الفرنكفونيون في أميركا اللاتينية.. السلالة الشعرية المنسية
استمع إلى الملخص
- يبرز الباحث إيمليان سيرمييه في كتابه "حداثيون من الطرف النقيض" دور هؤلاء الشعراء في تشكيل الحداثة الشعرية، مشيرًا إلى تقليد ثنائي اللغة وتأثير شعراء مثل خوسيه-ماريا دي إيريديا ولوتريامون.
- يركز سيرمييه على شعراء مركزيين مثل فيسنتي ويدوبرو وسيزار مورو، مسلطًا الضوء على تجاربهم في دمج السريالية والتراث المحلي، وتأثيرهم على شعراء لاحقين مثل سيلفيا بارون سوبرفييل.
"لقد أنجبت أميركا اللاتينية شعراء كباراً بلسانٍ فرنسيّ". هذا ما قاله لويس أراغون عام 1936، مسجّلاً شهادته على إسهام شعراء أميركيين لاتينيين في تجديد الشعر الفرنسي، في حقبة ما بين الحربين العالميّتين، وهي الحقبة التي شهدت ازدهار أهم الحركات الأدبية الطليعية. غير أن العقود التي تلت الحرب الثانية، ألقت بظلال النسيان على هؤلاء الشعراء، فاختفت أسماؤهم من المدوّنة النقدية الفرنسية، وباتوا "هوامش" على متن الحداثة الفرنسية، بالرغم من أنّ منجزهم كان في قلبها.
لقد اختلفت دوافع هؤلاء الشعراء لاختيار الفرنسية لغة للكتابة، فكانت عند بعضهم فضاءً يتجاوز حدود الجغرافيا الضيقة وقوالب الأدب القومي، وخروجاً من لغة المستعمِر السابق وعليها عند آخرين، فيما وجد فريق ثالث في الازدواج اللغوي وسيلة لرؤية الذات من الخارج، وفكّ الارتباط القسري بالأصل والجذور، والسعي إلى حداثة لا تخضع للهيمنة الأوروبية ولا للانغلاق على الهوية.
شركاء فاعلون
لم يكن الشعراء الذين عبروا الأطلسي وأقاموا في باريس، فاحتضنتهم مجلاتها الطليعية ودور نشرها الرائدة، واحتفى بتجاربهم شعراؤها، مجرد "ضيوف" على الحداثة الشعرية الفرنسية، بل كانوا شركاء فاعلين في صنعها، عبر كتابة جديدة تقوم على التجريب والتجديد في الأشكال والرؤى، لكنّ النقد الفرنسي الرسمي آثر أن ينظر إليهم بوصفهم عابرين غرباء، فأقصاهم تدريجياً من الذاكرة الأدبية.
اختلفت دوافع هؤلاء الشعراء لاختيار الفرنسية لغة للكتابة
وتطرح هذه الطريقة في النظر إلى هؤلاء الشعراء إشكاليّات جوهرية: فلماذا يُدرَج، مثلاً، شاعرٌ سويسري مثل فيليب جاكوتيه أو بلجيكي كهنري ميشو في متن "الشعر الفرنسي"، فيما يُدفع بشعراء أميركا اللاتينية إلى هامش "الفرنكوفونية"؟ وما المعايير التي تحكم هذا التمييز؟ ولماذا يحظى الأدب الفرنكوفوني الأفريقي والكاريبي بالاهتمام الكبير وتظلّ التجارب اللاتينية شبه غائبة بالرغم من أصالتها ودورها في التحوّلات الشعرية الكبرى؟
تكمن الإجابة، كما يوضح الباحث السويسري إيمليان سيرمييه، في آليات إقصائيّة ينتهجها التأريخ الأدبي الفرنسي، المستند إلى نموذج قومي مهيمنٍ يربط الأدب بحدود اللغة والهوية والثقافة الواحدة، وفي نوع من الريبة الثقافية تجاه الكتّاب "الوافدين"، الذين يُنظر إلى كتاباتهم بوصفها "دخيلة"، أو نتاج ترفٍ ثقافي، لا كتابة متجذّرة في تجربة وجودية حقيقية.
تقليد ثنائي اللغة
عكف سيرمييه لسنواتٍ على دراسة هذه السلالة الشعرية المنسية، وتوّج جهده بكتابه "حداثيون من الطرف النقيض؛ شعراء أميركا اللاتينية الفرنكوفونيون"، (دار امبرسيون نوفيل، 2025)، بالتزامن مع نشره أعمال الشاعرين فيسنتي ويدوبرو وألفريدو غانغوتينا الفرنسية الكاملة، في طبعة نقدية محقّقة.
اعتمد الباحث في دراسته هذه منظوراً مزدوجاً: سوسيولوجياً يتتبع خرائط تنقّل هؤلاء الشعراء والشبكات الثقافية التي أنشأوها بين باريس وبلدانهم، ونصياً يحلّل قصائدهم، مستكشفاً سماتها وعناصر التجديد فيها، وكيف اقترحت جماليات بديلة ومغايرة.
هناك تقليد ثنائي اللغة في أميركا اللاتينية منذ القرن الـ19
ينطلق سيرمييه من وجود تقليد ثنائي اللغة في أميركا اللاتينية منذ القرن التاسع عشر، عند شعراء تأثّروا بالشعرية الفرنسية السائدة آنذاك والتزموا بتقاليدها، وفي مقدّمتهم خوسيه-ماريا دي إيريديا، المولود في كوبا، الذي بات اسماً بارزاً في الحركة البرناسية. ثم يتتبّع تقليداً موازياً قاده الثلاثي الأوروغوياني (من أصول فرنسية) الذي ساهم في تفكيك القوالب الكلاسيكية: لوتريامون، بنثره الوحشي في "أناشيد مالدورور" الذي ألهم السورياليين، ولافورغ، أحد روّاد الشعر الحر، ثم سوبرفييل الذي ظل ممزقاً بين القارتين، لكنه تبنّى الفرنسية حصراً، وأدى دوراً مهماً في احتضان الشعراء الوافدين إلى باريس من أميركا اللاتينية.
أربعة أصوات مركزية
مهّد هؤلاء الثلاثة الطريق لجيل جديد من الشعراء الفرنكوفونيّين، يفرد سيرمييه حيّزاً واسعاً في دراسته لأربعة منهم، يتصدّرهم التشيلي فيسنتي ويدوبرو (1893–1948) الذي اقترب خلال إقامته الباريسية من الحركتين الدادائية والسريالية، قبل أن يؤسّس حركته "الإبداعية"، حيث دعا إلى أن تكون القصيدة صنيعاً قائماً بذاته لا يتضمّن رسالة محدّدة. وفي الممارسة، حرّر قصيدته من الوزن، ومنح النص بعداً بصرياً، وأظهر جرأة كبيرة في استخدام التراكيب والصور غير المألوفة. كتب بالفرنسية مجموعته الشهيرة "الأفق المربّع" (1917)، وأسّس مع بيير ريفيردي مجلة شمال-جنوب. وبعد قطيعته مع السريالية عاد إلى تشيلي، وكتب بلغته الأمّ نصوصاً جعلت منه أحد آباء الحداثة الشعرية الإسبانية.
أمّا البيروفي سيزار مورو (1903–1956)، فهو أوّل شاعر من أميركا الجنوبية ينخرط فعلياً في الحركة السريالية الباريسية، خلال إقامته في باريس من 1925 إلى 1933، لكنّه مزجها، في الممارسة، بتراث بلده، وكتب قصائد إيروسية جذرية تتحدى المنظور الذكوري السائد في شعر الحب السريالي. وبعد عودته إلى أميركا الجنوبية، ساهم في نشر السريالية في المكسيك، بعد انتقاله إليها من البيرو سنة 1938.
ويمثّل سيرجيو ميلييه (1898–1966) الوجه المرح والساخر للحداثة البرازيلية، إذ كتب نصوصاً فرنسية أسقط فيها الصور النمطية الأوروبية عن البرازيل، ومزج الأفكار الطليعية الأوروبية بتراث بلاده، مؤسساً حداثة هجينة، أثّرت في حركة "المودرنيزم" البرازيلية بعد عودته من باريس، في حين كتب الإكوادوري ألفريدو غانغوتينا (1904–1944) وهو فتى في العشرين، قصائد غنائية متدفّقة ذات مسحة روحية، يطغى عليها إحساس عميق بـ"المنفى الداخلي"، احتفى بها كبار الشعراء الفرنسيّين، ورأوا فيها عبقرية واعدة. وبعد عودته إلى الإكوادور عاش في شبه عزلة، إذ لم ينل اعتراف النقاد في بلاده، بالرغم من استئنافه الكتابة بالإسبانية. وقد كشفت رسائل نشرَتْها دار جان-ميشيل بلاس (2014) كان قد وجّهها إليه سوبرفييل وجاكوب وميشو وآخرون عن مدى حضوره وتأثيره في المشهد الشعري الباريسي قبل الحرب العالمية الثانية.
ولا تغفل دراسة سيرمييه تجارب الشعراء اللاحقين، مثل الأرجنتينية سيلفيا بارون سوبرفييل التي وصلت إلى فرنسا سنة 1961، والتشيلي لويس ميزون، (سنة 1974)، اللذين سعيا في أعمالهما المكتوبة بالفرنسية إلى وصل جغرافيات ومخيّلات متباعدة، يفصل بينها المحيط، فاحتشدت قصائدهما بأسئلة المنفى والهجرة والذاكرة.