الفلسفة في أميركا اللاتينية... ما لم تخبرنا عنه الرواية
- في النصف الثاني من القرن العشرين، شهدت الفلسفة في أميركا اللاتينية تحولاً عميقاً مع بروز تيارات مثل لاهوت التحرير ونظرية التبعية، مما أعاد التفكير في قضايا الحداثة والتنمية والديمقراطية من منظور "الجنوب".
- قدم مفكرون مثل إنريكي دوسيل مساهمات نقدية مهمة، حيث أعادوا النظر في مفاهيم الحداثة والاستعمار، وفتحوا المجال لحوار جنوبي-جنوبي يعيد النظر في مصادر إنتاج المعرفة.
شكّل أدب أميركا اللاتينية، ولا سيما الرواية، نافذة تعرّف من خلالها القارئ العربي منذ السبعينيات على عوالم القارة؛ الأنظمة الدكتاتورية وفسادها، والعنف والانقلابات وانعكاسها على مجتمعاتها المتعددة ثقافياً، غير أنّ هذه الوفرة الأدبية يقابلها شحٌّ بيّن في نقل نتاجها الفلسفي والفكري، حتّى ليخيّل أنّ تلك الجغرافية التي أنجبت روائيين كباراً لم تُنتج فكراً نقدياً يُعتدّ به، أو أنّ الفلسفة ظلّت شأناً أوروبياً خالصاً.
ورغم أن الاهتمام العربي ارتبط في جانب من جوانبه بنزعات مناهضة الولايات المتحدة لدى حركات اليسار في أميركا الوسطى والجنوبية، إلا أن الترجمة لم تتوجه إلى مجال الدراسات الثقافية وما بعد الاستعمار، خلافاً لثقافات أخرى تحتفي بهذه النتاجات.
مساءلة المركزية الغربية
مع أنّ الفلسفة في أميركا اللاتينية نشأت في ظلّ هيمنة المرجعيات الأوروبية، وبدت في بداياتها امتداداً لها، فقد شهدت، في النصف الثاني من القرن العشرين، تحوّلاً عميقاً، إذ بدأ مفكّرو القارة بمساءلة المركزية الغربية نفسها، وانتهوا إلى بلورة مقاربات نقدية أصيلة انطلقت من تجربتهم التاريخية: الاستعمار، والعبودية، والتبعية، وهشاشة الدولة الوطنية.
وفي ستينيات القرن الماضي، وسبعينياته، برزت تيارات فلسفية مثل لاهوت التحرير، ونظرية التبعية، وفلسفة التحرّر، أعادت التفكير في قضايا الحداثة والتنمية والديمقراطية من موقع "الجنوب". ثم تعزّز هذا المسار في التسعينيات مع صعود الدراسات الديكولونيالية، والنسوية اللاتينية، ونظرية ما بعد التنمية، والإيكولوجيا السياسية، وفي القلب منها جميعاً السؤالُ المركزي: كيف ننتج معرفة لا تنطلق من الغرب بوصفه معياراً كونياً وحيداً؟
كيف نفكّر في الحداثة؟
يبرز الفيلسوف الأرجنتيني-المكسيكي إنريكي دوسيل، بوصفه أحد أبرز ممثّلي فلسفة التحرّر، إذ أعاد قراءة الحداثة لا انطلاقاً من عصر الأنوار، بل من عام 1492، لحظة الغزو الأوروبي لأميركا. فالحداثة، في نظره، لم تكن مشروعاً عقلانياً خالصاً، بل تشكّلت بالتوازي مع العنف الاستعماري، ولا يمكن فهم ادّعائها الكوني من دون النظر في وجهها الآخر المظلم، القائم على الاستعباد والإبادة والنهب.
يبيّن دوسيل أنّ الفلسفة الأوروبية حين عرّفت "الإنسان" و"العقل" و"التقدّم"، فعلت ذلك من موقع سلطةٍ أقصت تجارب الشعوب المستعمَرة ومعارفها، بوصفها ناقصة أو متخلّفة أو "خارج التاريخ". فرسّخت بذلك بنية عالمية تُقسّم العالم إلى مركز وأطراف، وتمنح "العالم الأول" حق الوصاية باسم التمدين أو التنمية أو حتّى العولمة.
قدّم مفكرو القارة مساهمات نقدية أصيلة تحاكي تجربتهم التاريخية
وفي مواجهة ذلك، يقترح دوسيل إعادة تأسيس الأخلاق والسياسة انطلاقاً من موقع "الضحيّة". فالآخر المقموع -المستعمَر، والفقير، والمرأة المعنَّفة، والشعوب الأصلية، وحتّى الطبيعة المستغلّة- هو من ينبغي أن يكون منطلق التفكير الفلسفي. ومن هنا تتأسّس فلسفة تحرّرية نقدية تنشئ حواراً ندياً، يُنصَت فيه إلى "الآخر الجذري"، وتتجاوز "جدلية الهيمنة" إلى أفق معرفي بديل وحداثة متعدّدة.
الاستعمار لم ينتهِ
وإلى جانب دوسيل، يبرز عالم الاجتماع البيروفي أنيبال كيخانو، صاحب مفهوم "استعمارية السلطة" الذي انخرط منذ ستينيات القرن الماضي في تأسيس علم اجتماع نقديّ لاتيني، ثمّ بلور في مطلع التسعينيات أطروحته الأكثر تأثيراً: الاستعمار لم ينتهِ بخروج الجيوش، بل استمر كبُنية تنظّم العالم.
يرى كيخانو أنّ الرأسمالية الحديثة نشأت متشابكة مع تصنيف عنصري للبشرية. فخلال الغزو الأوروبي لأميركا جرى اختراع تراتبية عرقية قسّمت البشر إلى متفوّقين ومتخلّفين، وربطت لون البشرة بمكانة العمل. ومن ثمّ فإنّ العنصرية ليست عرَضاً جانبياً للرأسمالية، بل أحد مكوّناتها المؤسِّسة. فالحداثة، والرأسمالية، والعنصرية، والاستعمارية حلقات متّصلة في منظومة واحدة.
وتكمن أهمية مفهوم "استعمارية السلطة" في كشفه عن استمرارية البنية الاستعمارية في مفاصل الدولة الوطنية الحديثة، اقتصاداً، واجتماعاً، وثقافةً. فهذه التصنيفات العرقية والإثنية التي تبدو اليوم طبيعية، هي في الواقع نتاج تاريخ طويل من السلطة. وعليه فإنّ "الغزو ليس حدثاً، بل بنية" تتجدّد بأشكال مختلفة، من تقسيم العمل العالمي إلى تراتبية إنتاج المعرفة.
الجندر والعنف والاستعمار
أمّا الأنثروبولوجية الأرجنتينية ريتا لاورا سيغاتو فتقدّم مقاربة نسوية ديكولونيالية تربط بين الجندر والعنف والاستعمار. ترى سيغاتو أنّ العنف ضد النساء ليس انحرافاً فردياً أو خللاً أخلاقياً، وإنّما سلطة تمارسها البنى الاجتماعية، التي رسّختها الحالة الاستعمارية الحديثة، معيدةً إنتاج النظام الأبوي القديم.
إقامة حوار جنوبي-جنوبي، يعيد النظر في مصادر إنتاج المعرفة
وفي كتابها "بنى العنف الأوليّة" (2003)، تحلّل سيغاتو الخضوع بوصفه عملية تَذويت سياسي، لا مجرد علاقة جنسية منحرفة. وتذهب إلى أنّ ما يُسمّى "جرائم جنسية" ليس في جوهره سوى جرائم سلطة وهيمنة، يغدو فيها العنف القائم على النوع الاجتماعي أداة كاشفة لبنية كاملة، لا لحوادث معزولة.
وتوسّع سيغاتو هذا التحليل بالتمييز بين "قتل النساء" بوصفه جريمة تقع ضمن علاقات شخصية، و"الإبادة الجندرية" حين تُستهدف النساء لأنهن نساء، سعياً إلى حالة من الترهيب الجماعي. والعنف هنا عرْضٌ للقوة داخل نظام يفرض على الرجال أنفسهم نموذجاً قاسياً للذكورة، فيتحولون بدورهم إلى أسرى بنية تُغذّي العنف وتعيد إنتاجه.
ويرتبط هؤلاء الثلاثة بمفكّرين آخرين من أميركا اللاتينية، مثل والتر مينولو، صاحب نظرية "العصيان المعرفي"، وماريا لوغونيس، التي صاغت مفهوم "استعمارية الجندر" وأرتورو إسكوبار، صاحب نظرية "ما بعد التنمية"، ضمن شبكة بحثية عرفت بمجموعة "الحداثة الاستعمارية"، سعت إلى تفكيك ادعاءات الحداثة الغربية، وإلى إعادة كتابة تاريخها من منظور الأطراف والتجارب التاريخية التي ظلت مهمَّشة في السردية الأوروبية.
ولا تبدو هذه المسائل بعيدة عن هموم القارئ العربي؛ فالتجربة الاستعمارية، والتبعية الاقتصادية، وإشكاليات الدولة والهوية، عناصر مشتركة بين السياقين العربي والأميركو-اللاتيني. ولذا، فإنّ الانفتاح على هذا الفكر يُعدّ ضرورة لإقامة حوار جنوبي-جنوبي، يعيد النظر في مصادر إنتاج المعرفة ومراكزها.