استمع إلى الملخص
- تاريخيًا، ساهمت النساء الفيلسوفات مثل هيپاركيا أوف مارونيا وسيمون فايل في تحدي المعايير السائدة، مما أضفى على الفلسفة طابعًا أكثر ارتباطًا بالحياة والعدالة.
- يُشدد النص على أهمية الذكاء الحساس للمرأة في مواجهة التحديات الحالية، داعيًا المرأة العربية إلى طرح أسئلتها الخاصة وتحديد العالم الذي تحلم بالعيش فيه.
كلا. لا أتحدّث عن تلك الحقوق المرتبطة بالعدالة السياسية والاجتماعية والثقافية. لا أتحدّث عن الحقّ في التصويت. كما أنني لا أتحدّث عن الحق في التعلّم والتعليم. لا أشير إلى حق اتخاذ القرار. لا أشير إلى الحق في الحبّ والجنس والجسد. لا أتحدث عن حق العمل أو غيره. لا أشير إلى هذا كلّه. ثمّة بالنسبة لي، قبل أي شيء، حقٌ، نادراً ما نتذكّره. إنّه حق المرأة في الفلسفة، الحق في طرح الأسئلة والتفكير في العالم بصوتها الخاص.
ليست الفلسفةُ التي أتحدّث عنها هنا مجرّد مهنة أكاديمية أو تمرين فكريٍّ يقتصر على الكتب. إنّها، جوهرياً، طرحُ أسئلةٍ أساسية حول الحياة والوجود والعدالة والمعرفة والجنس والدين والحرية. وهي بذلك فنٌّ يوميٌّ يقرّبنا من القوّة التحويلية للأسئلة والتساؤلات. وليس ثمة خوفٌ من الأجوبة.
ماضياً، كانت النساء يفكّرن في العالم من وجهات نظر غالباً ما تكون غير مرئية أو مُتجاهَلة. هكذا تحدّت الفيلسوفة الإغريقية هيپاركيا أوف مارونيا معايير عصرها حين ناظرت في "الأغورا" الفلاسفة التشاؤميّين وطرحت أسئلتها حول العلاقة بين الحرية والتقاليد والأعراف. كذلك فعلت هايدغارد بنجين حين استكشفت العلاقة بين السماوي والأرضي في رؤيتها.
وبينما طالبت الفيلسوفة والشاعرة الفرنسية كريستين دي بيزان في كتابها "مدينة السيدات" بحق المرأة في التعليم والتأمل الفكري، اعتبرت سيمون فايل العدالة بمثابة فعل من أفعال التعاطف الجذري. أما ماريا زمبرانو فقد أنقذت الفلسفة نفسها حين اعتبرتها قصيدة بمقدورها أن تضيء الوجود.
ما أريد أن أقوله من هذا هو أن صوت المرأة - الفيلسوفة أو المفكّرة -، تاريخياً، لم يقتصر على التأمّل المجرّد، بل ارتبط ارتباطاً وثيقاً بحساسية وإبداع وتحويل العالم: هيباتيا الإسكندرية، تمثيلاً لا حصراً، عُرفت بأنّها المعلّمة الحقيقية لأسرار الفلسفة؛ إيميلي دو شاتليه لم تكتفِ بترجمة وتوسيع فيزياء نيوتن، بل دافعت أيضاً عن أهمية الحدس في العلوم؛ ماري كوري أحدثت ثورة في فهم المادة من خلال عملها على النشاط الإشعاعي؛ وروزاليند فرانكلين، من خلال صورة الحلزون المزدوج، فتحت الباب لفهم الحمض النووي والحياة نفسها.
ارتبط صوت المرأة تاريخياً بحساسية وإبداع وتحويل العالم
لا شك أنَّ هناك رابطاً مشتركاً في تفكير هؤلاء النساء. إنّه القدرة على توحيد الحدس مع العقل، والملاحظة مع الخيال، والعلم مع الجمال. معهن نرى فلسفة أكثر ارتباطاً بالحياة، وبالسؤال عن الآخر، وبأن العدالة هي أكثر من مجرد مفهوم، وأن الحرية هي في المقام الأول تجربة، في ما وراء التمرد. إنها فكره مقاومة عميقة وطريقة للبقاء وتحويل العالم من خلال التساؤل والإبداع.
هؤلاء النساء فعلن جميعاً الشيء نفسه الذي فعله المفكّرون العظماء في التاريخ: طرح الأسئلة. لقد قدمن طريقة جديدة في التفكير، ربّما أكثر إزعاجاً وشجاعةً، إن صح التعبير. قمن بكسر الأنماط الثقافية والمعرفية. لقد شعرن بحاجة إلى التشكيك في النظام القائم، وبالتالي فتح الكلمة أمام المستحيل، والنظر إلى الآخر في الاختلاف دون التخلص منه.
في هذا الزمن الكوني الذي يتغيّر فيه نموذج المعرفة في تفاعله اليومي مع التكنولوجيا، وفي هذا الزمن العربي المليء بطبقاتٍ القشور الثقافية والسياسية والاجتماعية، ربما يكون هذا الذكاء الحساس للمرأة أكثر قيمة وضرورة من أي وقت مضى للنجاة.
ربما، في هذا الطقس العربي الذي تهبُّ فيه العواصف من كلّ صوب، وتنعدم فيه الرؤية بسبب الضباب، لن تسعف العرب أيّ بوصلة إلّا تلك الطاقة الأنثوية الموجودة في أعماق كل امرأة، في صوتها، وجسدها، وفكرها، وفي ذلك الضوء الموجود داخلها.
إن اليوم الذي نحتفل فيه بحقوق المرأة هو فرصة للتذكير بجميع تلك الأسئلة العظيمة التي طرحتها النساء على مر التاريخ وغيّرت بموجبها مسار العالم. فأي سؤال تريد أن تسأله المرأة العربية اليوم؟ وأي عالم عربيّ تحلم أن تعيش فيه؟
* شاعر ومترجم سوري مقيم في إسبانيا