استمع إلى الملخص
- تتعمق الرواية في العلاقات بين الأطفال، مثل زياد وتميم وأيمن وجميل، وتستخدمها لتسليط الضوء على التوترات الاجتماعية والسياسية، مع التركيز على تعقيدات الهوية الفلسطينية.
- تستخدم الرواية عناصر سيميائية مثل الحجارة والشجرة لتجسيد رمزية الانتفاضة، وتبرز دور المرأة من خلال شخصية ابتهال، مقدمة سردًا دائريًا يعكس استمرارية الصراع الفلسطيني.
" سوف تقع هذه الحكاية كل يوم، بين عامي 1987 و1990". الحكاية المقصودة هي الانتفاضة الفلسطينية الأولى، أو انتفاضة الحجارة؛ حكاية كبرى تُقاربها رواية "اللعب بالجنود" (منشورات تكوين، الكويت، وطباق للنشر، رام الله) للروائي الفلسطيني طارق عسراوي، انطلاقاً من فتات محكياتها الصغرى، مؤطِّرةً عتبتها بهذه الإشارة التي تُضيء، استباقاً، زمن النص، قبل أن يردفه المكان، ممثَّلاً بمدينة جنين الفلسطينية في الضفة الغربية.
تغور الرواية في العالم السفلي لفتية تلك الحقبة، مُؤرِّخةً لطفل الحجارة، بتقمُّص صوته نفسه. لذا، يتحقق السرد بمقاربة الوعي المركزي لأبطال المروية، من صبية لا تتجاوز أعمارهم الرابعة عشرة، عالقين في برزخٍ مزدوج: بين الاحتلال وتوق التحرر، وبين الطفولة ونُذُر المراهقة.
ثمة طفلان في واجهة المحكية: زياد وتميم، الجاران، وابنا الصديقين القديمين. يدأبان على مواجهة الاحتلال بـ"اللعب"، واللعب هنا هو "اللعب بالجنود"، عبر خدعٍ طفولية، كتمويه جسد راديو قديم ليُوحي بأنه قنبلة، أو برفع العلم الفلسطيني أعلى شجرة سرو، أو بإلقاء زجاجات مولوتوف على رئيس البلدية.
ينبثق الصراع من داخل عالم الطفولة نفسه، الذي لا يُقدَّم كنسيجٍ متجانس، بل ينطوي على تناقضاته العميقة وشقاقاته، التي يمكن ردّها إلى شقاقات الكبار في المستوى الأعمق من المسألة الفلسطينية. ثمة الطفل المُتجنَّب، يمثله أيمن، المتطفل والحشري، الذي لا يحفظ سرّاً، في عالمٍ نجاته موقوفة على حفظ السر. وثمة الطفل المنبوذ كليّاً، يُمثِّله جميل، ابن "المفيد" رئيس البلدية، المتعاون مع سلطة الاحتلال، ذراعاً للضابط أسد. جميل محرومٌ من الالتحام بأقرانه، لأنه ابن جاسوس، وربما يمثل أكثر أطفال المروية تعقيداً، حين يظهر في مشهدٍ متقدم وهو يبصق في كوب الماء قبل أن يقدمه لأبيه، وحين يُستدعى تاريخه، الذي أرجأ الساردُ التعريج عليه، كابنٍ متروك للأب بعد أن هجرته الأم لعمله مع سلطة الاحتلال. وفوق ذلك، وفي إشارةٍ دالة، هو الوحيد الذي يخشاه أبوه، في هذا العالم الأبوي الخاضع بالكامل للسلطة الأبوية. إنه إشكالية حقيقية لذاتٍ فلسطينية محاصرة بإرثٍ يمثل كل ما لم تقترف، في لحظةٍ وجودية قاسية ومبكرة.
جبهات متوازية إذن، ينتجها نسقُ الطفولة، كاشفاً عن النسق الأشمل للتركيبة البشرية التي تقف خلف الواجهة، ممثَّلةً في أسلافٍ تحوّلوا إلى أشباح، وقد أدركتهم النهايات مبكراً، بين لائذٍ بعزلته ومطبّع بغية ضمان نجاة شخصية.
ستتقاطع الجبهات قسراً حين يُقذف حجرٌ ثقيل في نهر الحارة الآسن. حجرٌ تمثله امرأة: ابتهال، الموظفة في وكالة الغوث، مركز المروية. فبحلولها في الفضاء المكاني الضيق الذي لا يتغيّر، ينقلب كل شيء. لن تلبث حياة الطفلين زياد وتميم أن تشهد تصدعاً مخيفاً، حين يريان الجارة الجديدة، الغامضة، التي أسكنها أبو تميم طابقاً في بيته، تخلع ملابسها في شباكها. تحت ضغط ابتزاز أيمن، يخبراه بما رأيا، ويصحبانه ليشاركهما الفرجة، ولتتحول الوشاية في لحظة إلى مسألة مصير.
يختار السارد تقديم مشهد التلصص -المتأخر في النسق الزمني الكرونولوجي- ليجعل كل ما عداه محكياتٍ أصغر لاحقةً عليه، وإن سبقته ترتيبياً في الوقوع، كي تصب في مركزيته: "ما من فتى في الرابعة عشرة من عمره إلا ويربكه النظر إلى امرأةٍ تبدّل ثيابها. وحين اكتشفت ابتهال أن شباك غرفة نومها كان بمثابة شاشة سينما لزياد وأصحابه، أرسلت في طلبهم فورًا، لكن أحداً لم يجرؤ على تلبية دعوتها".
إشكالية ذات فلسطينية محاصرة بإرث يمثل كل ما لم تقترف
يبدو السارد خارجياً، لولا أنه يُفصح على استحياء، ولمرةٍ واحدةٍ في المروية كلها، عن كونه سارداً ذاتياً، وإن كان غير مشارك في الحدث: "حين أقول بيوت الحارة كلها، فإنني أعني ذلك حرفياً". يميط السارد في هذا الموضع قدراً من اللثام، كاشفًا عن شراكته كـ"شاهد" من داخل الفضاء الحكائي، دون أن يكشف وجهه لنعرف كنهه، في انسجامٍ مع أفق "السر" الذي يُظلّل الحدث المركزي كله، حيث لن تُكشف ماهية المرأة ولا ما تفعل إلا في السطور النهائية.
يتوسل السارد بلغةٍ منضبطة في مستواها التواصلي، ملائمة لوعيٍ غير مؤدلج أو موشّى بلاغياً بفائضٍ لغوي؛ لغةٌ تُساوي ما تحكيه، بزاوية نظر تُميز تموضع "الراوي المصاحب" (رؤية مع)، تُساوي فيها معرفة السارد معرفة شخوصه، باستبعاد أي معرفةٍ كليةٍ متعديةٍ لخبراتهم أو نسقهم التجريبي، وكذلك باستبعاد المعرفة المحدودة التي تؤطر الرؤية من الأمام لتخلق سارداً موضوعياً. وبالتقاطع مع وجهة النظر هذه التي تُوجّه طبيعة اللغة السردية، فإن الحوار الروائي، الذي يحتل مساحةً غير قليلة من كتلة الفضاء الحكائي، يتحقق بالكامل بالدارجة الفلسطينية لأهل جنين، فضلاً عمّا يُبذر في النسق السردي الفصيح نفسه من مفردات وعبارات نابعة مباشرةً من اللسان.
يتحرك السرد من ثمَّ في نسقٍ تناوبي، في بنيةٍ سرديةٍ دائرية تطوف محكياتها حول المركز، لتصب في بؤرته وتغذيه دلالياً، إلى أن تأتي لحظة الكشف، في المشهد الرمزي الكبير للرواية، حين ينكشف أمرُ الصبيين للأبوين، فيتعرضان للتعذيب كي يفصحا عمّا رأيا (في بروفة فادحة الرمزية، متواطأٌ عليها، لمستقبل المناضل). لن يبوحا، سيُخفي الأبناء عن الآباء ما يعرفه الآباء، لندرك تواطؤ الجميع على ستر سر المرأة، التي تستقبل رجلاً في الخفاء، هو زوجها المناضل، ولتُضيء خاتمة النص غموض هامته، بعبارة التصدير المقتبسة عن الإمام الغزالي: "أفشى بعضُهم سرّاً له إلى أخيه، ثم قال له: هل حفظت؟ قال: بل نسيت".
تشهد الرواية قفزةً زمنيةً واسعة، مثل حفرةٍ خلقتها دانة، تفصل ما ظنناه الفصل الأخير عن فصلٍ لاحق، يمثل ملحقاً سردياً، ينهض بعد مرور نحو خمسة عشر عاماً، في أعقاب اجتياح جنين، مع الانتفاضة الثانية. إنه فصل بانورامي يتحقق تقنياً مثل فوتومونتاج، يكشف في ضربات سريعة ملخصات المصائر، مثلما يفضح التغيرات؛ فطفولة المدينة شاخت كطفولة فتيتها، وابتهال التي فقدت غضاضتها القديمة، تفشل في تمييز ملامح زياد حين تلتقي نظراتهما، حيث لن يملك طفل الأمس إلا ابتسامة أخيرة، مثل تلويحة وداع، موجهة إلى كلِّ الأشياء التي تشيخ.
مرويةٌ "علاماتية"
يتشكل الفضاءُ الحكائي للرواية من استنادٍ جلي إلى العناصر السيميائية، في محاكاةٍ عميقة لجوهر الانتفاضة الأولى كسرديةٍ اختزلتها علاماتٌ سيميولوجية تؤطِّر الخطاب الإيديولوجي وتتجاوز فعاليته المؤقتة بما تملك من رمزيةٍ متعديةٍ للشرط الآني، مثل علامة النصر والحجر. هذا فضلاً عن أن المدينة نفسها، كموجودٍ صاغته الثقافة، يجري تعريفها عبر اختزالها نصياً في علاماتها المفصلية، كون المدينةِ في كُليتها علامة سيميولوجية كبرى.
تتحرك المروية إذن انطلاقاً من اختبار العلامة كموجودٍ فعال في تشييد الفعل الإنساني، كونه تجاوز بفعل الثقافة قوامه الأوَّلي كـ "شيء" ليتحول إلى "دال". وتتصل هذه الممارسة بحيز النص نفسه، القائم على الاختزال، إذ تتجاوز صفحات الرواية بالكاد مائة صفحة، من القطع الصغير.
تحتل المقبرة، كعلامةٍ سيميولوجية، الواجهة، مشحونةً بدلالاتٍ مفارِقة لأفقها الدلالي الاتفاقي ولمرجعيتها كمفهوم. المقبرة هي مناط الحياة للطفلين زياد وتميم. يكشف الطفلان _ عبر السارد _ المدينة خلال رحلتهما إلى مقابرها بالذات، يمارسان حريتهما القصوى، ويتعرفان للمفارقة على حياتهما الحسية، لائذيْن بالشواهد: يخلعان الملابس، يقفزان في الماء، يدخنان السجائر من وراء الأهل، ويخططان لخطوتهما القادمة لاستعادة الدنيا. هذه الحرية الفادحة لا تتحقق إلا في هواء الموت، كاشفةً، في اللحظة نفسها، توق التحرر مكبلاً بشواهد الراحلين، ومرثيات الشهداء، وشعارات الثوار.
تمثل المقبرة، على جانبٍ آخر، علامة مكانية سفلية، تحت أرضية، ينهض سطح البيت قبالتها كعلامةٍ مكانيةٍ فوقية، كاشفاً بدوره عن مفارقات الذوات الإنسانية. سطح بيت جميل هو أعلى علامة في البلدة، يحتله الواقع: جنود الاحتلال الذين يراقبون عبره الحارة. بالمقابل، فإن سطح بيت تميم تحتله الصورة: هوائي بدائي ينهض لاستقبال القناة الإسرائيلية الثانية، بحثاً عن "أفلام منتصف الليل، بما تنطوي عليه من مشاهد مخلة بالعفاف، ولكل ما لا يمكن كبح جماحه"، حيث "فتية يجسون بأسئلةٍ سكت عنها مجتمعٌ يسكنه الخوف الأمني منذ سنواتٍ طويلة، أسئلة من قبيل: ما هي المرأة؟". المرأة، التي تمثل السؤال الحارق للأطفال - وللكبار المقموعين حتى - ستجد تمثيلاً فادحاً بحلول ابتهال، كأن الذات هي ما يملأ العلامة.
كلا السطحين/ العلامتين محتلٌ، وكلاهما يُعبَّأ بالأفق الدلالي لـ "اللهو"، لكن لهو الجنود بالكرة المادية مع جميل يبقى وصمة، فيما يظل لهو الشاشة الأثيري فسحةً لاقتناص الحرية، والمعرفة، من العدو.
الحجارة علامةً سيميولوجيةً، توظف بدورها في أفقين نقيضين. فبينما يرشق الأطفال بالحجارة نافذة السيارة التي تقل جميل (النافذة بصفتها علامة فضح)، يرجم هو بالحجارة ذاتها نافذةً أخرى (العلامة نفسها وهي تقاوم الافتضاح)، تلك التي تظهر فيها زوجة المناضل. كذلك إصبعا علامة النصر، يتبدلان في لحظات الفراغ إلى وسطى مشهرة في وجه العدو.
الشجرة أيضاً، هي العلامة التي ينطلق منها النضال، كعلامة حجب، إذ يختبئ زياد وتميم خلف شجرة كينا كي يخططا لعملياتهما، وهي العلامة التي تُتوِّج نجاح الخطة، كعلامة إعلان، إذ تحتضن شجرة سرو عالية العلم الفلسطيني "كيد خضراء ممدودة إلى السماء". وللمفارقة، فإن جذعاً من شجرة – عصا رمّان – هو علامة العقاب الدائمة التي تُلخص شخصية أبو زياد، مدشِّنةً في الوقت ذاته الوجه العكسي له، مناضلاً سابقاً عُذّب في سجون العدو فصار عقابه موجهاً لابنه، خشية أن يضيع. ومن هنا، فإن الشجرة كعلامة تصبح العدو الأول لسلطات الاحتلال، التي تحرص على اقتلاع الأشجار لدواعٍ أمنية، طامحةً في إبطال مفعولها، كأن العلامة هي القنبلة.
صعوداً إلى عالم الآباء، يكاد أبو تميم يُختصر في علامة: "الأجهزة القديمة" التي يعيش بينها ليصلحها، وهي علامة خامدة تحيل إلى زمن أصابه العطب وصار إصلاحه الوحيد الممكن هو سرقة العلامة كما يفعل الابن، وإعادة توجيهها كعلامةٍ فاعلة، استناداً لخرابها نفسه. وصولاً إلى الفصل النهائي، ينهضُ استقراء ما جرى من تمييع العلامة باعتبارها مركزاً للتحوُّلات؛ استقراءٌ كاشف لفعل التشويه الأعمق والأفدح رمزية للاحتلال، إذ تصير الأسطح محجوبة كالمقابر، والأشجار مصمتة كالبنايات. يعطِّل حجبُ العلامة فاعليتها ممهداً لاجتياحٍ جديد، انتظاراً لإعادة شحن، تعيد تعريف كلَّ شيء، من وجه المكان إلى وجوه البشر.
* روائي من مصر