اللغة العربية والتكنولوجيا... حلم التمكين وخطر التهميش في العشرية المقبلة
استمع إلى الملخص
- يشدد الخبراء على أهمية جودة المحتوى الرقمي والسياسات التخطيطية لتعزيز استخدام اللغة العربية في التكنولوجيا. التحالفات بين الدول العربية، مثل "فنار"، تسير في الاتجاه الصحيح، لكن يجب تعزيز الجهود لإنتاج نماذج ذكاء اصطناعي تراعي الخصوصية العربية.
- التعليم العالي غالباً ما يتم بلغات أجنبية، مما يعيق استخدام العربية في العلوم. هناك حاجة لإرادة سياسية ومؤسسات تعليمية تدعم اللغة العربية، مع التركيز على رقمنة المحتوى العربي وتعزيز استخدامه في التعليم والحياة اليومية.
يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل المشهد اللغوي العالمي، حتى لدى اللغات المتمكنة رقمياً وخوارزمياً، وفي مقدمتها اللغة الإنكليزية التي صُمم بها هذا الذكاء، ففيها يرى فريق أن لغة شكسبير يقع تدريجياً تجريفها أو تسطيحها على الأقل.
الحال في وطننا العربي تُدفع فيه اللغة العربية إلى منعطف حاسم في علاقتها بالتكنولوجيا، إذ تواجه تحدياً مزدوجاً: إما أن تستثمر قدراتها الكامنة لتتبوأ موقعاً متقدماً في هذا العصر الرقمي، أو تجد نفسها مهمشة أكثر فأكثر في ظل غياب الإرادة والتخطيط الجماعي.
وبالتالي، ليس السؤال عما إذا كانت اللغة العربية قادرة على مواكبة الذكاء الاصطناعي. هذا أمر أكدته بالإيجاب، وبكل ثقة أوراق الخبراء اللغويين والباحثين في العلوم خلال مؤتمر "الذكاء الاصطناعي وخصائص اللغة العربية" الذي اختتم أول أمس الثلاثاء في مدينة لوسيل بقطر، ضمن الاحتفال باكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية.
إنما السؤال الذي توجهت به "العربي الجديد" إلى المتحدثين في هذا التحقيق هو سؤال العشرية المقبلة، كيف يمكن تصورها، ما الذي يقلق وما الذي يبعث على التفاؤل؟
بيانات أولاً
يؤكد محمد الشيباني، رئيس وحدة الدراسات والأبحاث في معجم الدوحة التاريخي، أن جودة مخرجات الذكاء الاصطناعي مرتبطة عضوياً بنوعية البيانات المتاحة له. فالمحتوى الرقمي الغني هو الذي سيتحكم في قدرة الذكاء الاصطناعي على الإسهام في الترجمة والتعلم الآلي وتطوير البرمجيات. لكن المفتاح الحقيقي يكمن في تشبيك العلاقة بين الباحثين في علوم اللغة العربية والمختصين بالحوسبة الآلية. ففي ظل غياب هذا التعاون، ستظل إمكانيات تطوير اللغة العربية ضعيفة، وستتسع الفجوة مع مخرجات اللغات الأخرى.
تدلّ المؤشرات على أن العربية مستخدمة وتتطور وتستوعب المعارف
رغم ذلك، يرفض الشيباني اليأس الذي أصاب البعض حين وصفوا قبل زمن، لغتنا العربية بأنها آيلة إلى الانقراض. فالمؤشرات تدل على أنها ما زالت مستخدمة وتتطور وتستوعب المعارف. لكن توسيع نطاق استخدامها يحتاج إلى إرادة سياسية وقوانين حماية لغوية، فضلاً عن انخراط المجتمع الأهلي والإحساس بأن اللغة مقوم أساسي من مقومات الهوية. هذا الدفاع لا يعني الانطواء، بل دينامية حضارية تجعل العربية تتعايش مع اللغات الأخرى تعايشَ الند للند.
التفاؤل المشروط
يميز محمد أحمد محجوب، رئيس وحدة المصطلح في معجم الدوحة التاريخي، بين مستويين: اللغة العربية في ذاتها، وخدمة اللغة. على مستوى الخصائص اللغوية، يعبر عن تفاؤل كبير، إذ إن العربية تملك من المزايا ما يجعلها قادرة على تبوؤ الصدارة. خصائص مثل التوليد والدقة الدلالية والثراء المعجمي تجعلها مؤهلة لأن تأتي بعجائب عند استثمارها في الذكاء الاصطناعي.
لكن الشق الثاني المتعلق بخدمة اللغة يطرح أسئلة حرجة: هل نقوم بما يلزم لمواكبة ما يجري؟ هل إثراء المحتوى الرقمي وخلق النماذج غير المتحيزة يترجمان إلى منجز وواقع؟ الجواب يكمن في وجود سياسات تخطيطية لغوية ومؤسسات فاعلة. ويشير إلى التحالف الذي أنتج عدة نماذج للذكاء الاصطناعي في الإمارات والسعودية وقطر (نموذج "فنار")، مؤكداً أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، وأن كلمة السر تبقى في التحالف وانصهار الجهود لإنتاج نموذج يراعي الخصوصية العربية.
احتضان الثورة
نضال شمعون، أستاذ الفيزياء النظرية وعضو مجمع اللغة العربية في دمشق، يرى أننا يجب ألا نخشى ثورة الذكاء الاصطناعي. رغم أن التحديات أمام اللغة العربية تبدو كبيرة، فثمة لغات أخرى بنيتها أصعب من العربية مثل الصينية حققت قفزة كبيرة.
التحالف وانصهار الجهود لإنتاج نماذج ذكاء اصطناعي تراعي الخصوصية العربية
هذه مثل الثورة الصناعية وثورة الاتصالات، لماذا نخشاها؟ وأريد أن أطرح هذا المثل: المترجم قد يصبح مدققاً لغوياً، إذا استطاع الذكاء بالفعل أن يترجم بشكل جيد. والسؤال: لم لا؟
نحن في "الجمعية العربية للفيزياء" بصدد ترجمة محاضرات عالم الفيزياء ريتشارد فاينمان (1918-1988) الحائز على جائزة نوبل عام 1965. محاضراته في الستينيات التي تعد مرجعاً أساسياً، ومن الأشهر علمياً وانتشاراً لم تترجم بشكل رسمي إلى العربية ونحن قررنا أن نتصدى لهذه المهمة عبر الذكاء الاصطناعي. سنراجع ونمحص وندقق، لكن استعمال الذكاء في المقام الأول جعلنا نربح وقتاً.
يجب ألا نعتبر استخدامه عيباً أو نقيصة، العيب هو أن يكون ذلك بشكل خاطئ، أي اعتبار نتائج الذكاء الاصطناعي منزّلة. الصحيح فيما أرى أن نستخدمه كبذرة أولية نبني عليها.
أنا متفائل بقدوم معجم الدوحة بوصفه بنية تحتية مهمة وبيانات موثوقة، لكنني أطرح سؤالاً: هل يستطيع الباحثون العرب ابتكار الخوارزميات أم سنظل نعتمد على الخوارزميات الصينية والأميركية؟
ترشيد وفوضى
من تونس يقدم فتحي الجميل، أستاذ الآداب والفنون، ثلاثة سيناريوهات محتملة. السيناريو الأول تفاؤلي: أن تضع الحكومات والمجامع العلمية ضوابط لترشيد استعمال الذكاء الاصطناعي في التربية والتعليم والحياة اليومية، ما قد يحقق منافع كثيرة في مستويات التعليم واستخدام العربية في الحياة اليومية.
ضرورة تأسيس تحالف عربي من أجل خدمة ورقمنة النصوص
السيناريو الثاني كارثي: أن يترك الحبل على الغارب، فيستعمل الذكاء الاصطناعي أي شخص مهما كان مستواه العلمي والثقافي والأخلاقي، ما قد يؤدي إلى نتائج سيئة تطيح اللغة وتفرز جيلاً جديداً معرفته بالعربية ضعيفة.
السيناريو الثالث وسيط: تحكّم في بعض المجالات وتسيّب في أخرى، إذ تتواصل قوة العربية في مجالات التعليم والتربية، لكن تظهر في الوقت نفسه فنون تفسد حتى الناحية الإبداعية مثل الكتابة. أميل إلى هذا السيناريو الوسط لأن الحياة تقوم على التعادلية بين الإيجابي والسلبي، وبهذا ستمضي الحياة، واللغة العربية ليست من اللغات التي يمكن أن تموت، فهي لم تمت في عهود الانحطاط فكيف سيكون ذلك في عهود جديد أصبحت فيه المعرفة تقريباً متاحة للجميع؟
المحتوى هو المستقبل
مصطفى جرار، أستاذ الذكاء الاصطناعي في جامعة حمد بن خليفة، لا يشعر بالخوف على اللغة، بل بمسؤولية تجاه الفترة القادمة. هناك فرصة لأن يشارك في صناعة الذكاء الاصطناعي، لكن المشاركة ليست في التكنولوجيا، بل في المحتوى.
هذه فرصة للشعوب والدول أن تشارك في صناعة المحتوى الذي لم تفعل شيئاً تجاهه إبان العقود الماضية.
يجب أن نؤسس لتحالف من أجل خدمة ورقمنة النصوص وإعادة إحياء هذا الإرث وتنظيمه. لا خوف من التكنولوجيا نفسها، فهي تتغير وتتطور، والشركات الكبرى هي التي تصنعها سواء في الشرق أو الغرب، لكن المحتوى هو من صناعة المجتمعات المدنية والحكومات والجمعيات.
جاء الزمن لينتظرنا مرة أخرى، إذ لم نفعل شيئاً حينما اخترع الإنترنت، لم نحوسب الصحف، لم نحول الصور إلى نصوص، والمكتبات العربية غائبة. التقنية مثل الكأس الفارغة نضع فيها ما نريد، وإن إعادة خدمة هذا المحتوى من الصور والفيديوهات والنصوص أمر حاسم.
التحديات العملية
يعبّر حمدي مبارك، مهندس البرمجيات الرئيسي في معهد قطر لبحوث الحوسبة، عن تفاؤله المشروط بضرورة الاستمرار في إتاحة المصادر والبيانات وتحقيق التكامل. يدعو إلى مبادرات كثيرة للمصادر المفتوحة حتى لا يبدأ كل شخص من الصفر.
يطرح سؤالاً مقلقاً: هناك في 22 دولة عربية مئات الجامعات وآلاف رسائل الماجستير سنوياً، ما مصير هذه المصادر العلمية؟ الواقع أن معظمها لا يتحول إلى الفضاء الإلكتروني.
تخطر ببالي مبادرة بسيطة: لماذا لا يطلب كل أستاذ من طلبته في تخصّص الترجمة مثلاً أن يترجم كل واحد مقالاً من ويكيبيديا، أو يوثق معالم سياحية واحتفالات شعبية بالوسائط المتعددة عبر الكتابة.
يقدم مبارك مقارنة صادمة: الأتراك لا يملكون العمق الحضاري الذي للعرب، لكن المحتوى التركي ثلاثة أضعاف مثيله العربي على الإنترنت، وهو متفوق كماً ونوعاً.
إذا ذهبت إلى ويكيبيديا، فتجد المعلومات حول مبحث في الفيزياء بالإنكليزية يساوي عشرين ضعف النسخة العربية الهزيلة والمترجمة آلياً.
قبل ربع قرن عملتُ في المعاجم العربية الإلكترونية، وحين بحثتُ عن محللات صرفية عربية، وجدت أن الإسرائيليين طوروا أدوات متاحة بينما 400 مليون عربي لم يفعلوا ذلك.
في بداية القرن الحالي، أول من اشتغلوا على المعالجة الآلية للغة العربية لم يكونوا عرباً، وفي هذا السياق أدعو إلى دعم البرامج العربية، حتى لو كانت أقل دقة، بدلاً من الاعتماد الكلي على النماذج الغربية. بهذا نستثمر في إمكاناتنا ونطورها بعقولنا وأيدينا.
الإشكال المؤسسي
يرى عز الدين المزروعي، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الأول وأحد رواد المصادر المفتوحة، أن المأزق أعمق من مجرد علاقة الذكاء الاصطناعي باللغة العربية. هناك إشكال تعليمي في العالم العربي كله، فاللغة العربية لم تأخذ حقها من التعليم، وبالتالي، حتى لو طورنا ذكاءً اصطناعياً بالعربية، فمن سيستعمله؟
في جميع الدول العربية عدا ندرة نادرة مثل سورية، التعليم العالي في العلوم الدقيقة هو بالإنكليزية والفرنسية، وهناك احتقار للغة العربية. علاج هذا الأمر لا يتم إلا عبر المؤسسات وإرادة سياسية غير متوفرة حالياً. ليس لدينا إشكال في الطاقات البشرية عالية الجودة، بل على مستوى التدبير السياسي.
الذخائر اللغوية الكبيرة تشترى في دولة ما ولا تستفيد منها دول أخرى. في المغرب مثلاً، كل جامعة تحاول اكتساب بنية الحوسبة بقدراتها الضعيفة مقارنة بالطبع مع قدرات الدولة، عوضاً عن وجود مؤسسة وطنية تجهز هذه البنية وتتيحها لجميع الباحثين. ما يحدث على مستوى دولة هو ذاته يحدث على مستوى الوطن العربي.
التقنية ليست حكراً على أحد، والأصعب متوفر وهو الذكاء البشري. ما نريده سياسة واضحة وتوفير الإمكانيات.