العملة السورية الجديدة.. حياد بصري مفتوح على التأويل والاختلاف

12 يناير 2026   |  آخر تحديث: 08:33 (توقيت القدس)
الرئيس السوري في حفل إطلاق العملة الجديدة بدمشق، 29 ديسمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أُطلقت النسخ الجديدة من العملة السورية بتصميم يركز على عناصر الطبيعة مثل القمح والزيتون، بدلاً من الشخصيات الرمزية، بهدف التعبير عن المشترك وتقليل النزاع الرمزي.
- أثار التصميم الجديد نقاشاً حول ما إذا كان الحياد في العملة يمثل إفراغاً دلالياً، حيث يرى النقاد أن الابتعاد عن السياسة قد يؤدي إلى فقدان البعد الثقافي والتاريخي.
- يعكس النقاش حول العملة تحوّلاً ثقافياً في سوريا، حيث يبحث المجتمع عن إعادة تعريف الهوية والذاكرة، مما يجعل الحياد خياراً إشكالياً.

حين أُطلقت النسخ الجديدة من فئات العملة السورية نهاية العام الماضي، بدا واضحاً أن هناك رغبة في الابتعاد عن التمثيل الشخصي والرمزي للسلطة، إذ اختفت الوجوه، وغابت الشخصيات، وحلّت مكانها عناصر من الطبيعة والبيئة السورية: القمح، الزيتون، التوت، البرتقال، الوردة الشامية. وفي مقابلة إعلامية، شدّد مصمم العملة محمد سلواية على أن هذا الخيار مقصود، وأن العملة لا تمتلك حصرية تمثيل التاريخ السوري أو ثقافته، وأنها ليست وسيلة لفرض قراءة معينة للهوية، بل أداة تداول يومية تسعى إلى التعبير عن المشترك، لا عن المختلف عليه.

يبدو هذا التوجه مفهوماً، بل يمكن اعتباره محاولة واعية لإغلاق باب نزاع رمزي طالما استُخدمت فيه العملة أداة للقول الواحد. المفارقة أن هذه المحاولة نفسها فتحت نقاشاً جديداً، لا يقل حدّة عن النقاشات السابقة. وسرعان ما ظهرت قراءات نقدية رأت في هذا الحياد المعلن نوعاً من الإفراغ الدلالي، واعتبرت أن العملة الجديدة، وهي تبتعد عن السياسة، ابتعدت أيضاً عن الثقافة بوصفها سرداً إنسانياً وتاريخياً، وعن الإنسان السوري بوصفه فاعلاً ومنتجاً للمعنى.

قبل الدخول في الجدل الذي أثاره تصميم العملة، ينبغي العودة خطوة إلى الوراء، لا إلى اللحظة السياسية الراهنة، بل إلى تاريخ النقود السورية نفسها، بوصفها حاملاً ثقافياً ورمزياً قبل أن تتحوّل، في مراحل لاحقة، إلى أداة مباشرة لتمثيل السلطة. فالنقاش الدائر اليوم لا يتعلّق بورقة نقدية فحسب، بل بعلاقة طويلة ومعقّدة بين المال والهوية، وبين الرمز والذاكرة العامة. 

جرى اختزال العملة تدريجياً إلى مساحة تمجيد سياسي مباشر
 

إذا ألقينا نظرة على إصدارات الليرة السورية في المراحل التي سبقت الحقبة الأسدية، سنجد أن العملة لم تكن حيادية بالمعنى الدقيق، لكنها لم تكن أيضاً مختزلة في شخص أو سردية واحدة، إذ حملت منذ الاستقلال صور آثار ومعالم تاريخية، وإشارات إلى العمل والإنتاج، والزراعة والحِرف، والعمران، بما يعكس تصوراً للهوية بوصفها نتاجاً تاريخياً واجتماعياً متراكماً. فكانت فضاءً بصرياً يعرض عناصر من الثقافة المادية والرمزية، ويستدعي المجتمع أكثر مما يستدعي السلطة. 

التحوّل حصل لاحقاً، حين جرى اختزال العملة تدريجياً إلى مساحة تمجيد سياسي مباشر. عندها، لم تعد الورقة النقدية تحكي عن المكان، أو الناس، أو العمل، أو التاريخ، بل عن السلطة بوصفها مركز المعنى الوحيد. الاستخدام المكثّف لها أداةَ هيمنة رمزية هو ما جعل مسألة الرموز شديدة الحساسية اليوم، لأنّ الذاكرة الجمعية ما زالت مثقلة بتجربة طويلة من فرض السردية الواحدة عبر أبسط تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك ما حمله المواطنون في جيوبهم. 

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التصميم الجديد للعملة السورية بوصفه ردّة فعل واعية على هذا الإرث. من زاوية سيميائية مبسّطة، يمكن قراءة العملة بوصفها نصاً بصرياً. كل عنصر فيها هو علامة: الصورة، اللون، الخط، التكوين. وهنا في العملة الجديدة، تتقدّم الطبيعة لتحتل مركز الدلالة. القمح، مثلاً، يحيل إلى الاستمرارية والعيش اليومي، والزيتون إلى الجذور والارتباط بالأرض، والوردة الشامية إلى المدينة بوصفها ذاكرة مكان. هذه الرموز لا تخلو من معنى، لكنها تنتمي إلى حقل دلالي عام، يتجنب الصدام، ويخفف حدّة الاستقطاب. 

هل العملة هي الحيّز الأنسب لحمل هذا العبء الرمزي الكثيف؟

هذا الاختيار يطرح سؤالاً ثقافياً مشروعاً: ماذا يحدث حين تُستبدل الرموز التاريخية والاجتماعية برموز طبيعية عامة؟ سيميائياً، الطبيعة دالّ واسع، لكنه صامت. لا يحكي قصة محددة، ولا يستدعي تجربة إنسانية بعينها، ولا يشير إلى فعل ثقافي أو إبداعي. وفيه تغيب الحِرف، وتتلاشى المدن بوصفها فضاءات تاريخية، كما يغيب الإنسان في عمله وفنه وصراعاته اليومية. وبهذا المعنى، لا يبدو أن المشكلة تكمن في غياب الرموز، بل في طبيعة الرموز المختارة، وفي انزياح الدلالة من التاريخ الاجتماعي إلى المشترك الطبيعي. 

هذا النقاش لا يمكن فصله عن السياق الأوسع، فمن يراقب الشأن السوري في السنوات الأخيرة يلاحظ بسهولة أن أي موضوع عام، مهما بدا تقنياً أو إجرائياً، سرعان ما يتحول إلى مساحة جدال واختلاف، وأحياناً إلى ساحة استقطاب رمزي. وبعد سنة ونيف على إسقاط نظام بشار الأسد، بات كل تفصيل يُقرأ بوصفه مؤشراً على كيفية إعادة تعريف الهوية والذاكرة والفضاء العام. في هذا السياق، لم تعد العملة مجرد وسيلة تبادل، بل أصبحت جزءاً من نقاش ثقافي أوسع حول التمثيل والغياب والحضور.

السوريون بوصفهم جزءاً من الفضاء العربي والإسلامي، يراكمون في ذاكرتهم الجماعية أشكالاً كثيرة من الرموز: دينية وتاريخية، لغوية ومدينية، شعبية ونخبوية. رموز تشكّلت عبر قرون، وتراكبت في سياقات مختلفة، وأحياناً متناقضة. بعضها يوحِّد، وبعضها يقسِّم، وبعضها ما زال مثقلاً بصراعات لم تُحسم بعد. السؤال، إذاً، ليس لماذا غابت هذه الرموز عن العملة الجديدة فحسب، بل ما إذا كان من الضروري أصلاً إعادة ترسيخها جميعاً في العملة، وهل العملة هي الحيّز الأنسب لحمل هذا العبء الرمزي الكثيف؟ ربما تكمن الإشكالية الحقيقية في فائض التوقعات من كل تفصيل عام في لحظة انتقالية معقّدة. 

الجمهور يريد من العملة أن تكون محايدة، لكنه يريدها أيضاً أن تكون معبّرة. إنه يرفض الرموز المؤدلجة، لكنه يتحسّس من غياب الرموز الثقافية والتاريخية. وفي جهة أخرى يطالب بإبعاد السياسة، ثم يقرأ هذا الإبعاد نفسه بوصفه موقفاً سياسياً وثقافياً. في هذا السياق، لا يعود الحياد حلاً نهائياً، بل يتحول إلى خيار إشكالي بحد ذاته.

ما كشفه الجدل حول العملة السورية الجديدة هو أن النقاش ذاته جزء من التحوّل الثقافي الجاري. السؤال عن الإنسان الغائب، وعن الثقافة المؤجلة، وعن التاريخ غير الممثَّل، ليس سؤالاً تقنياً أو تصميمياً، بل سؤال عن الكيفية التي يريد بها مجتمع خرج من زمن طويل من التغييب أن يرى نفسه وثقافته في الفضاء العام. ربما لم تكن العملة المكان الأنسب لحسم هذه الأسئلة، لكنها أظهرت بوضوح أن الحياد، في سورية اليوم، ليس مجرد خيار بصري، بل هو موقف ثقافي مفتوح على التأويل والاختلاف، شأنه شأن كل ما يتصل بإعادة تعريف الهوية بعد زمن طويل من اختزالها.