّ الألمان كانوا قتلة مجرمين. كانوا يقتلون اليهود. لكنني لا أفهم البولنديين، إنّهم أسوأ من الخنازير... أسوأ من الخنازير". ليبادرها غولدكورن الذي وثّق عودته إلى وطنه الأم في كتاب "الطفل على الثلج" (فيلترينيلي، 2016)، بعد سنوات من المنفى الاختياري الإيطالي لتفقّد مقابر الإبادة النازية التي تضم أفرادا مقربين من عائلته، سائلاً: "هل أنت يهودية؟".

"... أنا بولندية، لكنني ولدت في فيلنيوس، ووالدي قُتل في كاتين..." ليَصدُق بذلك حدس الكاتب بأن السيدة لم تكن يهودية بل ابنة ضابط في القوات المسلحة البولندية قتَلَهُ السوفييت المتحالفون مع هتلر عام 1940. وتواصِل السيدة، بعد أن حثها الكاتب على الحديث بما تعرفه. 

"حاولي الحديث"، قُلت لها بصوت خافت.

"كان الخراب ممتداً، الكثير من الأغراض الشخصية المرمية على الأرض. كان هناك حقائب، وعربات أطفال، وأشخاص يبحثون عن الذهب... هل تصدق ذلك؟ أي شعب هو نحن؟ ما نحن؟ نحن أسوأ من الخنازير... العار والخزي الأبدي هو كل ما نستحق". 

تبكي السيدة. يقول غولدكورن. "أحاول مواساتها ولكنني لا أستطيع"، يُعقّب الكاتب وتتابع السيدة: "لا بد أننا فقدنا روحنا، ومعنى أن نكون بشراً لنفعل ما فعلنا". 

يعقب الكاتب: فقدنا أرواحنا ومعنى أن نكون بشراً لنفعل ما فعلنا! 

والواقع أن غولدكورن كان وهو يتلمّس جغرافيا المحرقة النازية في بولندا، انطلاقاً من أوشفيتز مروراً ببيلزك ووصولاً إلى تريبلينكا لتفقّد آثار أفراد عائلته الذين قضوا في معسكرات الإبادة النازية، ينظر أيضاً بعين الناقد لما آلت إليه المحرقة في المخيال الشعبي الغربي وتحوّلها إلى محض "كيتش" دون إثارة ما ينبغي إثارته فعلاً لدى البشر وحثّهم للتصرف بأخلاقية أعلى حيال المآسي المتجدّدة التي يعرفها العالم: "جميعنا يذرف الدموع على اليهود ضحايا المحرقة الذين لو كانوا يعيشون في مدننا اليوم أو يقفون على حدودنا لعاملناهم كما نعامل الغجر، والمهاجرين غير الشرعيين، والمسلمين. جميعنا اليوم تهتزّ مشاعره لما أصابهم، فقط لأنّ معرفتنا بكونهم أمواتا يولّد شعوراً ما لدينا بالتطهّر".

وغولدكورن لم يكن مخطئاً بالحديث عن المشاعر التي لا تتدفق بسخاء إلا إن تعلّق الأمر بحدث من الماضي، واختيار اللامبالاة عندما يتعلّق الأمر بموت نراه على المباشر كلّ يوم. ولا يبدي الكاتب إعجاباً خاصا بـ"متاحف الرعب"؛ المتاحف المخصّصة لضحايا النازية في بولندا، ويحتج على تعليق صور الأشخاص الذين كانت تُستباح كرامتهم بعدسة الألمان بمقاسات ضخمة وهم عراة يقتادون إلى الموت. 

"المحرقة بوصفها بورنوغرافيا وكيتش"، هكذا يصفها بينما يُثني بالمقابل على متحف اليهود الأكبر في بولندا والذي يضع صور اليهود وهم يتعرضون للإهانة من طرف النازيين، بمقاسات صغيرة إلى الأسفل. "وذلك حتى تضطر للانحناء حتى تشاهدها، وتظهر الاحترام للضحايا". 

هنا، ومع لحظة الانحناء هذه، تذكّرتُ ما ينقل في كتب الحديث أن سهل بن حنيف وقيس بن سعد كانا قاعدين بالقادسية فمرت عليهما جنازة، فقاما، فقيل لهما إنها من أهل الأرض، أي من أهل الذمة، فقالا إن النبي صلى الله عليه وسلم مرّت به جنازة فقام، فقيل له إنها جنازة يهودي فقال أليست نفساً. وأنتبهتُ أننا نحن اليوم نتفرج على الموت ونحن قاعدون، بل مضطجعون على الأرائك، ومستلقون على الأسِرّة. نتقلب بين تحديثات مواقع التواصل الاجتماعي، بين مقاطع المقالب الساخرة ووصفات الطبخ، وإن مرّ علينا خبر موت 710 من الأنفس بقينا متمددين.

"أما إن عرفنا أن مائة وثلاثين نفسا من أصل الأربعمائة الذين سقطوا يوم الاثنين هم أطفال فلا بد أن نقفز من مكاننا"، تقول الكاتبة والروائية الإيطالية مارينا كورادي في مقالها على صحيفة "أفينيري" بتاريخ 19 مارس/آذار الماضي: "لأن جميع الأطفال أبناء الربّ، كما نعلم ولا بدّ أن الإسرائيليين يعرفون ذلك هم أيضا ولكنّهم يريدون تخدير أنفسهم".

أعود إلى غولدكورن الذي كان يحاول في كل مرّة يقف فيها على ساحة موت ما في معسكرات النازية، أن يتخيّل اللحظات الأخيرة لمن رحلوا. وهنا يستحضر المؤرخ البولندي كواليك: "كانوا يمشون بطمأنينة. دخلوا إلى مبنى غرف الغاز وفهموا هناك أنهم سيتعرضون للقتل. بدؤوا بالصراخ... لم يكن يسمع من غرف الغاز سوى الصراخ، بكاء الأطفال وصياح رهيب..."، ليستأنف غولدكورن: "كان الموت في غرف الغاز يحضر بعد عشرين دقيقة. لمدة عشرين دقيقة كان هناك أطفال، ونساء ورجال يكافحون ليبقوا على قيد الحياة، يبدو أنهم كانوا يرفضون الموت".

أقرأ كلمات غولدكورن وأسمع الشيخ خضر اللبناني وهو يقرأ شهادة رجل من غزّة على ليلة الـ18 من مارس/ آذار الفائت: "قصفوا البيوت على رؤوس الأطفال والنساء والرجال وهم نيام، نسمع صراخ الأطفال تحت الركام وما باليد حيلة، لا نستطيع إنقاذهم لأنه لا يوجد معدات ثقيلة، نبقى لساعات وساعات ونحن نسمع صراخهم تحت الأنقاض وهم يطلبون النجدة... قلبنا يبكي عليهم ونحن عاجزون على المساعدة. فقط عندما يغيب صوتهم نعلم بأنهم فارقوا الحياة... ".  يبدو أنهم كانوا يرفضون الموت! 

أقلّب كتاب غولدكورن "الطفل على الثلج" بين يدي، والذي أتى عنوانه تكريما لروح ابن قريبة للكاتب تركته على الثلج وحيداً، بعد أن هربت فزعةً عندما كان النازيون يلاحقونها في إحدى غابات بولندا. أحاول تخيّل ملامح ذلك الطفل المتروك وحيداً على الثلج، وأنا أستحضر ملامح عشرات الرضع والخدّج الذين تركهم العالَم للموت برداً في غزّة، وشاهدنا جميعاً على الشاشات وجوههم الصغيرة، وأتخيّل وجوه من لم نر واستشهد تحت الردم جائعاً.

"يا وحدنا... يا وحدنا"، يعلّق صديقي الفلسطيني على فتور التفاعل مع صور الرعب القادم من غزّة. وأعود أنا وأتذكر كلمات العجوز البولندية: "عار عليك أيها العالم... لا بد أننا فقدنا روحنا... ومعنى أن نكون بشراً... إننا أسوأ من (...)". أبتلعُ الكلمة. أحاول أن أواسي نفسي... ولا أستطيع. 


* روائية ومترجمة جزائرية مقيمة في إيطاليا