الفنان الغزّي وحدود المأساة

26 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:03 (توقيت القدس)
من دفتر "ما زلت حياً" لميسرة بارود (صفحة الفنان/ فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- منذ السابع من أكتوبر 2023، يستخدم الفنانون الفلسطينيون في غزة فنهم كوسيلة مقاومة وتوثيق لفضح جرائم الاحتلال ونداء استغاثة للعالم، بهدف كسر جدار الصمت الدولي وحفظ الذاكرة الجماعية.
- الفنان سهيل سالم يعبر عن الدمار الداخلي باستخدام مواد بسيطة مثل أقلام الحبر وعبوات الأدوية، حيث تتداخل الواقعية مع التجريد لتصوير بقايا وجود بائس.
- ميسرة بارود ورائد عيسى يوثقان الفاجعة من خلال رسومات متقشفة وأعمال فحمية، محولين معاناة الضحايا إلى أثر بصري يتجاوز التوثيق ويدخل حقل المساءلة الأخلاقية والسياسية.

منذ السابع من أكتوبر 2023، يعيش أهل غزّة إبادة جماعية تُقارب في وحشيتها ما يمكن وصفه بـ'محرقة جديدة' لم يشهد التاريخ المعاصر لها مثيلاً. لقد دفع هذا الواقع المرير العديد من الفنانين الفلسطينيين خصوصاً منهم الغزيين، بوصفهم ضحايا وشهوداً عليها، إلى تحويل أدواتهم الفنية إلى وسائط مزدوجة الوظيفة: أدوات مقاومة وتوثيق تسعى إلى حفظ الذاكرة الجماعية وفضح جرائم الاحتلال المرتكبة، وكذلك نداء استغاثة إلى العالم، في محاولة لكسر جدار الصمت الدولي.

في مجموعة رسوماته المعنونة بـ"نداء استغاثة.. أنقذوا أرواحنا" يستعين الفنان الغزّي سهيل سالم بمواد بسيطة، حيث يحوّل الأدوات المتوفرة مثل أقلام الحبر، وعبوات الأدوية، وأوراق دفاتر الطلبة إلى وسائل تعبير. تتميز رسومات سالم، التي تجمع بين الهشاشة والقوة، بشدتها البصرية وعمق شحنتها العاطفية: داخل دوامة محمومة من الخطوط توحي بالخراب الذي يبتلع حياتهم اليومية، شخوص تتحرّك على خلفية قاتمة تكشف عن ألسنة لهيب متداخلة، أفواه مدافع مشحونة بالقتل وأطلال منازل حيث يتجاور الأحياء مع الأموات في تركيبة واحدة تطمس الحدود بين الوجود والفقد. أحياناً معزولة وأحياناً مكتظة في فضاءات ضيقة، تبدو هذه الوجوه أسيرة لعالم خانق لا يكتفي الفنان فيه بإظهار دمار المكان، بل يكشف أيضاً عن الانهيار الداخلي لأرواح سحقتها الحرب. الكتابة البصرية الكثيفة، المشحونة والمتشابكة لسهيل سالم، تعتمد على لغة رمزية قادرة على التعبير عن وحشية ما لا يُحتمل، دون أن تختزله في تمثيل مباشر أو سطحي. على سبيل المثال، تظهر رسومات رؤوساً طفولية مجنّحة سابحة، مغمضة العينين، في الفضاء؛ أو المرأة العزلاء، ذات الوجه التعيس، التي تعانق بذراعيها الفراغ. في رسومات أخرى، تتداخل الواقعية مع التجريد، ضمن حالة من التقاطع البصري القلق، حيث تتشوّه الأشكال وتتفتّت حتى تفقد صلتها المباشرة بما تمثله في الواقع، وكأن أجساد الضحايا تذوب في دوامة من الخطوط المتداخلة، فتبدو مثل بقايا وجود بائس انتزعه قتام الحرب من النور.

لغةٌ رمزية قادرة على التعبير عن وحشية ما لا يُحتمل

مُثقلاً بهواجس موت وشيك، بعدما شهد تدمير منزله ومرسمه، يُدون الفنان الغزّي ميسرة بارود في دفتر يومياته المعنون بـ"ما زلت حياً" مشاهد الألم، من خلال رسومات متقشفة توثّق الفاجعة. هذا التبسيط في التصوير يكثّف عنف المشاعر وشدتها، مختصراً إياها في وضعيات جسدية معبرة، حيث تضيف بساطة الأشكال إلى رسومات الفنان بُعداً إنسانياً كونياً. فالشخصيات في أعمال بارود اختُزلت إلى ظلال بيضاء متكسرة أمام خلفيات سوداء حادة الزوايا. بعيداً عن كل استعراض مفرط في كشف المعاناة، تنقل رسومات بارود بلغةٍ تأملية تفاصيل حياة منهكة تحت وطأة القتل المتواصل والمثقلة بتراكم الأحزان والآلام. في رسومات بارود، يتشوَّه كلّ شيء، يبتعد عما يمكن أن يحيل عليه ليحوي في داخله عذاباً لا يوصف؛ مثل هذا الهلال الذي تحوّل، في سماء حالكة، إلى رأس ملقط حادّ منذور لانتزاع الأرواح من أجسادها، وبتلات الورد التي مُسخت إلى أشكال مسنّنة، بقايا مهشمة من أمل، وأولئك الرجال الممدودين مثل المطّاط، الذين تحوّلت أجسادهم إلى حقل طيّع تحرثه آلة الحرب كما تشاء.                                                                                                                           
رائد عيسى فنان فقَد كل شيء بسبب الحرب على غزة، ورسوماته تحمل انطباعاً صادماً، فهي لا تكتفي بتصوير الألم، بل تجعله محسوساً، في أعماله بالفحم على أوراق جُمعت من هنا وهناك، تفقد الشخصيات ملامحها لتتحول إلى ظلال سوداء، تاركة لعين المتلقي مهمة تخيّل مدى الفظاعة التي حلّت بها. فالوجوه لا تُقدَّم بوصفها بورتريهات تقليدية، بل أيقونات عذاب: هزيلة، بعظام بارزة ومحاجر غائرة، تجمّدت أفواهها في صرخات ذعر طويلة اختُزلت في لحظة بصرية واحدة. الأسطح الملطخة بالفحم لا تعكس الضوء، بل تبتلعه محوّلة كل خط وسحنة إلى شواهد حدادٍ بصري يحفر الألم في ذاكرة الورق. في رسومات فحمية أخرى، تتلاشى ملامح الشخصيات لتذوب في كتل مظلمة متشابكة تتخللها بقع ترابية من القهوة وأخرى دموية من الكركديه لتوحي بحجم المأساة دون الحاجة إلى عرض التفاصيل، فعلى هذا الركام من اللحم المتفحم، تظهر هيئات حيوانية كلبية تنحني على الأجساد المكومة في إيحاءات صادمة تُرغم الناظر على تخيل ما لا يُوصف. 

تضيف بساطة الأشكال إلى الرسومات بُعداً إنسانياً كونياً
                                                                                           

تسعى هذه الأعمال إلى تحويل معاناة ضحاياها إلى أثرٍ بصري يتجاوز التصوير التوثيقي، ليلامس أقصى درجات الشعور الإنساني. إنها تعيد تشكيل الفاجعة بمفرداتها وخاماتها الخاصة لتدخل رمزياً حقل المساءلة الأخلاقية والسياسية لإبادة تُرتكب على مرأى من العالم. إنها تكشف، ضمنياً، عن مفارقة تاريخية مريرة: المحرقة التي شيّدت سردية مؤسسة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، هي اليوم ذريعة لمحرقة ممتدة أكثر هولاً وهمجية بحق الشعب الفلسطيني.

* كاتب من المغرب  

                               

المساهمون