المجتمع التراتبي.. الإنسان في ميزان البيانات

24 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 13:21 (توقيت القدس)
غلاف الكتاب (تصميم: العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- المجتمع التراتبي الرقمي: يصف الكتاب كيف أن التكنولوجيا الحديثة أنشأت نظامًا اجتماعيًا جديدًا يعتمد على القياس الدائم وتصنيف الأفراد في طبقات اجتماعية رقمية، حيث تُحدد قيمة الفرد وفرصه بناءً على بصمته الرقمية.

- التحولات في سوق العمل والمجتمع: يوضح الكتاب تأثير الخوارزميات في تحديد فرص العمل والتمييز ضد بعض الفئات، مع تآكل الكرامة الإنسانية بسبب أدوات التتبع والمراقبة في العمل والمنزل.

- التأثيرات الاجتماعية والأخلاقية: يناقش الكتاب تآكل التجربة المشتركة وصعوبة بناء تضامن سياسي أو اجتماعي، مع تعزيز التمييز الاجتماعي والاقتصادي عبر التقييمات الرقمية.

يستيقظ ملايين الناس يومياً على تنبيهات تطلقها هواتفهم أو ساعاتهم الذكية، وبعضها تُقيّم نوعية نومهم، ويطلب الملايين سيارة أجرة يقودها سائق يختارونه كونه يحمل تقييماً عبر التطبيق، ويتسوق مئات الآلاف من متاجر تمنحهم مكافآت بناء على قيمة مشترياتهم. هذا الواقع المعيش هو ما يسميه عالما الاجتماع ماريون فوركاد وكيران هيلي "المجتمع التراتبي".

لا يقدم المؤلفان مجرد تحليل لتأثيرات التكنولوجيا على حياة البشر اليومية، بل محاولة لتشخيص نظام اجتماعي جديد يقوم على القياس الدائم، وتصنيف كل جانب من جوانب الوجود الإنساني، وبالتالي ترتيب الناس في طبقات اجتماعية رقمية وفقاً لذلك.

تعمل ماريون فوركاد أستاذة لعلم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، ويعمل كيران هيلي أستاذاً لعلم الاجتماع بجامعة ديوك في كارولينا الشمالية، وقد عملا معاً طوال أكثر من عقد مضى، وأنتجا أوراقاً بحثية عدة كانت تُمهد الطريق لنظريتهما الشاملة التي أطلقا عليها اسم "المجتمع التراتبي"، وقد طورا تدريجياً المفاهيم والأدوات التحليلية التي ضمها هذا الكتاب، والذي يحللان فيه البنية التحتية للرقمنة جنباً إلى جنب مع تداعياتها الاجتماعية والأخلاقية.

يطرح الكتاب (منشورات جامعة هارفرد، 2024) فكرة بسيطة شكلاً لكنها عميقة للغاية، ومفادها أننا نعيش في عصر يتم فيه قياس وتصنيف مختلف تفاصيل حياتنا، وتحويلها إلى وحدات رقمية، وأن هذا ليس مجرد جمع بيانات، بل تحول أساسي في كيفية تصنيف أفراد المجتمع.

نعيش في عصر يجري فيه قياس وتصنيف مختلف تفاصيل حياتنا

يبدأ الكتاب برحلة جغرافية ومادية عبر وادي سانتا كلارا في كاليفورنيا، والذي كان في خمسينيات القرن الماضي منطقة زراعية خصبة، لكنه تحول إلى مركز للتكنولوجيا المتطورة، ويتتبع المؤلفان كيف تحول الوادي من أرض تُنتج الغذاء إلى أرض تُنتج البيانات، ويرصدان كيف قدمت شركات وادي السيليكون خدماتها في البداية كـ "هدايا" للمستخدمين، من البريد الإلكتروني، إلى محركات البحث، ثم الشبكات الاجتماعية، وكلها كانت مجانية.

ويستخدم الكتاب "نظرية الهدية" لعالم الأنثروبولوجيا الفرنسي مارسيل موس لتحليل هذه المرحلة، فشركات التكنولوجيا "أهدت" خدماتها للعملاء، لكن المقابل الذي حصلت عليه لم يكن مالياً، بل بيانات. ولاحقاً، بدأت الشركات استغلال هذه البيانات، فكل نقرة، وكل عملية بحث، بل كل لحظة تقضيها على أي منصة أصبحت بيانات قابلة للتحليل، ثم للبيع. ما بدأ إذن خدمة للمستخدمين تحول إلى خدمة من المستخدمين، إذ لم نعد الزبائن، بل أصبحنا المنتج، فكل تفاعل رقمي يترك بصمة، وهذه البصمات ليست مجرد سجلات، بل مواد خام لصناعة ضخمة من التحليل، والتنبؤ، وبالتالي التحكم.

في أزمان سابقة، كانت المجتمعات تُنظّم الأفراد ضمن فئات تشمل الطبقات الاجتماعية والمهن، أو الأعراق والأجناس؛ بينما في المجتمع الرقمي يتم تصنيف كل فرد عبر طيف واسع من التقييمات، والتي تشمل الدرجة الائتمانية، أو نقاط الولاء، أو مستوى اللياقة البدنية، أو تصنيف المخاطر الصحية، أو درجة الموثوقية وغيرها، وهذه التقييمات باتت تحدد الكثير من التفاصيل، وتحدد أيضاً إمكانية الحصول على مزيد من الخدمات من عدمه.

ومن أبرز التصورات التي يطرحها الكتاب مفهوم "رأس المال الذاتي"، وهو يصف أصول البيانات التي تشكل الهوية الفردية الرقمية للشخص بناءً على المعلومات المستخرجة من مجموعات البيانات المتاحة عنه. ربما يمكن اعتبار هذا المفهوم الحديث نسخة العصر الرقمي من مفهوم "رأس المال الثقافي" لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو.

يتحوّل الأشخاص إلى بيانات قابلة للقياس والترتيب والاستبدال

لكن بينما يشير "رأس المال الثقافي" إلى المعرفة والمهارات والأذواق التي تمنح الأفراد مكانة اجتماعية، فإن "رأس المال الذاتي" يشير إلى البصمة الرقمية التي تحدد قيمة الفرد وفرصه. الفارق أن المفهوم الأقدم (الثقافي) كان شيئاً يمتلكه الفرد، ويمكنه تطويره بوعي، أما المفهوم الرقمي فهو يُستخرج من الفرد باستمرار، ويُحسب خوارزمياً، ويتغير ديناميكياً بطرق لا يمكن للفرد السيطرة عليها بالكامل، فهو تمثيل رقمي تمتلكه وتتحكم فيه الشركات بالأساس.

وفي حين تظهر نظرية بورديو كيف أن تفضيلاتنا الثقافية تكشف وتُحدد موقعنا الاجتماعي، يظهر فوركاد وهيلي كيف أن هذه العملية قد تمت "برمجتها"، فكل نقرة، وكل بحث، وكل إعجاب يُغذي خوارزميات تُصنفنا، وتُقرر ما سنراه، وما سنشتريه، ويحدث كل ذلك في أجزاء من الثانية بناءً على خوارزميات لا نفهمها، ولا نستطيع الطعن في طريقة عملها.

ويطور المؤلفان مفهوم "حالات التصنيف"، والذي يصف المواقف التي تؤثر فيها تنبؤات الخوارزمية على فرص حياة الناس، وتولد أشكالاً جديدة من التوقعات الاجتماعية، ويمكن تفسير الأمر من خلال أمثلة بسيطة، من بينها أنك قد تتردد في الركوب مع سائق سيارة أجرة غير مُصنف بتقييم جيد، أو لن تستأجر غرفة فندق من غير مراجعة تصنيف المكان وتقييم النزلاء السابقين له.

مفهوم آخر مبتكر يقدمه الكتاب هو "المواطنة التراتبية"، الذي يصف كيف أصبحت المشاركة المجتمعية الكاملة تعتمد على محافظتك على مستوى التقييم، وأولئك الذين لا يستطيعون، أو لا يريدون المشاركة في المجتمع الترتيبي يواجهون إقصاء متزايداً، ومن هؤلاء كبار السن الذين لا يستخدمون الهواتف الذكية، والفقراء الذين لا يملكون بطاقات ائتمان، والمهاجرين الذين لا يملكون وثائق رسمية، أي شخص "خارج النظام" يجد صعوبة متزايدة في الوصول إلى الخدمات الأساسية.

والمفارقة أن محاولات تجنب نظام التصنيف تفشل، لأن عدم المشاركة أصبح أمراً مشبوهاً، فمن ليس لديه بصمة رقمية يُعتبر شخصاً مريباً، وباتت محاولة الحفاظ على الخصوصية تُفسر كعلامة على أن لديك شيئاً تخفيه. المواطنة الترتيبية إذن ليست اختيارية، إنها أحد شروط العمل، والسكن، والتنقل، وحتى الوصول إلى الخدمات.
ومن بين أكثر تأثيرات المجتمع التراتبي عمقاً ما يسميه ماريون فوركاد وكيران هيلي "الفردنة المفرطة". في السابق كان الناس يُعاملون كأعضاء في فئات أو جماعات؛ قد يكون هذا ظالماً، لكنه خلق أساساً للتضامن الجماعي والعمل المشترك، بينما في المجتمع الرقمي يصبح كل شخص بيانات تقاس وتصنف، ويخلق هذا تجربة خاصة لا يتشارك فيها الناس، ما يجعل التجربة الجماعية التي كانت أساساً للمجتمع المدني تتآكل، وتستبدل بملايين التجارب الفردية.

ومن أبرز المشكلات أنه لا توجد "إجازة"؛ فحتى عندما لا تشارك، تستمر الأجهزة القابلة للارتداء في تتبع حركتك ونبض قلبك، وتستمر السيارات الذكية في تسجيل عادات قيادتك، وتستمر الأجهزة المنزلية المتصلة بالإنترنت في مراقبة أنماط استهلاكك، وكل البيانات المستخرجة يتم معالجتها من خلال خوارزميات معقدة تصنف الأفراد وتطابقهم بفرص، أو منتجات، أو أشخاص آخرين. هذه العملية ليست شفافة بالطبع، إذ نادراً ما نعرف كيف يتم تصنيفنا، أو على أي أساس.

ويؤكد الكتاب أن المطابقة الخوارزمية تبدو محايدة وموضوعية، لكنها في الواقع مشبعة بالافتراضات، فالخوارزميات مُدربة على بيانات تعكس التحيزات والتفاوتات، ما يعني أنها غالباً ما تعيد إنتاج وتعزيز أنماط التمييز القائمة، لكن بقناع الموضوعية التقنية.

الجانب الأكثر إثارة للقلق هو كيف تُضفى الخوارزميات شرعية أخلاقية على تسلسلات المجتمع الترتيبي الهرمية، فعندما يحصل شخص على تقييم عال لا يُنظر إلى ذلك كتقييم تقني، بل كشهادة على قيمته، وبالعكس أيضاً، أولئك الذين يحصلون على تقييم منخفض لا يُعتبرون ضحايا لظروف اجتماعية أو اقتصادية، بل يُنظر إليهم كمسؤولين عن فشلهم الشخصي.

ولا يوجد مثال أوضح على "المجتمع التراتبي" من المنصات الخدمية. في "أوبر" مثالاً، كل من السائق والراكب يتم تقييمهم باستمرار، والسائق الذي لا يحقق التقييم المطلوب يُطرد من المنصة، بغض النظر عن ظروفه؛ والراكب الذي يحصل على تقييمات منخفضة قد يجد صعوبة في إيجاد سائق يقبله. يبدو هذا النظام عادلاً ظاهرياً، لكن الواقع أكثر تعقيداً، فالتقييمات تتأثر بتحيزات عرقية وطبقية وجغرافية، من ذلك أن السائق في الأحياء الفقيرة يحصل على تقييمات أقل، والراكب من أقليات عرقية معينة يواجه تمييزاً مُقنعاً.

والأهم أنه لا يوجد مجال للتضامن بين السائقين مثلاً، فكل منهم يتنافس بشكل فردي على تقييمه، ومحاولات التنظيم العمالي تصبح شبه مستحيلة عندما يكون كل عامل يُحدد مكانته تقييمه الفردي.

تمثل شركات التأمين شكلاً آخر مقلقاً. تقليدياً، كان التأمين يقوم على مبدأ توزيع المخاطر، والجميع يدفعون بناءً على متوسط المخاطر، والمحظوظون يدعمون المنكوبين. في المجتمع الرقمي، يتآكل هذا المبدأ، فشركات التأمين تستخدم بيانات من أجهزة تتبع اللياقة، وأنماط القيادة، وحتى منشورات وسائل التواصل الاجتماعي لتحديد الأقساط بشكل فردي، وبالتالي مكافأة "السلوك الجيد" وتحميل المخاطر العالية تكاليف أعلى، ما يعني نهاية التضامن الاجتماعي الذي يقوم عليه نظام التأمين التقليدي، فالأشخاص الأكثر احتياجاً للتأمين، مثل المرضى، أو الفقراء، يُستبعدون، أو يدفعون كلفة باهظة. لم تعد بوليصة التأمين إذن عقداً اجتماعياً، بل صفقة فردية تعتمد على رأس مالك الذاتي.

ولا يتجاهل الكتاب التحولات في سوق العمل، فخوارزميات الفرز باتت تحدد من يحصل على مقابلة عمل بناءً على تحليل سيرته الذاتية، وبصمته الرقمية، وحتى نبرة صوته في مقابلات الفيديو المسجلة، وتؤكد دراسات متعددة أن هذه الأنظمة تميز ضد النساء، والأقليات، وكبار السن.

حتى داخل أماكن العمل، بات هناك برامج تتبع لكل ضغطة مفتاح، وكل لحظة بعيداً عن الشاشة، وعمال المستودعات كمثال يرتدون أساور تتبع حركتهم، وتحدد معدلات إنتاجية يجب عليهم تحقيقها، وسائقو الأجرة يخضعون لكاميرات تراقب وجوههم للكشف عن علامات التعب أو التشتت، ويجري تقييمهم وفق ذلك.

ليست هذه مجرد أدوات إدارة، إنها شكل جديد من أشكال السيطرة الذي يُحول الأشخاص إلى بيانات قابلة للقياس والترتيب والاستبدال، بينما تذوب الكرامة الإنسانية، والتقدير المهني، والخبرة المكتسبة في بحر من المقاييس الرقمية، حتى أن التعليم، وهو آخر معاقل التقييم الإنساني، يخضع للترتيبية، فالخوارزميات تحدد أي الطلاب يحتمل نجاحهم، وتستخدم بعض الجامعات تسعير ديناميكي للرسوم الدراسية، وتعرض أسعاراً مختلفة للطلاب بناءً على احتمالية القبول والقدرة على الدفع.

وفي داخل المنزل تجمع الأجهزة الذكية البيانات، فالثلاجة الذكية تعرف ماذا تأكل، ومكبرات الصوت الذكية تسمع محادثاتك. هذه البيانات لا تبقى في المنزل، إنها تُرسل إلى الشركات، وتُحلل، وتُستخدم لتحديث ملفك الرقمي.

في التسعينيات تنبأ الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز بالانتقال من المجتمعات التأديبية التي وصفها ميشيل فوكو في كتابه "المراقبة والمعاقبة"، إلى ما أسماه "مجتمعات السيطرة". في المجتمع التأديبي، كنت مُراقباً في مواقع محددة مثل المدرسة والعمل، لكن لديك مساحات حرة، بينما في مجتمع السيطرة لا تنتهي المراقبة أبداً، إنها مُضمنة في البنية التحتية للحياة اليومية.

ويمثل المجتمع التراتبي تحقيقاً ملموساً لرؤية دولوز، فالسيطرة لا تعمل من خلال الإكراه المباشر، بل من خلال الضرورة الاجتماعية، أو الإغراء، أو التصنيف المستمر. أنت حر في الاختيار، لكن اختياراتك محدودة بدرجاتك وتصنيفاتك.

أحد أكثر جوانب الكتاب إثارة للاهتمام هو كيفية تعامله مع الجاذبية الحقيقية لهذا المجتمع الرقمي، والمؤلفان لا يقدمان نقداً أحادي الجانب يُشيطن التكنولوجيا، بل يعترفان بأن الخدمات المُخصصة، والتوصيات الذكية، والمطابقة الخوارزمية توفر قيمة حقيقية للمستخدمين. المشكلة ليست أن هذه الفوائد وهمية، بل أن ثمنها هو فقدان الخصوصية والاستقلالية، وغالباً ما يكون ذلك غير قابل للتفاوض. الأسوأ من ذلك أن الأخطاء في الخوارزميات أو البيانات غالباً ما يكون من المستحيل تصحيحها.

ومن المفارقات أن أحد أعمق التأثيرات هو تآكل التجربة المشتركة التي كانت أساساً للمجتمع المدني. في الماضي، كان الناس يشاهدون نفس البرامج التلفزيونية، ويقرؤون نفس الأخبار، ويدفعون نفس الأسعار في المتاجر. هذه التجارب المشتركة خلقت أرضية مشتركة للحوار وللتضامن، بينما بات كل شخص يعيش حالياً في "فقاعة" مُخصصة له من المحتوى، والأسعار، والفرص، وخوارزميات وسائل التواصل تُظهر لك ما تعتقد هي أنك "تريد" رؤيته، وتجار التجزئة يعرضون عليك المنتجات والأسعار بناءً على قدرتك على الدفع، حتى الأخبار والمعلومات يتم تخصيصها، ويجعل هذا من الصعب بناء تضامن سياسي أو اجتماعي.

يعترف فوركاد وهيلي أن "الكتاب لا يقدم حلولاً. ليس الأمر أنه ليس لدينا أفكار. لكننا لا نشعر أن هذا هو المكان الذي نريد وضعها فيه". كما أن خاتمة الكتاب متشائمة، وترى أن الحياة في المجتمع الترتيبي "لا تُحتمل".